“لآلئ ومرجان” الحلقة (8) أسرار الجزء الثامن “كنوز من القرآن ” من برنامج د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف

لآلئ ومرجان: كنوز من القرآن (8)
الإسلام ميسراً د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف
سيداتي وسادتي، شعب مصر العظيم، وبنات وأبناء الأمتين العربية والإسلامية – مرحباً بكم في رحلة جديدة مع القرآن المجيد. اليوم، ننطلق مع الجزء الثامن، غائصين في اللآلئ والكنوز والجواهر التي وضعها الله عز وجل فيه – حاملةً المعرفة، والنور، والقيم، والحكمة.
دعونا نبدأ بالإشارة إلى أننا قد وصلنا الآن إلى الجزء الثامن. في تراثنا، يُنظر إلى الرقم ثمانية باعتباره رقماً مرتبطاً بالبركة والخير، وقد جعل الله أبواب الجنة ثمانية في العدد.
في هذا الجزء، نواصل الإبحار عبر المعاني المشعة لسورة الأنعام. القيمة الأولى التي نصادفها تأتي من التوقف عند آية قد لا يتفكر في دلالتها الكثير من الناس – رغم شرف تلاوتها كعبادة – لأن إدراك معناها المقصود يتطلب تأملاً فكرياً.
يقول الله عز وجل: «وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ» [القرآن 6:120]. “باطن الإثم” يشمل الكبر، والعناد، والإصرار على رفض الحق. لذا القيمة هنا هي: احذر من الكبر!
الكبر هو ما تسبب في طرد الشيطان من رحمة الله عز وجل. الكبر هو ما يحجب الشخص عن الله، سبحانه وتعالى. الكبر هو ما يمكن أن يدفع الشخص ليصبح مغروراً، أو متعصباً، أو حتى قاتلاً. لهذا السبب، امتدح الله عز وجل التواضع وأمرنا بتبنيه. وكما قال الشاعر:
تَواضَع تَكُن كَالنَجمِ لاحَ لِناظِرٍ … عَلى صَفَحاتِ الماءِ وَهُوَ رَفيعُ وَلا تَكُ كَالدُخانِ يَعلو بِنَفسِهِ … إِلى طَبَقاتِ الجَوِّ وَهُوَ وَضيعُ
القيمة الثانية تظهر في كلمات الله: «أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» [القرآن 6:122]. إذا تتبعنا الآيات، نجد أن هذه الآية تأتي مباشرة بعد: «وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ» [القرآن 6:120]. فكأن الله عز وجل يخبرنا أن الشخص المصاب بالكبر هو كالميت – حتى تدركه رحمة الله؛ حينها يستيقظ، ويخرج من قبضة الكبر، ويُضاء قلبه، ويُهتدى.
وبالتالي، هناك مستويان من الحياة: الحياة البيولوجية – التي بها يتحدث الشخص ويسمع ويدرك – والحياة الروحية، التي تبقي الشخص متصلاً بالله وقادراً على فهم هدايته. لذا احرص دائماً على أن تتحرك بين الناس حاملاً للنور والخير والعطاء السخي.
أما عن القيمة الثالثة، فتظهر في قول الله عز وجل: «يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» [القرآن 7:31]. يأمرنا الله عز وجل بتعظيم دور العبادة وأن نقدم أنفسنا في أبهى حالة عند دخولها.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): “من أكل من هذه الشجرة المنتنة -الثوم- (وأحياناً ذكر: البصل والثوم والكراث) – فلا يقربن مصلانا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم”.
لذا، لا تدخل المسجد برائحة غير كريهة، أو بدون وضوء، أو بملابس غير نظيفة. فالجمال الظاهري غالباً ما يجد طريقه إلى الذات الداخلية. لذا، ادخل المسجد متواضعاً وخاشعاً أمام الله.
هذا الجمال المرئي الملموس له تأثير حقيقي على الجمال النفسي الداخلي؛ كما أنه يدعم الصحة الدائمة، والمظهر الحسن، ويمنعك من تنفير الناس – بينما يساعدك على اتباع سنة نبينا المصطفى الحبيب (صلى الله عليه وسلم) والامتثال لأمر الله، سبحانه وتعالى. ما أجمل أن يصبح المظهر المعتنى به دليلاً على جوهر جميل.
أما عن القيمة الرابعة المستخرجة من هذا الجزء من القرآن المجيد، فنجدها في كلمات سيدنا نوح (عليه السلام) لقومه. يقول الله عز وجل: «قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ» [القرآن 7: 61-62].
هنا، تتضح قيمة النصيحة المخلصة؛ فهي خلق جميع الأنبياء. قال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): “الدين النصيحة”. قلنا: “لمن يا رسول الله؟” قال (صلى الله عليه وسلم): “لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم”.
النصيحة المخلصة، إذاً، متوقعة من كل من هو قادر على تقديمها؛ وعلى من يتلقاها ألا يرى نفسه فوق قبول المشورة – حتى لو جاءت من شخص دونه في الرتبة، أو العلم، أو المكانة الاجتماعية، أو أي مقياس آخر يتوهم الناس به الأفضلية.
الواجب مشترك: تقديم نصيحة صادقة وأمينة – واستقبالها بامتنان والتفكر فيها.
لكن احذر: النصيحة يمكن أن تنزلق بسهولة إلى التشهير العلني. الإمام الشافعي – رحمه الله – صاغ هذا المعنى في أبيات بليغة، قائلاً:
تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي … وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجماعة فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ … مِنَ التوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه وَإِن خالَفتَني وَعَصيتَ قَولي … فَلا تَجزَع إِذا لَم تُعطَ طاعَه
فكن ناصحاً أميناً – ولكن بلطف. كن لطيفاً، وسوف تُرزق التوفيق.
إلى أن نلتقي مرة أخرى، دمتم نبلاء؛ دمتم سالمين.
