خطبة الجمعة القادمة 1 مايو 2026 بعنوان : إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري، للشيخ خالد القط

إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاريٌّ
بتاريخ 13 ذو القعدة 1447هـ – 1 مايو 2026م
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، نحمدُهُ تعالى حمدَ الشاكرينَ، ونشكرُهُ شكرَ الحامدينَ.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ يحيي ويميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، القائلُ في كتابِهِ العزيزِ: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) سورةُ التوبةِ 105. وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وصفيُّهُ من خلقِهِ وحبيبُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ وزدْ وباركْ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ، حقَّ قدرِهِ ومقدارِهِ العظيمِ.
أمَّا بعدُ
أيُّها المسلمونَ، فإنَّ العملَ هو السبيلُ الوحيدُ لكي يُدركَ الإنسانُ مناهُ، ويصلَ إلى مبتغاهُ، ويرضى ربَّهُ ومولاهُ، كما أنَّ احترامَ قيمةِ العملِ، وإبرازَ قيمتِهِ ومكانتِهِ، وتقديرَ العمالِ والاهتمامَ بهم، وبيانَ دورِهم في بناءِ ونهضةِ أيِّ أمةٍ من الأممِ، هو أقصرُ طريقٍ ليعيشَ الناسُ في بهاءٍ وزهاءٍ وهناءٍ ورخاءٍ، من أجلِ ذلكَ كلِّهِ جاءتْ دعوةُ الإسلامِ إلى العملِ، قالَ تعالى: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) سورةُ التوبةِ (105)، وكذلكَ جاءتْ دعوتُهُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إلى العملِ وعدمِ الاتكالِ على الناسِ والتسولِ والتسكعِ يمينًا أو شمالًا أو اتباعِ وسائلَ أخرى غيرِ مشروعةٍ للحصولِ على المالِ، فعندَ الإمامِ أحمدَ وغيرِهِ بسندٍ صحيحٍ من حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((واللهِ لأنْ يأخذَ أحدُكم حبلًا فيحتطبَ على ظهرِهِ فيأكلَ ويتصدَّقَ خيرٌ لهُ من أن يأتيَ رجلًا أغناهُ اللهُ عزَّ وجلَّ من فضلِهِ فيسألَهُ، أعطاهُ أو منعَهُ))، ويُروى عنهُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أنَّهُ قالَ: ((إنَّ اللهَ يحبُّ المؤمنَ المحترفَ، وفي روايةِ ابنِ عبدانَ: الشابَّ المحترفَ)) أي أن يكونَ لهُ حرفةٌ أو مهنةٌ.
أيُّها المسلمونَ، ولكنَّ الإسلامَ كدينٍ عظيمٍ لم يأمرْنا فقط بمجردِ العملِ، وإنَّما بإتقانِهِ وإحسانِهِ، وليسَ العملُ فحسبُ في الإسلامِ الذي أُمرنا بإحسانِهِ، وإنَّما كلُّ شيءٍ في حياتِنا ينبغي أن نؤدِّيَهُ بإحسانٍ وإتقانٍ، قالَ تعالى: ((وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) سورةُ البقرةِ (195)، وقالَ أيضًا: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)) سورةُ الكهفِ (30)، وقالَ أيضًا: ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)) سورةُ الملكِ (2)، وأخرجَ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ بسندٍ صحيحٍ من حديثِ شدادِ بنِ أوسٍ، أنَّهُ قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحَ، وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَهُ، وليرِحْ ذبيحتَهُ))، وفي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: ((أنَّ النبيَّ ﷺ خطبَ يومًا فذكرَ رجلًا من أصحابِهِ قُبِضَ، فكُفِّنَ في كفنٍ غيرِ طائلٍ، وقُبرَ ليلًا، فزجرَ النبيُّ ﷺ أن يُقبرَ الرجلُ بالليلِ حتى يُصلَّى عليهِ، إلا أن يُضطرَّ إنسانٌ إلى ذلكَ، وقالَ النبيُّ ﷺ: إذا كفَّنَ أحدُكم أخاهُ فليحسِّنْ كفنَهُ))، وعندَ الطبرانيِّ وغيرِهِ بسندٍ صحيحٍ من حديثِ أمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّهُ قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عملَ أحدُكم عملًا أن يُتقنَهُ)).
ولكنْ تُرى ما جزاءُ المحسنِ يومَ القيامةِ؟ جزاؤُهُ الجنةُ، وليسَ هذا فحسبُ، وإنَّما التمتعُ بالنظرِ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ، قالَ تعالى: ((لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) سورةُ يونسَ (26)، وقد قالوا إنَّ الزيادةَ هي النظرُ إلى وجهِ اللهِ الكريمِ يومَ القيامةِ.
ومن الأمورِ الهامةِ التي لفتَ الإسلامُ أنظارَنا إليها، ويجبُ الاهتمامُ بها، تقديرُ العاملِ ماديًّا ومعنويًّا، وعدمُ إهانتِهِ أو استحلالِ حقِّهِ وأجرِهِ، وأنَّ ذلكَ أمرٌ عظيمٌ عندَ اللهِ سبحانهُ وتعالى، بل علَّمنا الإسلامُ كيفَ نتعاملُ مع العاملِ، يقولُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((أعطوا الأجيرَ أجرَهُ قبلَ أن يجفَّ عرقُهُ)).
الخطبة الثانية
“””””””
أيُّها المسلمونَ، بلا شكٍّ فإنَّهُ ما من إنسانٍ يمتلكُ مالًا إلا وهدفُهُ أن يُنمِّي هذا المالَ ويستثمرَهُ، ولكنْ ينبغي على الإنسانِ أن يُحافظَ على مالِهِ، فلا يضعَهُ إلا في المكانِ المناسبِ، فلقد حذَّرنا الإسلامُ من إضاعةِ المالِ، ففي الصحيحينِ من حديثِ المغيرةِ بنِ شعبةَ، يقولُ: ((سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: إنَّ اللهَ كرهَ لكم ثلاثًا: قيلَ وقالَ، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السؤالِ))، ولكنْ أحيانًا الطمعُ والجشعُ يجرُّ البعضَ إلى أن يخسرَ مالَهُ نتيجةَ إغراءاتِ بعضِ ما يُسمَّونَ (المستريحينَ)، الذينَ ينصبونَ شباكَهم لإيقاعِ البعضِ فيها، ولكنْ على المسلمِ أن يكونَ فطنًا، فلا يضعَ مالَهُ إلا في مكانٍ مأمونٍ مضمونٍ، وأن يحتاطَ وأن يأخذَ بكلِّ الأسبابِ التي تجعلُهُ يُحافظُ على مالِهِ؛ لأنَّهُ بلا شكٍّ سيُسألُ عنهُ يومَ القيامةِ.

