خطبة الجمعة

من سلسلة زاد الأئمة والخطباء الإصدار (79):.. “شرف العمل وقيمة الإنتاج ” الجمعة 26 جُمادى الأولى 1448هـ 6-11-2026م

الإصدار التاسع والسبعون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. شرف العمل وقيمة الإنتاج

الهدف المراد توصيله: ترسيخ قيمة العمل، وتعزيز ثقافة الإتقان والإنتاج والاعتماد على الذات، وتشجيع المنتج الوطني، وإبراز أثر ذلك في بناء الدول وصناعة الحضارة.

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه. أما بعد،،،

فإن العمل في الشريعة الإسلامية هو جوهرُ الوجود الإنساني وأساسُ مهمة الاستخلاف وعمارة الأرض، التي خُلق الإنسان لأجلها، مِصداقًا لقول الله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا} [هود: ٦١]، فالحضارات القوية لا تقوم على الاستهلاك والتبعية وانتظار ما تجود به أيدي الآخرين، وإنما تبنى بسواعد أبنائها الذين يحوّلون ثروات أوطانهم وخيراتها إلى منتجات نافعة تحفظ للأمة كرامتها وكفايتها، وتصون ثرواتها من التبديد، وتفتح أبواب الرزق والعيش الكريم لأجيالها؛ ومن هنا تتلاحم في منظور الإسلام (قيمة العمل المتقن) مع (واجب دعم المنتج الوطني)، ليشكّلا معًا حجر الزاوية في بناء كيان الأمة واستقلال قرارها الحضاري.

تفاصيل المحتوى

قدسية العمل في الإسلام

لا ينظر الإسلام إلى العمل على أنه مجرد وسيلة لتحصيل المال، أو ضرورة تفرضها مطالب الحياة؛ بل يرفعه إلى منزلة سامية، ويجعله ميدانًا من ميادين التعبد لله تعالى، وطريقًا من طرق عمارة الأرض، وتحقيق مصالح العباد، وصيانة كرامة الإنسان؛ فالإسلام دين العمل والبناء والإنتاج، لا يعرف التواكل ولا يقر البطالة، ولا يفصل بين صلاح الدين وصلاح الدنيا؛ بل يجعل السعي في طلب الرزق الحلال، وأداء الحقوق، وتحقيق النفع للناس، من الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه، متى صلحت النية واستقامت الوسيلة.

ومن هذا المنطلق، تتجلى قدسية العمل في الإسلام من خلال جملة من المعاني والأصول الشرعية، على النحو التالي:

أولًا: تكليف الإنسان بعمارة الأرض وجعْل ذلك من مقتضيات وجوده فيها

لم يخلق الله تعالى الإنسان ليكون عالة على غيره، أو عنصرًا معطلًا عن البناء والعطاء، وإنما جعله خليفة في الأرض، وسخر له من أسباب الحياة ما يعينه على عمارتها والانتفاع بخيراتها؛ قال الله تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا} [هود: ٦١]، قال النسفي: ” {وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا} وَجَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا وَأَرَادَ مِنْكُمْ عِمَارَتَهَا” [مدارك التنزيل وحقائق التأويل]، وذكر ابن كثير أن معنى الآية: “جعلكم عُمَّارًا تعمرونها وتستغلونها” [تفسير ابن كثير].

وهذا المعنى يفتح أمام الإنسان أفقًا واسعًا لفهم رسالته في الحياة؛ فعمارة الأرض لا تقتصر على تشييد المباني، وإنما تشمل كل عمل نافع يحفظ مصالح الناس، ويطور حياتهم، ويستخرج خيرات الأرض، ويقيم أسباب الحضارة، من زراعة وصناعة وتجارة وتعليم وطب وسائر المهن والحرف، وبذلك يصبح العمل النافع صورة من صور الوفاء بالأمانة التي كُلِّف الإنسان بحملها، وشاهدًا على قيامه بمسؤوليته في الحياة.

ثانيًا: السعي لطلب الرزق من مقتضيات شكر النعمة وحسن التوكل على الله

لم يجعل الإسلام التوكل على الله ذريعة إلى ترك الأسباب، أو انتظار الرزق من غير سعي، وإنما جمع بين الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب المشروعة؛ قال الله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولࣰا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَیۡهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك: ١٥].

