خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة : نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ، بتاريخ 15 ربيع الأول 1448هـ ، الموافق 28 أغسطس 2026م.  للدكتور أحمد رمضان

خطبة الجمعة القادمة 28 أغسطس 2026 بعنوان : نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ ،  بتاريخ 15 ربيع الأول 1448هـ ، الموافق 28 أغسطس 2026م. 

عناصر خطبة الجمعة القادمة 28 أغسطس 2026م بعنوان : نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.

العنصرُ الأوَّلُ: رحمةُ النبيِّ ﷺ وشمولُها للعالمينَ.

العنصرُ الثانيُ: مشاهدُ مشرقةٌ من رحمةِ النبيِّ ﷺ.

العنصرُ الثالثُ: إذا أحببنا نبيَّ الرحمةِ ﷺ فلتظهرْ رحمتُهُ في حياتِنا.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 28 أغسطس 2026م : نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:

 نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ

بتاريخ 15 ربيع الأول 1448هـ – 28 أغسطس 2026م

المـــوضــــــــــوع

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، نحمدُه سبحانه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى اللهُ وسلّم وباركَ عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعينَ. أمَّا بعدُ،

عبادَ اللهِ، إنَّ من أعظمِ ما يحتاجُ إليهِ الإنسانُ في زمنٍ كثرتْ فيهِ القسوةُ، وسهلَ فيهِ الغضبُ، أن يعرفَ معنى الرحمةِ، وأن يراها متجسدةً في حياةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، أعظمِ من عرفتْهُ البشريةُ رحمةً وهديًا وإحسانًا.

لم تكنِ الرحمةُ خُلُقًا عارضًا في حياتِه ﷺ، بل قال اللهُ تعالى: ﴿وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمينَ﴾ [الأنبياءِ: 107].

فتأمَّلوا، عبادَ اللهِ، هذا الوصفَ العظيمَ: ﴿رحمةً للعالمينَ﴾؛ فقد جاءتْ رسالتُه ﷺ بالهدى الذي يُخرجُ الناسَ من الضلالِ، والحقِّ الذي يقومُ بهِ العدلُ، والخُلُقِ الذي تحيا بهِ القلوبُ، والرحمةِ التي تصلُ إلى الخلقِ.

ولذلكَ نقفُ في هذهِ الخطبةِ مع ثلاثةِ معانٍ:

العنصرُ الأوَّلُ: رحمةُ النبيِّ ﷺ وشمولُها للعالمينَ.

العنصرُ الثانيُ: مشاهدُ مشرقةٌ من رحمةِ النبيِّ ﷺ.

العنصرُ الثالثُ: إذا أحببنا نبيَّ الرحمةِ ﷺ فلتظهرْ رحمتُهُ في حياتِنا.

العنصرُ الأوَّلُ: رحمةُ النبيِّ ﷺ وشمولُها للعالمينَ

عبادَ اللهِ، إذا أردنا أن نفهمَ رحمةَ النبيِّ ﷺ، فلا بدَّ أن نبدأَ من القرآنِ؛ لأن أعظمَ من وصفَ محمدًا ﷺ هو ربُّ محمدٍ سبحانه وتعالى. قال اللهُ تعالى: ﴿وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمينَ﴾ [الأنبياءِ: 107]. قال الرازيُّ رحمه الله: «أنَّهُ ﷺ كَانَ رَحْمَةً فِي الدِّينِ وَفِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الدِّينِ فَلِأَنَّهُ بُعِثَ وَالنَّاسُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَضَلَالَةٍ، … وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِأَنَّهُمْ تَخَلَّصُوا بِسَبَبِهِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّلِّ وَالْقِتَالِ وَالْحُرُوبِ وَنُصِرُوا بِبَرَكَةِ دِينِهِ». (تفسير الرازي، ج22، ص93 باختصار).

وقال أبو هريرةَ رضي الله عنه: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً وَلَمْ أُبْعَثْ عَذَابًا». [مسلم (2599)].

