الحلقة السابعة من برنامج “لؤلؤ ومرجان” الإسلام ببساطة: كنوز من القرآن (7) لـ د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف

بقلم: د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف
سيداتي وسادتي، شعب مصر العظيم، أبناء وبنات الأمتين العربية والإسلامية؛ أهلاً ومرحباً بكم في رحلة جديدة مع القرآن المجيد. نستكشف اليوم الجزء السابع من القرآن الكريم، ساعين لاقتطاف لآلئه وكنوز أسراره، والتقرب من أنواره وقيمه وهداه الذي أودعه الله تعالى فيه.
نستخلص القيمة الأولى والثانية من خلال هذه الآيات: «وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ…» [المائدة: 116]. وتستمر الآيات حتى يُتم سيدنا عيسى ابن مريم (عليه السلام) شهادته بين يدي الله تعالى في يوم الحشر العظيم. عندئذٍ يصدر الله تعالى الحكم النهائي – القضاء الإلهي الذي قدره لنا في الحياة الدنيا – تعظيماً لهذه القيمة، وهي قيمة الصدق.
يقول الله تعالى: «قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [المائدة: 119]. وإذا تأملنا في مواضع النفع في القرآن المجيد، سنجد أنها تأتي عبر هذه القيم: القلب السليم ظاهراً وباطناً، وصدق اللسان وطهارة الفؤاد.
لذا، احفظوا هذه الكلمات: الصدق، ونفع الناس. أما عن الصدق، فحسبنا أن الله تعالى اختار لنبيه وسيدنا محمد ﷺ في بداية دعوته أن يُعرف بـ “الصادق الأمين”. وقد قال ﷺ: «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا». هذه هي قيمة الصدق التي يجب أن تُعظم.
ثانياً: عظموا قيمة نفع الناس؛ لأن النبي المصطفى ﷺ قال: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ». وسُئل ﷺ يوماً: «يا رسول الله، أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟ وأيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟» فقال: «أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس». لذا، عظموا قيمة نفع الخلق أجمعين، وإياكم وإيذاء الآخرين أو جرح مشاعرهم، واحذروا البغي أو التنمر على الناس.
أما القيمة الثالثة، فنجدها في قوله تعالى: «وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» [الأنعام: 13]. ومعناها أن كل ما وُجد في ضياء النهار وما غطاه ظلام الليل هو ملك لله تعالى؛ ملكية خالصة وعبودية تامة له، سواء كان جماداً أو إنساناً أو حيواناً أو نباتاً. كل ما يغطيه الليل أو النهار ينتمي لله، أي أنه خلقُه وعبدٌ خاضعٌ له. والقيمة هنا هي الاستسلام والتسليم المطلق للخالق جل وعلا. ولذا قال بعض العباد الصالحين: “أقامك في كل الحركات، ولم يرضَ منك إلا بالسكون والتسليم له”.
وعن القيمة الرابعة، نجدها في قوله تعالى: «قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ» [الأنعام: 19]. والقيمة هنا هي أن كل شيء، بما في ذلك أفعالك وأحوالك، هو لله وحده؛ لأنه هو الأكبر، والشهيد، والمعين، والقابل لما تقدمه. وهذا هو حال “أهل الله”؛ فكل واحد منهم مع رب العالمين في كل أحواله، يتلذذ بخطاب رب العالمين.
ربنا يقول: «قُلِ اللَّهُ»، أي أن ربنا يعلمني أن أقول “الله”. ونستمر على هذا المنوال حتى نهاية السورة، فنجد ربنا يقول: «قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» [الأنعام: 91]. والمعنى المقصود: استعن على قضاء حوائجك وشؤونك كلها باللجوء إلى الله.
ثم ننتقل إلى القيمة الخامسة، ونجدها في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ» [الأنعام: 99].
القيمة هنا هي التأمل في كل مخلوقات الله تعالى، تعظيماً لقدرته. فالقرآن يدعونا بوفرة للتفكر: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» [العنكبوت: 20]، ويقول: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» [الأنعام: 11]، ويقول مرتين: «قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، وهنا يقول: «انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ».
انظر إلى ثمر الشجر حين يثمر، إنه يلفت انتباهك للجمال، وللسماء، وللنجوم: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ». الله تعالى يريدك أن ترقب السماء وما فيها من أجرام، يريدك أن تخرج من ضيق نفسك إلى اتساع الكون لترى دقة الخلق وإتقان الصنع؛ ليتمتلئ قلبك خشوعاً ورهبة، فتسجد لله تعالى. فبعد ذكر النخل والرمان والثمار، يقول: «انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ»، أي تأملوا ما أودعه الله في تلك الثمار من مشهد الجمال. إلى هذا الحد يعتني القرآن بملء وعي الإنسان بالجمال، وبمشاهدة الجمال في الكون، وبالتأمل في جمال الثمار.
ثم ننتقل إلى القيمة السادسة، التي نجدها في قوله تعالى: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ» [الأنعام: 108]. لذا، احذر من مهاجمة معتقدات وأديان الآخرين؛ لئلا يعتدوا بدورهم على ما تقدسه من الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ. احذر من التكبر أو التسلط على أحد أو على معتقد أحد؛ بل أظهر الرحمة واللطف والرفق والاحترام، وكن قدوة حسنة بأخلاقك الطيبة.
حتى نلتقي مجدداً، دمتم كراماً ودمتم في أمان الله.