قال ابن كثير: {فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا} أي: سافروا في أقطار الأرض، وترددوا في أرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، ثم قرر قاعدة جليلة بقوله: “السعي في السبب لا ينافي التوكل”؛ فالأخذ بالأسباب لا يتعارض مع اعتماد القلب على الله، بل هو من تمام العبودية له سبحانه [تفسير ابن كثير].

ويتأكد هذا المعنى في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِیَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الجمعة: ١٠]، فقد جاء التوجيه القرآني بالانتشار في الأرض وابتغاء الرزق عقب أداء صلاة الجمعة، ليبين أن العبادة والعمل ليسا طريقين متعارضين، وأن أداء حق الله في العبادة لا يمنع من مباشرة مصالح الحياة وطلب الرزق الحلال.

وبيّن القرطبي معنى الآية فقال: “إِذَا فَرَغْتُمْ مِنَ الصَّلَاةِ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ لِلتِّجَارَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِي حَوَائِجِكُمْ، {وَٱبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ} أَيْ مِنْ رِزْقِهِ” [الجامع لأحكام القرآن].

وختمت الآية بالأمر بكثرة ذكر الله؛ لتبقى صلة العبد بربه حاضرة في أثناء سعيه، فلا تشغله التجارة عن الطاعة، ولا يستغرقه طلب الرزق حتى ينسى الغاية التي خُلق من أجلها.

ثالثًا: قيمة العمل تظهر في صدقه وإتقانه وتحمل الإنسان لمسئوليته

لم يكتف الإسلام بتوجيه الإنسان إلى العمل، وإنما جعله مسئولًا عن عمله، وحثَّه على أن يكون عملًا صالحًا نافعًا، بعيدًا عن الفساد والتقصير؛ قال الله تعالى: {وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [التوبة: ١٠٥].

وقد جاءت الآية في سياق الحديث عن الذين اعترفوا بذنوبهم ورجوا توبة الله عليهم، ثم وجّههم سبحانه إلى العمل الصالح، وفسر الإمام ابن كثير قوله تعالى: {وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟} بقوله: أي اعملوا لله بما يرضيه من طاعته وأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

وفي الآية تربية للإنسان على استشعار الرقابة الإلهية، وتحمل مسؤولية ما يصدر عنه؛ فالعمل ليس مجرد حركة يؤديها الإنسان، وإنما أمانة يسأل عنها، وآثار تظل شاهدة عليه، كما أن قوله تعالى: {وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ} يلفت النظر إلى ظهور الأعمال وآثارها في واقع الناس؛ فالمجتمع ينتفع بالعمل الصالح، ويتضرر بالعمل الفاسد، ولا يستوي من يبني مصالحه بمن يهدمها أو يعطلها.

رابعًا: كرامة الكسب من عمل اليد وفضيلة الاستغناء عن سؤال الناس

رفع النبي صلى الله عليه وسلم من شأن العمل والكسب الحلال، وجعل الاعتماد على النفس وطلب الرزق من أبواب العزة وصيانة الكرامة؛ فعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [رواه البخاري].

وفي هذا الحديث إشادة بالكسب الذي يتحقق بجهد الإنسان وسعيه، وإعلاء لشأن العمل مهما كان نوعه، ما دام حلالًا نافعًا، ويكفي في بيان شرفه أن يضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بنبي من أنبياء الله، وهو داود عليه السلام، الذي كان مع ما آتاه الله من الملك والنبوة يأكل من عمل يده؛ ليعلم الناس أن الشرف ليس في ترك العمل استعلاءً، ولا في انتظار عطاء الآخرين، وإنما في السعي الحلال والاستغناء عن سؤال الناس.

وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الكسب أطيب؟ قال: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ» [رواه أحمد].

والبيع المبرور هو البيع السالم من الغش والخيانة والمخالفات الشرعية؛ فلا يكفي أن يحقق الإنسان ربحًا، وإنما العبرة بأن يكون كسبه طيبًا، ووسيلته مستقيمة، وذمته بريئة من الاعتداء على حقوق الآخرين.

ويؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَأْتِيَ الْجَبَلَ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنْ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» [رواه البخاري].

ففي الحديث تربية على عزة النفس، ورفض البطالة والتواكل، وإدراك أن العمل الشريف لا تنقص قيمته لبساطته، وأن الكسب المتواضع من طريق حلال خير من ذل السؤال، وأن كرامة الإنسان مصونة بعمله واجتهاده.