وقال سبحانه في وصفِه ﷺ: ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسِكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنينَ رءوفٌ رحيمٌ﴾ [التوبةِ: 128]. قال القشيريُّ رحمه الله: «جَاءَكُمْ رَسُولٌ يُشَاكِلُكُمْ فِي الْبَشَرِيَّةِ، فَلَمَّا أَفْرَدْنَاهُ بِهِ مِنَ الْخُصُوصِيَّةِ أَلْبَسْنَاهُ لِبَاسَ الرَّحْمَةِ عَلَيْكُمْ، وَأَقَمْنَاهُ بِشَوَاهِدِ الْعَطْفِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى جُمْلَتِكُمْ، قَدْ وَكَّلَ هِمَمَهُ بِشَأْنِكُمْ، وَأَكْبَرُ هَمِّهِ إِيمَانُكُمْ». (لطائف الإشارات للقشيري، ج2، ص76).

وقد بلغَ من شدةِ حرصِه ﷺ على هدايةِ قومِه أنَّ اللهَ سلّاه وخففَ عنه، فقال سبحانه: ﴿لعلكَ باخعٌ نفسَكَ ألا يكونوا مؤمنينَ﴾ [الشعراءِ: 3]، أي: لعلكَ مهلكٌ نفسَكَ حزنًا عليهم، من شدةِ حرصِكَ على إيمانِهم وهداهم.

وقال سبحانه: ﴿فلعلَّكَ باخعٌ نفسَكَ على آثارِهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديثِ أسفًا﴾ [الكهفِ: 6]. قال الطبريُّ رحمه الله: «يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: فَلَعَلَّكَ يَا مُحَمَّدُ قَاتِلٌ نَفْسَكَ وَمُهْلِكُهَا عَلَى آثَارِ قَوْمِكَ الَّذِينَ قَالُوا لَكَ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، تَمَرُّدًا مِنْهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ». (تفسير الطبري، ج17، ص597).

فهذه رحمةٌ لا تقتصرُ على المالِ والطعامِ وقضاءِ الحاجاتِ؛ إنها رحمةٌ بالعقلِ من الضلالِ، وبالقلبِ من الكفرِ، وبالإنسانِ من الهلاكِ، ورحمتُه به في الدنيا والآخرةِ.

رحمةٌ لا تُناقضُ الحقَّ: عبادَ اللهِ، رحمتُه ﷺ لم تكنْ رحمةَ ضعفٍ أو استسلامٍ، ولا تعني تركَ الحقِّ أو السكوتَ عن الظلمِ؛ بل كان ﷺ أرحمَ الناسِ، وكان في الحقِّ أقومَ الناسِ.

فالرحمةُ لا تعني أن تتركَ المخطئَ على خطئِه، ولا أن تسكتَ عن الظلمِ بحجةِ الرحمةِ، بل كان ﷺ يضعُ الرحمةَ في موضعِها، والحزمَ في موضعِه، والعفوَ في موضعِه، والعدلَ في موضعِه.

ومن هنا نفهمُ قولَه ﷺ: «من لا يرحمْ لا يُرحمْ». [البخاري (6013)، ومسلم (2318)]. فالرحمةُ من عظيمِ أخلاقِ المؤمنِ، ومن أسبابِ رحمةِ اللهِ بعبدِه.

وقال ﷺ: «الراحمون يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا من في الأرضِ يرحمْكم من في السماءِ». [أبو داود (4941)، والترمذي (1924)، وصححه الترمذي].

فإذا كان رسولُ اللهِ ﷺ قد جاءَ رحمةً للعالمينَ، فإنَّ من أعظمِ ما نتعلَّمُه منه أن نكونَ أهلَ رحمةٍ؛ نرحمُ من تحتَ أيدينا، ونرفقُ بالصغيرِ، ونكرمُ الكبيرَ، ونحسنُ إلى من حولَنا. ولكنَّ رحمةَ النبيِّ ﷺ لم تكنْ كلامًا يُقرأُ في السيرةِ، بل كانتْ مواقفَ تُرى في الحياةِ: رحمةً بطفلٍ، ورفقًا بضعيفٍ، وتلطُّفًا بمخطئٍ، وإحسانًا إلى خادمٍ، وشَفَقَةً على حيوانٍ، وحرصًا على أُمَّةٍ.

وهنا ننتقلُ من المعنى إلى المشهدِ: فكيف كانتْ رحمةُ نبيِّنا ﷺ في مواقفِه اليوميةِ؟ وكيف رحمَ الصغيرَ والضعيفَ والمخطئَ والحيوانَ؟ هذا ما سنقفُ معه في العنصرِ الثانيِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.

العنصرُ الثاني: مشاهدُ مشرقةٌ من رحمةِ النبيِّ ﷺ

عبادَ اللهِ، إذا كانتْ رحمتُه ﷺ قد شملتِ العالمينَ، فإنَّ أجملَ ما يعرِّفُنا بها أن نراها في مواقفِها الحيَّةِ؛ مع الصغيرِ، والضعيفِ، والمخطئِ، والحيوانِ، بل حتى مع من آذاهُ. فالرحمةُ عند النبيِّ ﷺ لم تكنْ كلمةً تُقالُ، بل كانتْ منهجًا يُعاشُ.

أولًا: رحمتُه ﷺ بالصغارِ

عبادَ اللهِ، من أعظمِ مشاهدِ رحمةِ النبيِّ ﷺ رحمتُه بالصغارِ، فقد كان ﷺ يراعي مشاعرَهم ويُظهرُ لهم المحبةَ والحنانَ.

قال أبو هريرةَ رضي اللهُ عنه: «قبَّلَ رسولُ اللهِ ﷺ الحسنَ بنَ عليٍّ، وعندَه الأقرعُ بنُ حابسٍ التميميُّ جالسًا، فقال الأقرعُ: إنَّ لي عشرةً من الولدِ ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظرَ إليه رسولُ اللهِ ﷺ، ثم قال: من لا يرحمْ لا يُرحمْ» [البخاري (5997)، ومسلم (2318)].

ومن أعجبِ مواقفِه ﷺ ما رواه أنسٌ رضي اللهُ عنه، قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يدخلُ علينا، ولي أخٌ صغيرٌ يُكنَّى أبا عُميرٍ، وكان له نُغَرٌ يلعبُ به، فماتَ، فدخلَ عليه النبيُّ ﷺ ذاتَ يومٍ فرآه حزينًا، فقال: يا أبا عُميرٍ، ما فعلَ النُّغَيْرُ؟» [البخاري (6129)، ومسلم (2150)]. طفلٌ صغيرٌ حزنَ على طائرٍ، فلم يرَ النبيُّ ﷺ حزنَه أمرًا صغيرًا، بل خاطبَه بكنيتِه وواساهُ في حزنِه. فالرحمةُ أن تعرفَ أنَّ ما يبدو لكَ صغيرًا قد يكونُ كبيرًا في قلبِ من أمامَك.

ثانيًا: رحمتُه ﷺ بالضعفاءِ والخدمِ

وكان ﷺ رحيمًا بمن تحتَ يدِه، فلم تكنْ قدرتُه على غيرِه سببًا لقسوتِه عليه. قال أنسُ بنُ مالكٍ رضي اللهُ عنه: «خدمتُ رسولَ اللهِ ﷺ عشرَ سنينَ، واللهِ ما قالَ لي أُفًّا قطُّ، ولا قالَ لي لشيءٍ: لِمَ فعلتَ كذا؟ وهلَّا فعلتَ كذا؟» [البخاري (6038)، ومسلم (2310)]. عشرُ سنينَ خدمَه فيها أنسٌ رضي اللهُ عنه، فما أهانَه النبيُّ ﷺ، ولا عنَّفَه، ولا جعلَ قدرتَه عليه سببًا للقسوةِ. وهكذا كانتْ قدرتُه ﷺ على من حولَه سببًا للرحمةِ، لا للإيذاءِ.

ثالثًا: رحمتُه ﷺ بالمخطئِ والجاهلِ

أيها المسلمونَ، ومن أجملِ مشاهدِ رحمتِه ﷺ رحمتُه بمن يخطئُ؛ فلم يكنْ يعالجُ الخطأَ دائمًا بالإهانةِ والتوبيخِ، بل كان يعلِّمُ ويصلحُ ويرفقُ.

ومن أشهرِ ذلك قصةُ الأعرابيِّ الذي بالَ في المسجدِ. فقد قامَ الناسُ إليه، فقال النبيُّ ﷺ: «دعوه، وأهريقوا على بولِه سجلًا من ماءٍ، أو ذنوبًا من ماءٍ، فإنما بُعثتم ميسِّرينَ، ولم تُبعثوا معسِّرينَ» [البخاري (220)، ومسلم (284)].

كان الخطأُ واضحًا، والمكانُ مسجدَ رسولِ اللهِ ﷺ، ومع ذلك لم يحوِّلِ النبيُّ ﷺ المخطئَ إلى عدوٍّ، بل علَّمَه وأصلحَ خطأَه برفقٍ. ولما فهمَ الأعرابيُّ ما حدثَ، دعا للنبيِّ ﷺ وللمسلمينَ، وقال: «اللهمَّ ارحمني ومحمدًا، ولا ترحمْ معنا أحدًا»، فقال له النبيُّ ﷺ: «لقد تحجَّرتَ واسعًا» [البخاري (6010)، ومسلم (2594)]. فهذا هو التعليمُ بالرحمةِ: تصلحُ الخطأَ، ولكن لا تكسرُ صاحبَه.

رابعًا: رحمتُه ﷺ بأمَّتِه في العبادةِ

عبادَ اللهِ، وكانتْ رحمتُه ﷺ تظهرُ حتى في العبادةِ؛ فكان يرفقُ بالناسِ، ويكرهُ أن يشقَّ عليهم.

قال ﷺ: «إنِّي لأقومُ إلى الصلاةِ وأنا أريدُ أن أطوِّلَ فيها، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ، فأتجوَّزُ في صلاتي، كراهيةَ أن أشقَّ على أمِّه» [البخاري (707)، ومسلم (470)].

وقال ﷺ: «إذا صلَّى أحدُكم للناسِ فليخفِّفْ، فإنَّ فيهم الضعيفَ والسقيمَ وذا الحاجةِ، وإذا صلَّى أحدُكم لنفسِه فليطوِّلْ ما شاءَ» [البخاري (703)، ومسلم (467)]. فلم تكنْ عبادتُه ﷺ منفصلةً عن مشاعرِ الناسِ، بل كان يعبدُ اللهَ ويرحمُ عبادَ اللهِ.

خامسًا: رحمتُه ﷺ بالحيوانِ

أيها المسلمونَ، وإذا كانتْ رحمتُه ﷺ قد وسعتِ الإنسانَ، فإنَّها بلغتِ الحيوانَ. قال ﷺ: «دخلتِ امرأةٌ النارَ في هرَّةٍ ربطتْها، فلم تطعمْها، ولم تدعْها تأكلُ من خشاشِ الأرضِ» [البخاري (2365)، ومسلم (2242)].

وفي المقابلِ، قال ﷺ: «بينَما رَجُلٌ يَمشي بطَريقٍ، اشتَدَّ عليه العَطَشُ، فوجَدَ بئرًا فنَزَلَ فيها فشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فإذا كَلبٌ يَلهَثُ، يَأكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فقال الرَّجُلُ: لقد بَلَغَ هذا الكَلبَ مِنَ العَطَشِ مِثلُ الذي كان بَلَغَ بي، فنَزَلَ البِئرَ فمَلَأ خُفَّه ثُمَّ أمسَكَه بفيه، فسَقى الكَلبَ، فشَكَرَ اللهُ له فغَفَرَ له، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجرًا؟ فقال: نَعَم، في كُلِّ ذاتِ كَبِدٍ رَطبةٍ أجرٌ». [البخاري (6009)، ومسلم (2244)].

فإذا كانتِ الرحمةُ بحيوانٍ سببًا للمغفرةِ، فكيفَ تكونُ رحمتُنا بالإنسانِ المحتاجِ والمكروبِ؟

سادسًا: رحمتُه ﷺ حتى بمن آذاهُ

عبادَ اللهِ، ولعلَّ من أعظمِ مشاهدِ الرحمةِ أن ترحمَ من أساءَ إليكَ وأنتَ قادرٌ على الانتقامِ. ولقد كان من أشدِّ ما لقيَه ﷺ ما لقيَه من أهلِ الطائفِ، حين ردُّوه وآذَوه، فجاءَه ملكُ الجبالِ، وقال له: إن شئتَ أن أُطبقَ عليهم الأخشبَيْنِ، فقال ﷺ: «بل أرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابِهم من يعبدُ اللهَ وحدَه، لا يُشركُ به شيئًا» [البخاري (3231)، ومسلم (1795)]. فهذه رحمةُ القادرِ، وليستْ رحمةَ العاجزِ.

عبادَ اللهِ، تلكَ صورٌ من رحمةِ نبيِّنا ﷺ؛ رحمةٌ بالصغيرِ، والضعيفِ، والمخطئِ، والحيوانِ، ورحمةٌ حتى بمن آذاهُ. ولكنَّ محبةَ نبيِّ الرحمةِ ﷺ لا تكتملُ بالإعجابِ بمواقفِه، وإنما بالاقتداءِ به؛ ولذلكَ ننتقلُ في الخطبةِ الثانيةِ إلى السؤالِ الأهمِّ: كيفَ تظهرُ رحمتُه ﷺ في بيوتنا، وتربيتِنا، ومعاملاتِنا، وخلافاتِنا؟

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ. أمَّا بعدُ، عبادَ اللهِ، فاتقوا اللهَ تعالى، واعلموا أنَّ من أعظمِ ما نحتاجُ إليهِ أنْ نعرفَ نبيَّ الرحمةِ ﷺ، ثم نجعلَ من رحمتِه خُلُقًا في بيوتِنا ومعاملاتِنا وعلاقاتِنا بالناسِ.

العنصرُ الثالثُ: إذا أحببنا نبيَّ الرحمةِ ﷺ فلتظهرْ رحمتُه في حياتِنا

عبادَ اللهِ، إنَّ أولَ مكانٍ ينبغي أنْ تظهرَ فيهِ رحمتُنا هو البيتُ؛ فقد كان رسولُ اللهِ ﷺ في بيتِهِ من أرحمِ الناسِ وأحسنِهم عشرةً. قالتْ عائشةُ رضي اللهُ عنها: «ما ضربَ رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا قطُّ بيدِهِ، ولا امرأةً، ولا خادمًا، إلا أنْ يجاهدَ في سبيلِ اللهِ…» [مسلم (2328)]. وكان ﷺ يقولُ: «خيرُكم خيرُكم لأهلِهِ، وأنا خيرُكم لأهلي» [الترمذي (3895)، وابن ماجه (1977)، صحيح].

فليكنِ البيتُ أولَ موضعٍ تظهرُ فيهِ رحمتُنا؛ في حديثِنا مع الزوجةِ، ومعاملةِ الأبناءِ، وضبطِ الغضبِ. ومن الرحمةِ بهم أنْ نجمعَ بينَ الحنانِ والتربيةِ، وبينَ الحزمِ والحكمةِ؛ فلا نجعلُ بيوتنا مكانًا للصراخِ والتحقيرِ، بل مكانًا يتعلَّمُ فيهِ الطفلُ أنَّ الإسلامَ رحمةٌ.

ومن الرحمةِ كذلك رحمةُ الضعيفِ والمحتاجِ؛ قال ﷺ: «الساعي على الأرملةِ والمسكينِ كالمجاهدِ في سبيلِ اللهِ، وأحسبُه قالَ: وكالقائمِ لا يفترُ، وكالصائمِ لا يفطرُ» [البخاري (5353)، ومسلم (2982)].

فمن وسَّعَ اللهُ عليهِ في المالِ، أو أعطاهُ قدرةً على قضاءِ حوائجِ الناسِ، فليجعلْ ذلكَ بابًا من أبوابِ الرحمةِ، ولا يحتقرْ كلمةً طيبةً ولا مساعدةً يسيرةً؛ فربَّ رحمةٍ صغيرةٍ عندَكَ تكونُ عظيمةً عندَ من تلقَّاها.

ومن الرحمةِ بالمخطئِ أنْ نصحِّحَ خطأَه دونَ أنْ نهدمَ كرامتَه؛ فكم من إنسانٍ يحتاجُ إلى نصيحةٍ لا إلى فضيحةٍ، وإلى من يأخذُ بيدِهِ لا إلى من يشمتُ بهِ. فليسألْ أحدُنا نفسَه حين ينصحُ: هل أريدُ إصلاحَه، أم أريدُ أنْ أنتصرَ عليهِ؟ فإنْ كانَ مقصدُكَ الإصلاحَ، فابحثْ عن أقربِ الطرقِ إلى قلبِه.

وتظهرُ الرحمةُ كذلكَ عندَ الخلافِ والخصامِ وفي المعاملاتِ؛ فالرحمةُ لا تمنعُكَ من قولِ الحقِّ، ولكنَّها تمنعُكَ من الظلمِ، ولا تمنعُكَ من رفضِ الباطلِ، ولكنَّها تمنعُكَ من أنْ تتحولَ إلى باطلٍ وأنتَ ترفضُ الباطلَ. فلا تسبَّ من خالفَكَ، ولا تهنْه، ولا تنشرْ عيوبَه، ولا تجعلِ الخلافَ سببًا لقطعِ الرحمِ وإفسادِ العلاقاتِ.

وفي العملِ والتجارةِ تظهرُ الرحمةُ كذلكَ: فالتاجرُ الرحيمُ لا يغشُّ ولا يستغلُّ حاجةَ الناسِ، والعاملُ لا يظلمُ من تحتَ يدِهِ، والموظفُ لا يعطِّلُ مصالحَ الناسِ، والقادرُ على قضاءِ حاجةٍ لا يؤخِّرُها بلا سببٍ.

فالرحمةُ النبويةُ رحمةٌ حكيمةٌ لا تنفصلُ عن الحقِّ ولا عن العدلِ.

أيُّها المسلمونَ، إنَّ أعظمَ ما ينبغي أنْ نخرجَ بهِ اليومَ أنْ نسألَ أنفسَنا: أينَ رحمةُ محمدٍ ﷺ في حياتي؟ هل يجدُها أهلُ بيتي، وأبنائي، وجاري، والعاملُ عندي، والفقيرُ والمحتاجُ، والمخطئُ عندما أنصحُه، ومن خالفني عندما أختلفُ معهُ؟

عبادَ اللهِ، إنَّ من أعظمِ ما نُظهرُ بهِ محبتَنا لنبيِّ الرحمةِ ﷺ أنْ يجدَ الناسُ فينا شيئًا من رحمتِهِ؛ يجدُها أهلُنا في بيوتنا، وأبناؤُنا في تربيتِنا، والضعيفُ في عونِنا، والمخطئُ في نصحِنا، والمحتاجُ في وقوفِنا معهُ.

فلا تجعلوا الحديثَ عن نبيِّ الرحمةِ ﷺ ينتهي بانتهاءِ الخطبةِ؛ خذوا الرحمةَ إلى بيوتِكم وأعمالِكم وتجارتِكم وخلافاتِكم، واجعلوا من هديِ محمدٍ ﷺ شيئًا يراهُ الناسُ فيكم قبلَ أنْ يسمعوهُ منكم.

اللهمَّ أصلحْ أبناءَنا وأهلَنا، وأعنَّا على تربيتِهم بالرحمةِ والحكمةِ، واجعلْنا عونًا للضعيفِ والمحتاجِ، قائمينَ بالعدلِ، بعيدينَ عن الظلمِ والبغيِ.

اللهمَّ ارزقْنا حبَّ نبيِّكَ محمدٍ ﷺ، واتباعَ سنتِهِ، والاقتداءَ بهديِهِ، والتخلُّقَ بأخلاقِهِ.

المراجع: القرآن الكريم

كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن ابن ماجه، سنن أبي داود، سنن الترمذي، صحيح ابن حبان، مسند أبي يعلي، شرح مشكل الآثار للطحاوي، الأدب المفرد للبخاري، صحيح ابن خزيمة، .

ثالثًا: كتب التفسير وشروح الحديث وغيرهما: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، التفسيرُ الكبيرُ للرازي، تفسير الشعراوي، تفسير الوسيط لطنطاوي، شرح البخاري لابن حجر، شرح مسلم للنووي، لطائفِ المعارفِ لابن رجب الحنبلي، سيرة اين هشام.

د. أحمد رمضان

خُطبةُ الجمعة القادمة– إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى