خطبة الجمعة 16جمادى الأولى 1447هـ = 7 نوفمبر 2025م إدمان الأطفال السوشيال ميديا .

- خطورة إدمان السوشيال ميديا عمومًا:
الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل على تحريمها؛ ولا شك أن السوشيال ميديا المعاصرة ينسحب عليها هذا الأصل؛ استصحابا للبراءة الأصلية لكن إذا وصلت إلى حد الإدمان بحيث يقضي الإنسان ساعات طويلة خلف متابعة ما يتعلق بها، وقد ينام وهاتفُه بين يديه، ويستيقظ وهو بين يديه؛ مما تخل معه أداء الواجبات المنوطة به بل يفقد توازنه؛ فلا خلاف في حرمة استعمالها؛ فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «…، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» [رواه البخاري].
كما أنه يلزم النظر في عواقب السوشيال ميديا ومقصدها؛ لأن الحكم ينبني على القصد؛ إذ “الأمور بمقاصدها”، “والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا”. [الأشباه والنظائر].
وعملًا بقاعدة “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”، نود أن نشير إلى أبرز الآثار السلبية التي تترتب على إدمان السوشيال ميديا:
- ضياع الأوقات فيما لا ينفع.
- الغيبة والنميمة الإلكترونية؛ فالتعليقات السلبية على صور الناس، أو فضح أخطائهم، أو إعادة نشر فضائحهم: غيبة ونميمة.
- نشر الفواحش والمجاهرة بالمعاصي؛ فبعض المستخدمين ينشرون ما يغضب الله تعالى، وهذا من المجاهرة التي قال عنها ﷺ: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين …» [رواه البخاري].
- التجسس وتتبع العورات؛ مثل تصفّح الصور الخاصة للناس، والدخول لحساباتهم والتلصص عليهم.
- تفكك العلاقات الأسرية؛ حيث يجلس الأب والأم والأبناء على مائدة واحدة، لكن كلٌّ منهم غارق في هاتفه، فلا حوار، لا تواصل، لا مودة.
- نقل الإشاعات وتفكك المجتمع؛ فبنقرة واحدة يُنشر خبر كاذب، فتقوم فتنة، أو يتهم بريء، أو تُفزع الناس دون داعٍ.
- العَلاقات الوهمية؛ حيثُ العَلاقاتُ القائمةُ على الإعجابات والتعليقات، لكنها بلا وفاءٍ ولا عمقٍ، وتنتهي لأتفه الأسباب.
- القلق والاكتئاب بسبب المقارنات؛ فحين يرى الشاب صور الأثرياء، والسفر، والزينة، فيحزن على حاله، ويظن أنه فاشل، مع أن ما يراه ربما يكون “واجهة مزيفة”.
- حب الظهور وطلب الشهرة؛ حيث إن بعض الناس لا يعيش لنفسه، بل لأجل ما يرضي المتابعين، يفرح بعدد الإعجابات أكثر من فرحه بأي شيء آخر.
- العزلة والانفصال عن الواقع؛ فرغم أنه ربما يظن المرء أنه محاط بالناس، لكنه يشعر بالوحدة، لأن تواصله مجرد “شاشة” لا روح فيها.
- تصدُّر رؤوسٍ جهال للفتوى، والتخوض في الأمور العلمية ممن ليسوا أهلاً للتخصص، ودون فهم لآليات النص، ومعرفة إسقاطه على الواقع المعيش، والإحاطة بـ”فقه المآلات”، والإحاطة بالجهات الأربع في الفتوى “تغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص”.
- ضوابط عامة للتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي:
- التثبت من الأخبار: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦]. وقال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: ٣٦].
وعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عن أَبِيهِ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ» [رواه أبو داود].
- مراقبة الله تعالى في كل حركاتك وسكناتك: قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: ١]، وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: ٢٣٥].
- استشعار أمانة الكلمة: قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: ١١٦: ١١٧].
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري].
- الالتزام بحدود التواصل بين الرجال والنساء: فيجب أن يكون التواصل لغرض مشروع وليس بدافع التسلية أو الفضول.
- تحري أكل الحلال عبر مواقع التواصل الاجتماعي: فليحذر كل من يتصدر على مواقع التواصل الاجتماعي من التكسب من وراء البرامج والمقاطع التي تستهدف أعراض الناس، فإن من يفعل ذلك يأكل حراما، ولا تغرنه الشهرة وكثرة المتابعات والمشاهدات، فهو أمر -لو علمه- عظيم!
فعَنْ وَقَّاصِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ رضي الله عنه، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ كُسِيَ ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ». [رواه أبو داود].
والمعنى أن المال والطعام والكسوة وسائر ما يملكه الإنسان، إذا كان ناتجا بسبب الاستهزاء بالناس والسخرية منهم، أو الغيبة والنميمة، أو إيغار صدور الناس بعضهم على بعض، فإن مصير كل ذلك إلى جهنم والعياذ بالله تعالى.- اضبط أوقات استخدام الهاتف بأن تحدد لنفسك وأولادك أوقاتًا يومية لاستخدام الهاتف، وتكون هناك فترات “صيام رقمي” للأسرة كلها.
- احذف الحسابات التي تنشر منكرًا أو تضيع وقتك.
- استخدام تطبيقات تقنين الوقت؛ فهناك تطبيقات تحدد عدد دقائق الاستخدام، وتغلق التطبيقات تلقائيًا بعدها.
- لا تنشر صورك أو حياتك الخاصة بسهولة، ولا تفتح الكاميرا في كل وقت ومكان.
- لا تتابع الناس في كل تفاصيلهم، ولا تراقب حياة الآخرين ثم تشتكي من حياتك.
- تذكّر أن الناس ينشرون لحظات “منتقاة”، وليست الحقيقة الكاملة.
- استخدم السوشيال ميديا: للخير والعلم، وللتواصل البنّاء، ولتقوية القيم والـهُويَّة الدينية والوطنية والأخلاقية، وابتعد عن: تضييع الوقت، والعَلاقات المحرمة، ومتابعة التافهين ومروّجي الفساد. واجعل السوشيال ميديا وسيلةً لا غايةً، واجعلها تُقرّبك من الله لا أن تُبعدك عنه.
- خطورة إدمان السوشيال ميديا على الأطفال خصوصًا:
- إن من أخطر القضايا التربوية والاجتماعية في زماننا هذا: انغماس الأطفال في مواقع السوشيال ميديا، حتى أصبح كثيرٌ من الأطفال لا يستطيعون فراق الهاتف ولو دقائق! وهذه الظاهرة لم تعد مجرد تسلية أو ترفيه، بل تحولت لدى كثير منهم إلى إدمان حقيقي يضرّ بالدين والعقل والجسد والسلوك.
- يقول الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: ٣٦]
- ومن هذه المخاطر ما يأتي:
- ١- فقدان شعور الأطفال بالأمان والدفء الأسري، وافتقار المهارات الاجتماعية:
- إدمان الأطفال تصفح السوشيال ميديا لفترة طويلة يتسبب في افتقارهم للمهارات الاجتماعية التي يكتسبونها من خلال تفاعلهم مع الآخرين مما يفقدون معه القدرة على التواصل الحقيقي مع غيرهم من الأفراد المحيطين بهم، وبالتالي عندما يوضعون في تواصل حقيقي مع غيرهم يصبحون شخصية منطوية انعزالية ومكتئبة، بسبب جهلهم كيفية التواصل مع الناس.
- أضف إلى ذلك أن الإغراق في التسلية يتقلص معه التواصل الأسري، والحد من الألفة والعاطفة لدى الأطفال مما يحدث معه حالة من التفسخ الأسري، وقوة التماسك بين أفراد العائلة الواحدة، وزيادة الفجوة بين الأجيال نتيجة اختلاف نمط الاستخدام، والتفضيلات.
- ٢- تعرَّض الأطفال لعمليات التنمر الإلكتروني:
- نتيجة للمحتوى السيئ الذي اعتاد الأطفال على مشاهدته أو سماعه يتولَّد لديهم الميل إلى العدوانية، واستخدام العنف والقوة، سواء بغرض التقليد، أو التعبير عن مشاعر مختزلة داخياً نتيجة ما طُبِع عليه؛ لذلك يجب تشجيع الأطفال على عدم الصمت عند التعرض لأي ضغط أو أذى يلحق بهم عند استخدامهم لهذه التقنيات.
- كما يؤدي إدمان الأطفال إلى العديد من المخاطر نتيجة مشاركة الكثير من المعلومات مما قد يعرض خصوصيتهم للخطر، فعند استخدام هذه الوسائل يمكنهم ترك أدلة وراء المواقع التي زاروها يطلق على هذا السجل الجماعي المستمر لنشاط الفرد الإلكتروني “بالبصمة الرقمية “. [أثر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على تنشئة الطفل في المجتمع العُماني، إعداد: أعضاء الفريق البحثي بجمعية الاجتماعيين العُمانية، ص ٦٩، ٧٠، ٧١].
- ٣- المشكلات الصحية:
- شعور الأطفال بالقلق والاضطراب، وقلة النوم مما يؤثر على تحصيلهم الدراسي، وضياع مستقبلهم؛ لأنَّ إدمان السوشيال ميديا يؤثر على ذاكرة الطفل، وتصيبه بحالة من تشتت الانتباه، وفرط الحركة، والنسيان لكل ما يتعلمه بسهولة، ويصعب عليهم التحلي بالهدوء.
- كما أن الأطفال يصبح لديهم حالة من الكسل غير قابلين للحركة مما يؤثر بشكل مباشر على صحتهم ولياقتهم حيث يصابون بزيادة الوزن والبدانة بل قد تتسبب الجلوس الدائم في تلف خلايا المخ، وتحدث توترات عصبية بالإفراز المفرط والمتزايد لهرمون الكورتيزول “هرمون الإجهاد والتعب”، وهرمون الأدرينالين، والنورادرينالين، فيولد ذلك سرعة الغضب حتى إن بعض العلماء أطلق عليه اسم “الهوس النفسي”، كما قد يؤدي إلى ما يسمى “الإصابة بالتعب المتكرر”؛ إذ الأطفال الذين يستخدمون لوحة المفاتيح الملحقة بالجهاز، يقومون بالضرب على لوحة المفاتيح بمعدل قد يصل إلى [٣١٢٠٠] ضربة في الساعة يعدون حوالي ١٣ % من إجمالي نسبة المصابين بالتعب المتكرر. [الإدمان على الانترنت: اضطراب العصر، حمودة سليمة، ص ٢٢١].
- بالإضافة إلى ضعف الجهاز المناعي، والإرهاق البصري، وآلام الظهر والرقبة، وإعاقة عمليات نضج الدماغ، وقد تسهم في ضعف الذكاء اللفظي لدى هؤلاء الأطفال، والإصابة بالصداع المستمر، وركود الدورة الدموية مما يسبب حدوث جلطات دماغية وقلبية وضعف في أداء الأجهزة الحيوية بالجسم. [أثر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على تنشئة الطفل في المجتمع العُماني، ص ٧٣، ٧٤].
- ٤- انعدام الثقة بالنفس، وتدني احترام الذات:
- عندما يدمن الأطفال استعمال السوشيال ميديا غالبًا ما يقارنوا حياتهم الشخصية بالآخرين مما يتسبب في فقدانهم لثقتهم بأنفسهم، والشعور بالمزيد من البؤس وعدم الرضا والقناعة بما هم عليه مما يؤثر بشكل مباشر على موقفهم تجاه حياتهم، وقد يضطروا للسخط على وضعهم المادي أو التعليمي أو الوظيفي … إلخ.
- ٥- المشكلات الاقتصادية والأخلاقية:
- إضاعة المال مما يؤثر على ميزانية الأسرة، ويحدث خللًا في بعض الأوقات قد يصل إلى درجة الإفلاس في بعض الأحيان إن كان الإدمان على مواقع التسوق والمقامرة والألعاب. [الإدمان الإلكتروني لشريحة المراهقين، ص ٨، إصدارات وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، دولة الكويت].
- كما أن إدمان السوشيال ميديا يعرض الأطفال لمحتويات غير أخلاقية، أو منافية للتعاليم الدينية، وغالبًا ما يلجأون إلى التقليد الأعمى لكثير من السلوكيات غير اللائقة دينيًّا ومجتمعيًّا، وينمي أيضًا في الأطفال التهرب من أداء الواجبات والطاعات نتيجة الانشغال المستمر، ولا بد من غرس روح المسؤولية في الطفل.
- ٦- ضياع الـهُوية الثقافية والعربية، واستبدالها بالـهُوية العالمية:
- مع ظهور العولمة الثقافية تراجع استخدام اللغة العربية الفصحى لصالح العامية حيث أضحى استخدام مزيج من الحروف والأرقام اللاتينية بدل الحروف العربية الفصحى خاصة على شبكات السوشيال ميديا، فتحولت حروف اللغة العربية إلى رموز وأرقام باتت الحاء “”٧”، والعين ” ٣”، وهذا يؤثر بشكل مباشر على الانتماء الأسري ومن ثم العربي. [مواقع التواصل الاجتماعي وأثرها على العلاقات الاجتماعية – أحمد علي الدروبي، ص ٨، ٩].
- مما سبق تبين أن إدمان السوشيال ميديا ينطوي على أضرار كثيرة للأطفال؛ لذا يجب إزالة هذه الأضرار ورفعها قدر الإمكان؛ لأن “درء المفاسد أولى من جلب المصالح”، ولأن “الضرر يزال”؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجه]. [الأشباه والنظائر لتاج الدين السبكي، ١/٤١، ١٠٥]، و [الأشباه والنظائر لابن نجيم المصري، ص ٧٢، ٧٨].