خامسًا: النية الصالحة تجعل السعي الدنيوي بابًا من أبواب العبادة

من أعظم ما امتازت به الشريعة الإسلامية أنها لم تحصر الأجر والثواب في الأعمال التعبدية المحضة فقط، بل وسَّعت أبواب الطاعات والقُربات لتشمل مختلف شؤون الحياة اليومية، وجعلت للنية الصالحة أثرًا عظيمًا في تحويل العادات والمباحات إلى طاعات، وقد أصَّل النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متفق عليه]، فمن خرج إلى عمله قاصدًا إعفاف نفسه عن الحرام، والإنفاق على أهله، والقيام بمسؤولياته، وسد حاجات الناس، وتحصيل ما ينفع مجتمعه، كان له من الأجر بقدر صدق نيته وصلاح عمله.

ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا، فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» [متفق عليه]، فما ينفقه الإنسان على أهله يتحول إلى صدقة يؤجر عليها متى قصد بها وجه الله وأدى واجبه محتسبًا.

على أن النية الصالحة لا تجعل الحرام حلالًا، ولا تصحح وسيلة محرمة؛ وإنما يكون العمل المباح قربة إذا اقترنت به النية الصالحة، واستقام على أحكام الشريعة، ولم يؤد إلى تضييع واجب أو الاعتداء على حق.

سادسًا: العمل يفتح أبواب السعي في خدمة المحتاجين ورعاية الضعفاء

لم يقف الإسلام عند بيان فضل العمل الذي يحقق للإنسان كفايته، بل تجاوز ذلك إلى إعلاء شأن العمل الذي تتعدى منفعته إلى الآخرين، ويخفف معاناتهم، ويحفظ كرامتهم، ويقيم مصالح المجتمع؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ» [متفق عليه].

وهذا الحديث من أعظم النصوص في بيان منزلة السعي لخدمة المحتاجين؛ إذ جعل النبي صلى الله عليه وسلم من يتولى مصالح الأرملة والمسكين، ويبذل جهده في توفير حاجاتهم ورعايتهم، في منزلة المجاهد في سبيل الله، أو القائم الذي لا يفتر، والصائم الذي لا يفطر.

وهذه منزلة عظيمة تكشف عن اتساع مفهوم العبادة في الإسلام، وأن ميادين القربة ليست محصورة في العبادات الفردية، بل تشمل العمل الاجتماعي والإنساني، وتحمل مسؤولية الضعفاء، والسعي في قضاء حوائج الناس.

كما أن في الحديث دلالة على أن نفع الإنسان للناس، وبذل الجهد في رفع حاجاتهم، قد يبلغ بصاحبه منازل عظيمة من الثواب، وأن المجتمع لا يستقيم بمجرد صلاح الأفراد في أنفسهم، بل يحتاج إلى من يحملون هموم الآخرين، ويجعلون من أوقاتهم وجهودهم وسيلة لتخفيف معاناتهم.

قدوة الأنبياء والصحابة في احتراف الصنعة ونبذ البطالة

ضرب أنبياء الله عليهم السلام أروع الأمثلة في احترام العمل، والقيام بمتطلبات الحياة، والاعتماد على النفس، فهذا نبي الله نوح عليه السلام يأمره الله تعالى بصناعة السفينة التي ستكون سببًا في نجاة المؤمنين، فيقول سبحانه: {وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡیُنِنَا وَوَحۡیِنَا} [هود: ٣٧].

وقد بيّن ابن كثير أن الفلك هي السفينة، وأن الله تعالى أوحى إلى نوح عليه السلام وعلّمه كيف يصنعها، فكان في ذلك مباشرة لعمل يحتاج إلى خبرة وصبر ومهارة، حتى أنجز هذه الصناعة العظيمة التي كانت سبيلًا للنجاة من الطوفان.

وفي هذا دلالة على أن الصناعات النافعة، مهما احتاجت إلى جهد بدني ومهارة يدوية، فإنها من الأعمال الشريفة التي لا تنقص من قدر صاحبها، بل قد تكون سببًا في إنقاذ النفوس وتحقيق المصالح الكبرى.

وهذا نبي الله داود عليه السلام، الذي جمع الله له بين النبوة والملك، لم يمنعه ما آتاه الله من فضل ومكانة من أن يتخذ من عمل يده سبيلًا للكسب، فخصّه الله بنعمة إلانة الحديد، وأرشده إلى صناعة الدروع، فقال سبحانه: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِیدَ ۝ أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتࣲ وَقَدِّرۡ فِی ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُوا۟ صَٰلِحًاۖ إِنِّی بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ} [سبأ: ١٠-١١].

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي:” أى: ألنا له الحديد، لكي يعمل منه دروعا سابغات، والدرع السابغ، هي الدرع الواسعة التامة.. وقوله: {وَقَدِّرۡ فِی ٱلسَّرۡدِۖ} والتقدير هنا بمعنى الإحكام والإجادة وحسن التفكير في عمل الشيء، والسرد: نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها، أى: آتينا داود كل هذا الفضل الذي من جملته إلانة الحديد في يده، وقلنا له يا داود: اصنع دروعا سابغات تامات، وأحكم نسج هذه الدروع، بحيث تكون في أكمل صورة، وأقوى هيئة” [التفسير الوسيط].

ومن اللافت أن يأتي الأمر بصناعة الدروع، ثم يعقبه قوله تعالى: {وَٱعۡمَلُوا۟ صَٰلِحًاۖ}؛ فيجتمع في السياق القرآني الحديث عن العمل المهني والإنتاجي، والأمر بالعمل الصالح، بما يفتح الأفق أمام فهم العمل النافع باعتباره أحد ميادين الصلاح في الحياة.

سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قدوة في العمل والكسب الحلال

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة صاحب تجربة في العمل والكسب؛ فقد رعى الغنم، ومارس التجارة، ولم يكن يرى في مباشرة الأعمال الدنيوية الكريمة النبيلة ما يتنافى مع شرف النسب أو علو المكانة.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ»، قَالُوا: وَأَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ» [رواه البخاري]، وفي هذا الحديث دلالة على أن رعي الغنم، على ما فيه من عمل ومشقة، لم يكن عيبًا ولا منقصة، بل مارسه الأنبياء، وفيه -كما ذكر شراح الحديث – تدريب على الصبر والرفق والتواضع وحسن السياسة والرعاية؛ فمن اعتاد رعاية الضعيف، والصبر على المتفرق، والقيام على مصالحه، كان أقدر على تحمل مسؤولياتٍ أعظم.

كما مارس النبي صلى الله عليه وسلم التجارة، وكان له شريك فيها قبل البعثة، وهو السائب بن أبي السائب رضي الله عنه، الذي قال له: “كُنْتَ شَرِيكِي فَنِعْمَ الشَّرِيكُ، كُنْتَ لَا تُدَارِي وَلَا تُمَارِي” [رواه أبو داود].

وهذا الموقف يكشف عن اقتران العمل عند النبي صلى الله عليه وسلم بالأمانة وحسن المعاملة؛ فلم يكن نجاحه في التجارة قائمًا على مجرد تحقيق الأرباح فحسب؛ بل كان يراعي سلامة الصدر، وترك الخصومة المذمومة، والبعد عن المماراة والمغالبة بالباطل.

الصحابة رضي الله عنهم نماذج في احتراف الصناعات والحرف

كما كان صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أهل عبادة وشعائر كانوا كذلك أهل عمل وإنتاج، يمارسون المهن المختلفة، ويسهمون بما لديهم من خبرات في تلبية حاجات المجتمع، فقد كان خباب بن الأرت رضي الله عنه يعمل في صناعة السيوف بمكة، فيما تذكره بعض كتب التراجم، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يَبْرِي النبال، أي يهيئ عيدانها ويصنعها، كما تذكر بعض الدراسات التاريخية أن الزبير بن العوام رضي الله عنه كان من أهل حرفة الخِزازة، وهي حرفة تتصل بالخرز والصناعات الجلدية والنسيجية بحسب ما أورده الباحثون.

وهذه النماذج تكشف أن الصحابة لم يستنكفوا عن ممارسة الحرف والصناعات، ولم يجعلوا علو المكانة الإيمانية أو الاجتماعية سببًا للتنزه عن العمل؛ بل أدركوا أن المجتمع يحتاج إلى أصحاب الصناعات كما يحتاج إلى أصحاب العلوم والولايات، وأن قوة الأمة لا تتحقق إلا بتكامل هذه الطاقات والخبرات.

النبي صلى الله عليه وسلم يؤصِّل لقيمة العمل، ويأخذ بيد القادر حتى يستغني عن السؤال

ومن أبلغ المواقف النبوية في التربية على العمل والإنتاج، ما رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فسأله عما يملك في بيته، فأحضر حلسًا وقعبًا، فباعهما النبي صلى الله عليه وسلم، واشترى له بدرهم طعامًا لأهله، وبالدرهم الآخر قدومًا، وشد فيه عودًا بيده الشريفة، ثم قال له: «اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا»، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، ثم عاد وقد أصاب عشرة دراهم، اشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه أبو داود] أي: إن هذا العمل خير لك من أن تأتي يوم القيامة وفي وجهك أثر المسألة.

وتظهر عظمة هذا الموقف في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بتقديم المساعدة العاجلة للرجل، وإنما تجاوز ذلك إلى معالجة سبب حاجته، وتمكينه من وسيلة للكسب، وتعليمه حرفة يستطيع بها أن يعول نفسه وأهله، كما لم يكتف بتوجيهه إلى العمل، بل أعانه على بدايته، وهيأ له أداته، ووجهه إلى طريق الإنتاج.

وفي ذلك منهج تربوي عظيم، مؤداه أن مساعدة المحتاج لا ينبغي أن تقف عند سد حاجته الآنيَّة إذا كان قادرًا على العمل، بل ينبغي أن تمتد إلى تأهيله، وتمكينه، والأخذ بيده حتى يصبح منتجًا قادرًا على إعالة نفسه، وصيانة كرامته.

وهذا لا يعني ذم المحتاج أو الانتقاص ممن أقعده العجز أو المرض أو عدم توافر فرص العمل عن الكسب؛ فلكل حال حكمه، وإنما المقصود تربية القادر على السعي، وفتح أبواب العمل أمامه، وعدم تعويده الاتكال على الآخرين.

عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحث على الاحتراف والاستغناء عن الناس

كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد العناية بتربية الناس على تحمل المسؤولية، والاعتماد على النفس، وعدم اتخاذ القعود عن العمل سبيلًا للعيش مع القدرة عليه.

وقد رُوي عنه أنه قال: “إِنِّي لَأَرَى الرَّجُلَ فَيُعْجِبُنِي، فَأَقُولُ: هَلْ لَهُ حِرْفَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، سَقَطَ مِنْ عَيْنِي” [غريب الحديث لابن قتيبة].

ومما رُوي عنه أيضًا قوله: “يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، فَقَدْ وَضَحَ الطَّرِيقُ، وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، وَلَا تَكُونُوا عِيَالًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ” [مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن الجوزي].

إن هذه الكلمات لتحمل معنى تربويًّا مهمًّا؛ فهي تحث على الجمع بين العلم والعمل، وعلى ألا يكون الانتساب إلى أهل العلم والعبادة ذريعةً إلى ترك أسباب الرزق، أو تحميل الآخرين أعباء المعيشة مع القدرة على القيام بها.

توطين الصناعات والمنتج الوطني ركيزة للاستقلال الحضاري

تتبوأ الأمم مكانةً لائقة بما تملكه من قدرة على تحويل ثرواتها الخام إلى منتجات نافعة، وصناعات متطورة، ومعارف وخبرات وتقنيات تجعلها قادرة على تلبية احتياجاتها، والمشاركة الفاعلة في بناء الحضارة الإنسانية، ومن هنا كانت الصناعة والزراعة والتكنولوجيا وسائر الأنشطة الإنتاجية من أهم مقومات قوة الأمم واستقرارها؛ إذ لا يتحقق الاستقلال الحقيقي لأمة تفتقر إلى ضرورياتها، أو تعجز عن توفير احتياجاتها الأساسية، أو تظل رهينة لغيرها في غذائها ودوائها وسلاحها وتقنياتها.

وقد أرست الشريعة الإسلامية أصولًا واضحة لهذا المعنى؛ فجعلت توفير المصالح الضرورية للمجتمع من واجباته الكفائية، وحثت على استثمار الموارد، وإعداد أسباب القوة، وإعمار الأرض، ومنعت من إهدار الأموال وتعطيل الطاقات، وعلى هذا الأساس يمكن إبراز جملة من المعاني على النحو التالي:

  • إعداد القوة يقتضي امتلاك أسباب الإنتاج والصناعة والتقدم التقني

لم تجعل الشريعة القوة مجرد ادعاء أو رجاء، وإنما ربطتها بالإعداد والأخذ بالأسباب، فقال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ} [الأنفال: ٦٠].

فالأمر بإعداد القوة في الآية الكريمة يتضمن وجوب الأخذ بأسباب المنعة والاستعداد، وعدم الاكتفاء بمجرد التمني أو التعويل على قوة الآخرين، وقد ذكر الإمام ابن كثير أن الله تعالى أمر بإعداد آلات الحرب لمواجهة الأعداء بحسب الطاقة والإمكان والاستطاعة.

وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم بعض صور القوة بقوله: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» [رواه مسلم].

وإذا كان الرمي من أبرز صور القوة في عصر النبوة، فإن تحقيق مقصود الإعداد في واقعنا المعاصر يستلزم امتلاك الصناعات الدفاعية، وتطوير التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وتوفير الأدوات والمعدات والوسائل التي تحفظ أمن الأوطان وتصون مقدراتها؛ فالقوة اليوم لا تقوم على امتلاك السلاح فحسب، وإنما تحتاج إلى قاعدة صناعية وعلمية وتقنية قادرة على إنتاجه وصيانته وتطويره.

ومن ثم فإن السعي إلى بناء القدرات الصناعية والاستراتيجية ليس مجرد اختيار اقتصادي، وإنما هو من مقتضيات حفظ الوطن وصيانة استقلال قراره، وتحقيق القدرة على مواجهة التحديات والأزمات.

  • الصناعات الضرورية من فروض الكفايات التي لا يجوز للمجتمع إهمالها

من دقة الفقه الإسلامي أنه لم يحصر فروض الكفايات في العلوم الشرعية أو الأعمال التعبدية، بل أدخل فيها كل علم وصناعة لا تستقيم مصالح المجتمع إلا بوجود من يتقنها، وجعل توفيرها مسؤولية جماعية بحسب الحاجة والقدرة.

وقد قرر الإمام أبو حامد الغزالي هذه القاعدة في كتابه [إحياء علوم الدين] فقال: “فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة؛ فإنه لو خلا البلد من الحجَّام تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك”.

وهو تأصيل فقهي بالغ الأهمية؛ إذ يقرر أن حياة المجتمع لا تستقيم بالعبادات والعلوم النظرية وحدها، وإنما تحتاج إلى أصحاب المهن والصناعات والخبرات التي تحفظ مصالح الناس وتدفع عنهم الضرر.

وبيّن الغزالي أن فرض الكفاية هو ما لا يستغني عنه الناس في قوام أمور دنياهم، وأنه إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، أما إذا خلا البلد ممن يقوم به، لحِق الحرج بالجميع.

وعلى هذا الأساس، تدخل الصناعات والقدرات الإنتاجية التي تتوقف عليها الضروريات العامة في دائرة فروض الكفايات بحسب حاجة المجتمع؛ ومن أمثلتها الصناعات الدوائية والغذائية، وإنتاج المعدات والآلات، والصناعات الدفاعية، والطاقة، والتكنولوجيا والاتصالات، وسائر المجالات التي يترتب على غيابها تعريض مصالح الأمة للخطر أو ارتهانها لغيرها.

ولا يعني ذلك وجوب تصنيع كل منتج داخل كل دولة، أو الاستغناء المطلق عن التبادل التجاري مع العالم؛ وإنما المقصود ألا يهمل المجتمع ما تتوقف عليه ضروراته وأمنه، وأن يمتلك من الخبرة والقدرة الإنتاجية ما يحفظ مصالحه ويقلل مواطن ضعفه وتبعيته.

  • القرآن الكريم يلفت الأنظار إلى تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات نافعة

لم يقتصر التوجيه القرآني على بيان فضل الموارد التي أنعم الله بها على الإنسان، وإنما لفت النظر إلى منافعها وما يمكن أن يستخرج منها من منتجات تحقق مصالح الحياة.

قال تعالى: {وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَاۤ أَثَٰثࣰا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِینࣲ} [النحل: ٨٠]، فالآية الكريمة تذكر جانبًا من نعم الله على عباده، بما جعل لهم في أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها من منافع ينتفعون بها في حياتهم.

ويوضح ابن كثير أن هذه المواد تتخذ منها البُسُط والثياب وغيرها من الأثاث، وتكون مالًا وتجارة ينتفع بها الناس [تفسير ابن كثير].

وفي ذلك إشارة إلى أهمية استثمار الموارد المتاحة، وتحويل المواد الأولية إلى منتجات نافعة، وعدم الوقوف عند مجرد امتلاك الثروة الخام دون تنميتها أو تعظيم قيمتها المضافة، فالصناعة في جوهرها قدرة على حسن الانتفاع بما أودع الله في الأرض، وتحويل الموارد والإمكانات إلى أسباب للعيش الكريم والتقدم الحضاري.

ومن هنا تبرز أهمية التصنيع المحلي، والصناعات التحويلية، والبحث العلمي، والتطوير التقني؛ فالأمة التي تنتج ما تحتاج إليه، وتطور صناعاتها، وتضيف إلى مواردها قيمة بالعلم والعمل، أقدر على امتلاك زمام أمرها من أمة تكتفي بتصدير ثرواتها من المواد الخام، ثم استيرادها في صورة منتجات جاهزة.

  • تشجيع الإنتاج الزراعي والصناعي أحد مظاهر عمارة الأرض وتحقيق النفع العام

اعتنت السنة النبوية بتشجيع الإنتاج، وأعلت من شأن الزراعة والغرس، وربطت ما يترتب عليهما من نفع للإنسان والحيوان بالأجر والثواب؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه].

ففي هذا الحديث الشريف إشادة بالإنتاج الزراعي، وبيان أن نفع الإنسان لا ينحصر فيما يعود عليه مباشرة، بل يمتد إلى كل كائن ينتفع بما ينتجه ويغرسه، وقد ذكر شراح الحديث أن فيه حثًّا على عمارة الأرض، وبيانًا لفضل الغرس والزرع، وأن ما يتعدى نفعه إلى الآخرين يكون لصاحبه به أجر.

وإذا كانت الشريعة قد جعلت غرس الشجرة وزراعة الأرض من أبواب الصدقة، فإن ما يحقق الأمن الغذائي، ويوفر احتياجات الناس، ويقيم الصناعات المرتبطة بالزراعة والإنتاج، يدخل في المعاني العظيمة التي حث الإسلام عليها من عمارة الأرض وتحقيق المصالح العامة.

تشجيع المنتج الوطني وحفظ ثروة الأمة في ضوء مقاصد الشريعة

لا تتوقف مسؤولية بناء الاقتصاد الوطني عند حدود الإنتاج والتصنيع، بل تمتد إلى سلوك المستهلك واختياراته الشرائية؛ فطريقة إنفاق الإنسان لأمواله، والجهات التي يوجه إليها طلبه، والمنتجات التي يختارها، كلها تؤثر في حركة الاقتصاد، وفي فرص العمل والإنتاج والاستثمار.

ومن هذا المنطلق، فإن تشجيع المنتج الوطني متى توافرت فيه الجودة والسعر المناسب والمواصفات المطلوبة، يعد من صور التعاون على المصالح العامة، ومن وسائل دعم الاقتصاد الوطني، وحفظ الأموال والموارد، وتعزيز قدرة المجتمع على الإنتاج والاستقلال، وهو ما يتضح من خلال النقاط التالية:

  • دعم المنتج الوطني تعاونٌ على البر وتحقيقٌ للمصالح المشتركة

جعل الإسلام التعاون على المصالح المشروعة أساسًا من أسس بناء المجتمع، فقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ} [المائدة: ٢].

فالآية الكريمة تقرر مبدأ التعاون على كل ما فيه خير وصلاح، ومن ذلك التعاون على إقامة الصناعات النافعة، وتشجيع الإنتاج المحلي، وحماية فرص العمل، وتنمية الموارد الوطنية.

فحين يحرص المستهلك على شراء المنتج الوطني الجيد، فإنه لا يحقق مصلحة فردية فحسب، بل يشارك في دعم منظومة أوسع تضم العامل والصانع والمزارع والتاجر والناقل، وهو ما يسهم في استمرار دوران عجلة الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وفتح فرص جديدة للعمل.

ولا يقتصر هذا التعاون على مجرد شراء المنتج الوطني، بل يشمل دعم المشروعات الجادة، وتشجيع الابتكار، ونشر ثقافة تقدير الإنتاج المحلي، ومساندة المؤسسات التي تسعى إلى تحسين منتجاتها ورفع قدرتها التنافسية.

  • ترشيد الإنفاق والمحافظة على الأموال من مقاصد الشريعة

اعتنى الإسلام بحفظ المال، وجعله من المقاصد الكبرى التي جاءت الشريعة لصيانتها، ولم يقتصر ذلك على منع الاعتداء على أموال الآخرين، بل شمل حسن تدبير المال، ومنع إضاعته، وعدم إسراف الإنسان في إنفاقه.

قال تعالى: {وَلَا تُؤۡتُوا۟ ٱلسُّفَهَاۤءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِی جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِیَٰمࣰا} [النساء: ٥]، فقد وصف الله تعالى الأموال بأنها قوام لمصالح الناس ومعاشهم، وفي ذلك إشارة إلى أنها ليست مجرد ممتلكات فردية، وإنما هي من أسباب استقامة الحياة، وتحقيق حاجات الأفراد والمجتمعات، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» [متفق عليه] وفيه نهي عن إهدار الأموال فيما لا نفع فيه، وتوجيه إلى حسن تدبيرها وإنفاقها فيما يحقق المصالح.

ومن هذا الباب تأتي أهمية ترشيد الاستهلاك، وتجنب الإنفاق غير المسؤول، واختيار المنتجات التي تحقق المنفعة والجودة، وتشجيع الصناعات التي تسهم في حفظ موارد المجتمع، وتوفير احتياجاته، وتوسيع دائرة فرص العمل والإنتاج.

  • دعم الصناعة الوطنية وسيلة لتوفير فرص العمل وتقوية الاقتصاد

من المصالح المهمة التي تتحقق بدعم المنتج الوطني المحافظة على فرص العمل وتوسيعها، وربط الإنفاق الاستهلاكي بالإنتاج المحلي؛ فالمصنع لا يشغّل العاملين داخله فحسب، وإنما ينعكس نشاطه على قطاعات واسعة من الاقتصاد، مثل النقل والتخزين والخدمات والتجارة والتسويق وتوفير المواد الخام.

  • دعم المنتج الوطني لا يعني التعصب له أو إهدار حق المستهلك

ينبغي أن يقوم تشجيع المنتج الوطني على وعي اقتصادي وأخلاقي، لا على مجرد الشعارات أو التعصب؛ فالمقصود هو مساندة الإنتاج النافع، وتحفيز الصناعات المحلية على التطور، وليس منح أي منتج محلي حصانة من النقد أو الإعفاء من معايير الجودة والمنافسة.

ومن ثم فإن دعم المنتج الوطني ينبغي أن يراعي جملة من الضوابط، أهمها: جودة المنتج وسلامته، ومناسبته لحاجة المستهلك، وعدالة سعره، والتزامه بالمواصفات والمعايير المطلوبة، وعدم استغلال رغبة الناس في دعمه لتحقيق أرباح مبالغ فيها.

فالمستهلك له حق في الحصول على منتج جيد بسعر عادل، والصانع مطالب بتحسين إنتاجه وتطويره، والتاجر مطالب بالصدق والأمانة، والدولة مسؤولة عن توفير بيئة تنافسية تمنع الاحتكار والغش والتلاعب بالأسعار.

  • مسئولية الفرد في دعم المنتج الوطني وترشيد الاستهلاك

المواطن الواعي يدرك أن إنفاقه ليس سلوكًا فرديًّا معزولًا عن مصالح المجتمع، وإنما هو جزء من حركة اقتصادية أوسع؛ ولذلك يحرص على تفضيل المنتج الوطني الجيد متى كان مناسبًا من حيث الجودة والسعر، ويتجنب الإسراف والتبذير، ويحرص على المحافظة على المنتجات والموارد، ولا يشارك في نشر معلومات مضللة عن الصناعات المحلية، بل يوجه النقد الموضوعي الذي يساعد على تحسينها وتطويرها.

كما ينبغي أن يدرك أن دعم المنتج الوطني لا يكون بمجرد شرائه، بل كذلك بتقدير العاملين في الصناعة، وتشجيع أصحاب المشروعات الصغيرة، ودعم الابتكار، واحترام أصحاب المهن، ونشر ثقافة الاعتزاز بالإنتاج والعمل.

حفظ الله الوطن، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى