خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة 3 يوليو 2026 بعنوان : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، للشيخ خالد القط

ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ

بتاريخ 18 محرم 1448هـ – 3 يوليو 2026م

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، نحمدُهُ تعالى حمدَ الشاكرينَ، ونشكرُهُ شكرَ الحامدينَ.

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، القائلُ في كتابِهِ العزيزِ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ سورةُ يوسفَ (٩٩).

وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وصفيُّهُ منْ خلقِهِ وحبيبُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلمْ وزدْ وباركْ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، حقَّ قدرِهِ ومقدارِهِ العظيمِ.

أمَّا بعدُ:

أيُّها المسلمونَ، فإنَّ مصرَ حفظَها اللهُ ورعاها، عبرَ التاريخِ الإنسانيِّ، كانتْ وما زالتْ هيَ واحةً للأمنِ والأمانِ، والسخاءِ والرخاءِ، والسلامِ والاستقرارِ. مصرُ التي تمتدُّ جذورُها في أعماقِ التاريخِ، إنَّها مصرُ، وبكلِّ فخرٍ واعتزازٍ، هيَ أمُّ الحضاراتِ، ومهدُ النبواتِ والرسالاتِ، ومنبعُ الثقافاتِ والفنونِ والآدابِ والعلومِ، فبينما غيرُها منَ الأممِ كانَ في غياباتِ الجهلِ والظلامِ، والبعضُ الآخرُ كانوا نسيًا منسيًّا تحتَ الحطامِ، بينما مصرُ كانتْ منارةً تُضيءُ الدنيا كلَّها.

الفخرُ كلُّ الفخرِ لكِ يا مصرُ، ويا أهلَ مصرَ، حيثُ لمْ يخصَّ اللهُ سبحانهُ وتعالى في الدنيا كلِّها إلا مكانينِ فقط بالأمنِ والأمانِ، هما مصرُ ومكةُ، فقالَ في شأنِ مكةَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ سورةُ الفتحِ (٢٧)، وقالَ في شأنِ مصرَ: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ سورةُ يوسفَ (٩٩).

وأيُّ نعمةٍ في الحياةِ أعظمُ منْ نعمةِ الأمنِ؟ فعندَ الترمذيِّ وغيرِهِ بسندٍ حسنٍ، منْ حديثِ عبيدِ اللهِ بنِ محصنٍ، يقولُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «مَنْ أصبحَ آمنًا في سِرْبِهِ، معافًى في جسدِهِ، عندَهُ طعامُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ لهُ الدنيا”.

ولنعلمْ جميعًا أنَّ مصدرَ الأمنِ الحقيقيِّ في الحياةِ يكمنُ في إيمانِنا باللهِ تعالى، قالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ سورةُ الأنعامِ (٨٢).

أيُّها المسلمونَ، هيَ مصرُ الكريمةُ العزيزةُ الأبيةُ التي أحبَّها وتعلَّقَ بها الأنبياءُ والأولياءُ، وآلُ بيتِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ الكرامُ الأصفياءُ. فمنَ الأنبياءِ منْ وُلدَ على أرضِها، ومنهمْ منْ هاجرَ إليها باحثًا فيها عنِ الأمنِ والأمانِ، ومنهمْ منْ أوصى بها وبأهلِها خيرًا، وهوَ سيدُ الأنامِ، ومنهمْ منْ دُفنَ في أرضِها. ففيها، وعلى ترابِها، على سبيلِ المثالِ، شهدتْ مولدَ نبيِّ اللهِ إدريسَ، وكليمِ اللهِ موسى، وأخيهِ هارونَ عليهما السلامُ، كما هاجرَ إليها سيدُنا إبراهيمُ عليهِ السلامُ معَ زوجتِهِ سارةَ، ولجأَ إليها سيدُنا عيسى عليهِ السلامُ ووالدتُهُ العذراءُ، وقالوا: إنَّ مصرَ هيَ المعنيةُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ سورةُ المؤمنونَ (٥٠). كما أثنى عليها، وشهدَ لها بالفضلِ والمكانةِ العظيمةِ الحبيبُ المصطفى صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، فعندَ الطبرانيِّ وغيرِهِ بسندٍ صحيحٍ، منْ حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، أنَّهُ قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «إذا افتتحتمْ مِصرَ فاستوصوا بالقبطِ خيرًا؛ فإنَّ لهمْ ذمةً ورحمًا»، قالَ الزهريُّ: «الرحمُ أنَّ أمَّ إسماعيلَ منهمْ». وفي صحيحِ مسلمٍ، منْ حديثِ أبي ذرٍّ الغفاريِّ، أنَّهُ قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «إنكمْ ستفتحونَ مِصرَ، وهيَ أرضٌ يُسمَّى فيها القيراطُ، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلِها خيرًا، فإنَّ لهمْ ذمةً ورحمًا”.

كما كانتْ مصرُ قبلةً ومقصدًا لآلِ بيتِ رسولِ اللهِ الكرامِ، حينَ هبطوا أرضَها أبوا أنْ يفارقوها، منْ يومِ نزلوها، وأبوا إلا أنْ تكونَ مصرُ بالنسبةِ لهمْ هيَ المحيا والمماتُ. كما قصدَها، وأقامَ فيها، ونشأَ على أرضِها فحولُ العلماءِ والأدباءِ في كلِّ العلومِ والفنونِ. سلوا الشافعيَّ، والسيوطيَّ، والليثَ بنَ سعدٍ، وغيرَهمْ، عنْ مصرَ وتاريخِها، سلوهمْ عنْ مصرَ وقدرِها، عنْ مصرَ وقيمتِها وحقِّها ودورِها ومكانتِها عبرَ التاريخِ.

وها هوَ واحدٌ ممنْ أدركَ الإسلامَ، وكانَ على علمٍ ودرايةٍ بالكتبِ السماويةِ السابقةِ، ألا وهوَ كعبُ الأحبارِ، فكمْ كانَ يحدثُ عنْ قيمةِ ومكانةِ مصرِنا الحبيبةِ، فمنْ ذلكَ يقولُ كعبٌ: (مكتوبٌ في التوراةِ: مصرُ خزائنُ الأرضِ كلِّها، فمنْ أرادَ بها سوءًا قصمَهُ اللهُ). ومنْ حبِّهِ لها وتعلقِهِ بها قالَ: (لولا رغبتي في بيتِ المقدسِ، لما سكنتُ إلا مصرَ). وحينَ سُئلَ عنْ سببِ ذلكَ قالَ: (لأنها بلدةٌ معافاةٌ منَ الفتنِ، ومنْ أرادَها بسوءٍ كبَّهُ اللهُ على وجهِهِ، وهيَ بلدٌ مباركٌ لأهلِها). وهكذا كانتْ، وما زالتْ، مصرُ عبرَ التاريخِ حصنًا حصينًا، وسدًّا منيعًا، وحمىً متينًا للعروبةِ والإسلامِ.

أيُّها المسلمونَ، وها نحنُ أولاءِ نعيشُ في هذهِ الأيامِ ذكرى مجيدةً على كلِّ مصريٍّ، وهوَ يومُ الثلاثينَ منْ يونيو، حيثُ عادتْ لمِصرَ هيبتُها وفخارُها في هذا اليومِ الخالدِ في التاريخِ المعاصرِ، حيثُ كانتْ نقطةَ تحولٍ فارقةٍ في حياتِنا جميعًا، وشعرَ جميعُنا بالأمنِ والأمانِ، والسلامِ والاستقرارِ، فمنْ يملكُ جندًا كجندِ مِصرَ لا يمكنُ أنْ يتسربَ الخوفُ والفزعُ إلى نفسِهِ أبدًا، إنهمْ خيرُ أجنادِ الأرضِ، كما وصفهمُ المصطفى صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «إذا فتحَ اللهُ عليكمْ مِصرَ فاتخذوا فيها جندًا كثيرًا، فذلكَ الجندُ خيرُ أجنادِ الأرضِ». فقالَ لهُ أبو بكرٍ: ولمَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «لأنهمْ وأزواجَهمْ في رباطٍ إلى يومِ القيامةِ”.

الخطبةُ الثانيةُ

أيُّها المسلمونَ، ليعلمْ كلُّ مسلمٍ أنَّهُ مسؤولٌ مسؤوليةً تامةً عنْ كلِّ ما يخرجُ منْ فيهِ، وأنَّهُ سيحاسبُ عنْ ذلكَ أمامَ ربِّ العالمينَ، قالَ تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ سورةُ ق (١٨). وفي الصحيحينِ، منْ حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ قالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «إنَّ العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ منْ رضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يرفعُهُ اللهُ بها درجاتٍ، وإنَّ العبدَ ليتكلمُ بالكلمةِ منْ سخطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنمَ». وفي مسندِ أحمدَ وغيرِهِ بسندٍ صحيحٍ، عنْ معاذِ بنِ جبلٍ، أنَّهُ قالَ لهُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «ثكلتكَ أمُّكَ، وهلْ يكبُّ الناسَ على مناخرِهمْ في جهنمَ إلا حصائدُ ألسنتِهمْ؟”.

فإنَّ البعضَ منا ـ بكلِّ أسفٍ ـ أثناءَ الغضبِ والعصبيةِ تصدرُ منهُ بعضُ الكلماتِ التي يندمُ عليها طولَ حياتِهِ، مثلَ: (سبِّ الدينِ)، فعلى الإنسانِ أنْ يتحلى بالصبرِ، وضبطِ النفسِ، وقبلَ ذلكَ بالخوفِ منَ اللهِ، وتقديرِ اللهِ حقَّ قدرِهِ. لماذا تستهينونَ بحرماتِ اللهِ؟ يا منْ تسبونَ دينَ اللهِ، ولا تقدرونَ اللهَ حقَّ قدرِهِ، قالَ تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ سورةُ الحجِّ (٣٠).

نسألُ اللهَ سبحانهُ وتعالى أنْ يحفظَ مِصرَ وأهلَها منْ كلِّ سوءٍ وشرٍّ.

بقلم: الشيخ خالد القط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى