خطيب القرن الحادي والعشرين: لماذا يدرس أئمة الأزهر “علم النفس والاقتصاد”؟ وتدريس العلوم “غير الدينية” للخطباء .

لم يعد المنبر مجرد مكان لإلقاء المواعظ الدينية المجرّدة، بل تحول في ظل رؤية الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف الحديثة إلى منصة توعوية شاملة تلامس واقع الناس وتحدياتهم اليومية. اليوم، نحن أمام جيل جديد من “خطباء التحسين” الذين لم يكتفوا بالتبحر في كتب التراث، بل اقتحموا مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية ليكونوا لسان حال المجتمع.
كسر الجمود: الدين في خدمة الواقع
إن توجه المؤسسة الدينية لتدريس العلوم “غير الدينية” للأئمة والخطباء ليس ترفاً، بل هو ضرورة أملتها طبيعة العصر. فالخطيب الذي يتحدث عن “الصبر” يجب أن يفهم (علم النفس) ليعرف كيف يواجه الاكتئاب والإحباط لدى الشباب، والخطيب الذي يتحدث عن “الأمانة” يجب أن يدرك (مبادئ الاقتصاد) ليوضح أثر الغش والاحتكار على حياة المواطن البسيط.
أبرز محاور التأهيل الحديث للخطباء:
- علم النفس والاجتماع: لفهم سيكولوجية الجماهير، ومعالجة الظواهر المجتمعية مثل التنمر، التفكك الأسري، والإدمان بأسلوب علمي مقنع بعيداً عن السطحية.
- فنون التواصل والسوشيال ميديا: التدريب على كيفية صياغة رسائل قصيرة ومؤثرة تصل لعقل وقلب مستخدمي “تيك توك” و”فيسبوك”، وهي لغة العصر التي لا يمكن تجاهلها.
- القضايا الوطنية والدولية: دراسة ملفات مثل التغير المناخي، الأمن المائي، والمواطنة، ليكون الخطيب شريكاً حقيقياً في بناء الدولة وتشكيل الوعي العام.
ماذا يستفيد المجتمع؟
عندما يمتلك الخطيب أدوات التحليل النفسي والاجتماعي، فإنه يتحول من “واعظ” إلى “مصلح اجتماعي”. تصبح الخطبة حلولاً لمشاكلنا، لا مجرد كلمات نرددها خلفه. هذا “التحسين” في عقلية الإمام هو الضمانة الأولى لحماية الشباب من الأفكار المتطرفة، ولتقديم صورة مشرفة للإسلام تجمع بين أصالة النص ومعاصرة التطبيق.
الخلاصة:
إن ما يحدث في أروقة الأزهر وأكاديميات الأوقاف اليوم هو ثورة بيضاء على النمطية. نحن بصدد بناء “عقل دعوي” مستنير، يقرأ في المصحف بيد، وفي مستجدات العلم باليد الأخرى، ليثبت للعالم أن الأزهري هو دائماً ابن وقته، وعنوان رقيّ مجتمعه.


