خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة بعنوان :” كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي” 5 يونيو 2026م للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 5 يونيو 2026م بعنوان : كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي : كما يلي:

كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي

القَنَاعَةُ وَالرِّضَا مِفْتَاحُ السَّعَادَةِ.

إِنَّ الرِّضَا بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَطَاءِ الرَّبَّانِيِّ.

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ الْقَنُوعَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الرِّضَا، وَسُمِّيَتْ قَنَاعَةً؛ لِأَنَّهُ يُقْبِلُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي كَانَ لَهُ رَاضِيًا، وَالرِّضَا يَعْنِي الرِّضَا بِمَا أَعْطَى اللَّهُ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: الرِّضَا بِمَا دُونَ الْكِفَايَةِ، وَالِاسْتِغْنَاءُ بِالْمَوْجُودِ.

وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ: هِيَ السُّكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَأْلُوفَاتِ.

وَقِيلَ: الْوُقُوفُ عِنْدَ الْكِفَايَةِ.

لِلرِّضَا وَلِلْقَنَاعَةِ أَهَمِّيَّةٌ كُبْرَى وَأَثَرٌ بَالِغٌ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، فَهِيَ تُحَقِّقُ الرَّخَاءَ النَّفْسِيَّ وَالرَّاحَةَ الْجَسَدِيَّةَ، وَتُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْمَادَّةِ، وَتَفْتَحُ بَابَ الْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ، وَالْإِبَاءِ وَالْعِفَّةِ، وَالتَّرَفُّعِ عَنْ صَغَائِرِ الْأُمُورِ، إِنَّ الْعَبْدَ الْقَانِعَ عَفِيفَ النَّفْسِ هُوَ أَسْعَدُ حَيَاةً، وَأَرْخَى بَالًا، وَأَكْثَرُ دَعَةً وَاسْتِقْرَارًا، وَهُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣].

لِذَا، صَارَ الْقَانِعُ أَغْنَى النَّاسِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْغِنَى هِيَ غِنَى النَّفْسِ، وَالْقَانِعُ رَاضٍ وَمُكْتَفٍ بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ أَحَدًا، وَلَا يَسْأَلُ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقَنَاعَةُ تُمِدُّ صَاحِبَهَا بِصَفَاءٍ وَيَقَظَةٍ رُوحِيَّةٍ، وَبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ، وَتُحَفِّزُهُ عَلَى التَّأَهُّبِ لِلْآخِرَةِ، وَالْقِيَامِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَتَوْفِيرِ بَوَاعِثِ السَّعَادَةِ فِيهَا.

وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ لِلرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ:

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥].

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ أَيْضًا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].

تَقْوِيَةُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْوِيضُ الْقَلْبِ عَلَى الْقَنَاعَةِ، وَالرِّضَا بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ مَا كَانَ لِيُخْطِئَنِي مَا أَصَابَنِي، وَمَا كَانَ لِيُصِيبَنِي مَا أَخْطَأَنِي، وَالِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمُ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ.

النَّظَرُ فِي حَالِ الصَّالِحِينَ وَزُهْدِهِمْ وَكَفَافِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الدُّنْيَا وَمَلَذَّاتِهَا.

تَأَمُّلُ أَحْوَالِ مَنْ هُمْ أَقَلُّ مِنَّا.

مَعْرِفَةُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّفَكُّرُ فِيهَا، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فِي الْقَنَاعَةِ رَاحَةَ النَّفْسِ، وَسَلَامَةَ الصَّدْرِ، وَاطْمِئْنَانَ الْقَلْبِ.

مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَفَاوُتِ الْأَرْزَاقِ وَالْمَرَاتِبِ بَيْنَ الْعِبَادِ.

الْعِلْمُ بِأَنَّ الرِّزْقَ لَا يَخْضَعُ لِمَقَايِيسِ الْبَشَرِ مِنْ قُوَّةِ الذَّكَاءِ، وَكَثْرَةِ الْحَرَكَةِ، وَسَعَةِ الْمَعَارِفِ، وَالْيَقِينُ بِأَنَّ الرِّزْقَ مَكْتُوبٌ وَالْإِنْسَانُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ.

خُذِ الْقَنَاعَةَ مِنَ الدُّنْيَا وَارْضَ بِهَا

وَاجْعَلْ نَصِيبَكَ مِنْهَا رَاحَةَ الْبَدَنِ

وَانْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا

هَلْ رَاحَ مِنْهَا بِغَيْرِ الْقُطْنِ وَالْكَفَنِ

الرِّضَا خُلُقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ، وَأَدَبٌ مِنْ آدَابِهِ الْعَظِيمَةِ، إِذَا تَخَلَّقَ بِهِ الْعَبْدُ اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ، وَهَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَنَعِمَ بِرَاحَةِ بَالِهِ، وَسَلِمَتْ مِنَ الْحَرَامِ جَوَارِحُهُ، وَهُوَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَسِمَةٌ مِنْ سِمَاتِ الْأَتْقِيَاءِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْفَوْزِ وَالْفَلَاحِ، مَعَ خُلُقِ الْقَنَاعَةِ.

مَا أَحْوَجَنَا إِلَى الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ.

وما أحوجَنا إلى الرضا بما قسمَ اللهُ، في زمنٍ تكالبَ فيهِ كثيرٌ من الناسِ على الدنيا، وانغمسوا في شهواتِها، في زمنٍ كثرَ فيهِ التسخطُ والتذمرُ والتشكي، وضعفَ فيهِ الرضا بما قسمَ وقدرَ ربُّ العالمينَ سبحانهُ!

عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «يا أبا هريرةَ، كُنْ ورعًا تكنْ من أعبدِ الناسِ، وارضَ بما قسمَ اللهُ لكَ تكنْ من أغنى الناسِ، وأحبَّ للمسلمينَ والمؤمنينَ ما تحبُّ لنفسِكَ وأهلِ بيتِكَ، واكرهْ لهم ما تكرهُ لنفسِكَ وأهلِ بيتِكَ، تكنْ مؤمنًا، وجاورْ من جاورتَ بإحسانٍ تكنْ مسلمًا، وإياكَ وكثرةَ الضحكِ؛ فإنَّ كثرةَ الضحكِ فسادُ القلبِ». أخرجهُ الترمذيُّ وابنُ ماجهَ وأحمدُ.

ارضَ بما قسمَ اللهُ لكَ تكنْ أغنى الناسِ؛ فالرضا بما قسمَ اللهُ أصلٌ عظيمٌ في استقرارِ النفسِ، وهدوءِ الروحِ، وانشراحِ الصدرِ.

يقولُ عامرُ بنُ عبدِ قيسٍ رضيَ اللهُ عنهُ: أربعُ آياتٍ من كتابِ اللهِ إذا قرأتُهنَّ مساءً لم أُبالِ على ما أُمسي، وإذا تلوتُهنَّ صباحًا لم أُبالِ على ما أُصبحُ:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. وقولُهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]. وقولُهُ تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧].

وعلينا أن نتذكرَ أنَّ الدنيا إلى زوالٍ، وأنَّ متاعَها إلى فناءٍ.

ليعلمِ العاقلُ أنَّ كلَّ حالٍ إلى زوالٍ، فلا يفرحْ غنيٌّ حتى يطغى ويبطرَ، ولا ييأسْ فقيرٌ حتى يعصي ويكفرَ، فإنَّهُ لا فقرٌ يدومُ، ولا غنىً يدومُ. وكم من رجالٍ نشؤوا على فرشٍ من حريرٍ، وشربوا بكؤوسٍ من ذهبٍ، وورثوا كنوزًا من المالِ، وأذلوا أعناقَ الرجالِ، واستعبدوا الأحرارَ من الرجالِ والنساءِ، فما ماتوا حتى اشتهوا فراشًا خشنًا يقي الجنبَ عضَّ الأرضِ، ورغيفًا من خبزٍ يحمي البطنَ من قرصِ الجوعِ.

وهناكَ آخرونَ قاسوا المحنَ والبلايا، وذاقوا الألمَ والحرمانَ، وطووا اللياليَ بلا طعامٍ، فما ماتوا حتى ازدحمتْ عليهمُ النعمُ، وتكاثرتْ لهمُ الخيراتُ، وصاروا من سراةِ الناسِ.

وسيسوي الموتُ بين الأحياءِ جميعًا: الغنيِّ والفقيرِ؛ فدودُ الأرضِ لا يفرقُ بين المالكِ والأجيرِ، ولا بين الصعلوكِ والأميرِ، ولا بين الكبيرِ والصغيرِ، فلا يجزعْ فقيرٌ بفقرِهِ، ولا يبطرْ غنيٌّ بغناهُ.

فما أجملَ الرضا والقناعةَ، وما أسعدَ أهلَها! لو تحلى بها الناسُ لزالتْ منهمُ الضغائنُ والأحقادُ، وحفتْ بينهمُ الألفةُ والمودةُ؛ فإنَّ ما يقعُ فيهِ الناسُ من خلافٍ وشقاقٍ سببُهُ الدنيا والتنافسُ عليها، سببُهُ ضعفُ القناعةِ والرضا في القلوبِ.

وصدقَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ حينما قالَ: «واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسطَ الدنيا عليكم، كما بُسطتْ على من كانَ قبلَكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلكَكم كما أهلكتْهم». أخرجهُ البخاريُّ في صحيحِهِ.

فهلْ من مدكرٍ؟ وهلْ من معتبرٍ يجعلُ ما يملكُ من دنيا في يدَيْهِ، ويحذرُ أن تقتربَ إلى قلبِهِ فتفسدَهُ؟! «ألا وإنَّ في الجسدِ مضغةً، إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّهُ، ألا وهيَ القلبُ». [أخرجهُ البخاريُّ ومسلمٌ].

أخا الإسلامِ والإيمانِ: عليكَ أن تنظرَ إلى من هو أقلُّ منكَ في المالِ والمنصبِ والجاهِ، ولا تنظرْ إلى من هو أعلى منكَ في ذلكَ؛ فقد علمَنا ذلكَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، فيما رواهُ مسلمٌ في صحيحِهِ عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «انظروا إلى من أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ ألَّا تزدروا نعمةَ اللهِ عليكم».

وفي لفظٍ لابنِ حبانَ في صحيحِهِ: «إذا رأى أحدُكم من فوقَهُ في المالِ والحسبِ، فلينظرْ إلى من هو دونَهُ في المالِ والحسبِ».

وليسَ في الدنيا أحدٌ لا يجدُ من هو أفضلُ منهُ في شيءٍ، ولا من هو أقلُّ منهُ في أشياءَ؛ فإنْ كنتَ فقيرًا ففي الناسِ من هو أفقرُ منك، وإنْ كنتَ مريضًا ففي الناسِ من هو أشدُّ منك مرضًا، وإنْ كنتَ ضعيفًا ففي الناسِ من هو أشدُّ منك ضعفًا، فلماذا ترفعُ رأسَكَ لتنظرَ إلى من هو فوقَكَ، ولا تخفضُهُ لتبصرَ من هو تحتَكَ؟!

وَسَائِلُ تُعِينُ عَلَى الرِّضَا.

أَوَّلًا: تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَعَدَمِ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ:

فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].

وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا

وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ

ثَانِيًا: الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ التَّفَاوُتَ فِي الْأَرْزَاقِ بَيْنَ النَّاسِ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا:

فَلِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حِكْمَةٌ فِي تَفَاوُتِ الْأَرْزَاقِ وَالْمَرَاتِبِ بَيْنَ الْعِبَادِ؛ حَتَّى تَحْصُلَ عِمَارَةُ الْأَرْضِ، وَيَتَبَادَلَ النَّاسُ الْمَنَافِعَ وَالْمَصَالِحَ، وَيَخْدِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥].

فَالَّذِي يَعْتَرِضُ عَلَى قِسْمَةِ اللَّهِ مُعْتَرِضٌ عَلَى عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهَذَا جَهْلٌ وَضَلَالٌ، فَإِنَّ الَّذِي خَلَقَ الْخَلَائِقَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ؛ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].

ثَالِثًا: الْعِلْمُ بِأَنَّ الْفَقْرَ وَالْغِنَى ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ:

فَالْفَقِيرُ مُمْتَحَنٌ بِفَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ، وَالْغَنِيُّ مُمْتَحَنٌ بِغِنَاهُ وَثَرْوَتِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَسْئُولٌ وَمَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧].

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

وَكَمَا أَنَّ الْفَقْرَ ابْتِلَاءٌ، فَكَذَلِكَ الْغِنَى ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].

وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَمِنْ خَاصِّيَّةِ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ صَابِرٌ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، شَاكِرٌ فِي السَّرَّاءِ وَالرَّخَاءِ؛ وَهَذَا مَا نَبَّهَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ].

الِاقْتِدَاءُ بِأَصْحَابِ الْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى أَحْوَالِهِمْ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ: …

١– الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

فَأَعْظَمُ أُنْمُوذَجٍ فِي الرِّضَا هُوَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ الْقُدْوَةُ وَالْأُسْوَةُ فِي كُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ؛ فَلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنُوعًا زَاهِدًا رَاضِيًا، صَابِرًا مُحْتَسِبًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ مُلَذَّاتِ الدُّنْيَا، وَأَشَدَّهُمْ رَغْبَةً فِي الْآخِرَةِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَرَبُّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ يُخَاطِبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]؟

وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَفْسٍ طَمَّاعَةٍ لَا تَشْبَعُ، فَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ». [صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ].

فَيَا مَنْ تَشْكُو مِنْ تَوَالِي الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَمِنْ قِلَّةِ الْمَالِ، وَالْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، كُنْ رَاضِيًا صَابِرًا مُحْتَسِبًا قَنُوعًا، وَلْتَكُنْ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَقُدْوَةٌ طَيِّبَةٌ؛ انْظُرْ إِلَى طَعَامِهِ، وَانْظُرْ إِلَى فِرَاشِهِ وَلِبَاسِهِ، وَانْظُرْ إِلَى مَسْكَنِهِ؛ لِتُدْرِكَ أَنَّكَ فِي نِعَمٍ كَثِيرَةٍ وَخَيْرَاتٍ وَافِرَةٍ. فَأَمَّا طَعَامُهُ وَمَأْكَلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَايَةٌ فِي الْقَنَاعَةِ وَالْبَسَاطَةِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ، فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَأَمَّا فِرَاشُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَدَمٍ، وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوَ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ، قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: «مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ؟ فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟» قُلْتُ: بَلَى. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.

وَأَمَّا مَسْكَنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَبُيُوتٌ مِنْ طِينٍ، سَقْفُهَا مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، قَصِيرَةٌ مُتَقَارِبَةٌ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي «الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ: أَنَّهُ رَأَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَرِيدٍ، مَسْتُورَةً بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: كَانَ بَابُهُ مِنْ وِجْهَةِ الشَّامِ، فَقُلْتُ: مِصْرَاعًا كَانَ أَوْ مِصْرَاعَيْنِ؟ قَالَ: كَانَ بَابًا وَاحِدًا، قُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ؟ قَالَ: مِنْ عَرْعَرٍ أَوْ سَاجٍ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْحُجُرَاتِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، مُغَشَّاةً مِنْ خَارِجٍ بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، وَأَظُنُّ عَرْضَ الْبَيْتِ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْتِ نَحْوًا مِنْ سِتِّ أَوْ سَبْعِ أَذْرُعٍ، وَأَحْزِرُ الْبَيْتَ الدَّاخِلَ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَأَظُنُّ سُمْكَهُ بَيْنَ الثَّمَانِ وَالسَّبْعِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَوَقَفْتُ عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ فَإِذَا هُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَغْرِبِ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي «الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ» عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَتَنَاوَلُ سَقْفَهَا بِيَدِي.

٢– قَنَاعَةُ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَقَدْ رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَهُ عَلَى الْقَنَاعَةِ بَعْدَ أَنْ اخْتَارَ أَزْوَاجُهُ الْبَقَاءَ مَعَهُ، وَالصَّبْرَ عَلَى الْقِلَّةِ، وَالزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا، حِينَ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ عَلَى ذَلِكَ، أَوِ الْفِرَاقِ وَالتَّمَتُّعِ بِالدُّنْيَا؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩].

فَاخْتَرْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَصَبَرْنَ عَلَى لَأْوَاءِ الدُّنْيَا، وَضَعْفِ الْحَالِ، وَقِلَّةِ الْمَالِ؛ طَمَعًا فِي الْأَجْرِ الْعَظِيمِ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ سُبْحَانَهُ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا، حَتَّى قُبِضَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

٣– الرِّضَا وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ:

وَعَلَى الرِّضَا أَيْضًا رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ، فَكَانُوا أَصْحَابَ قَنَاعَةٍ وَرِضًا، فَمَا كَانُوا يَتَنَافَسُونَ عَلَى الدُّنْيَا، وَلَا يَتَنَازَعُونَ حَوْلَهَا، وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ.

تَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرَاضِيهِمْ فِي مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، لِيُهَاجِرُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ حَيْثُ لَا مَالَ لَهُمْ هُنَاكَ وَلَا أَهْلَ وَلَا مَتَاعَ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، وَقَدْ كَانَ فِي مَكَّةَ يَأْكُلُ أَشْهَى الطَّعَامِ وَأَلَذَّهُ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَجِدُ مِنَ اللِّبَاسِ إِلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَقَدْ كَانَ فِي مَكَّةَ يَلْبَسُ أَفْخَرَ الثِّيَابِ وَأَجْمَلَهَا، فَأَيُّ قَنَاعَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ؟

رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوهُ فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: اشْتَكَى سَلْمَانُ، فَعَادَهُ سَعْدٌ، فَرَآهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَخِي؟ أَلَيْسَ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَلَيْسَ؟ أَلَيْسَ؟ قَالَ سَلْمَانُ: مَا أَبْكِي وَاحِدَةً مِنِ اثْنَتَيْنِ؛ مَا أَبْكِي ضَنًّا بِالدُّنْيَا وَلَا كَرَاهِيَةً لِلْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَمَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ تَعَدَّيْتُ، قَالَ: وَمَا عَهِدَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَكْفِي أَحَدَكُمْ مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ تَعَدَّيْتُ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا سَعْدُ فَاتَّقِ اللَّهَ عِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ، وَعِنْدَ قَسْمِكَ إِذَا قَسَمْتَ، وَعِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ. قَالَ ثَابِتٌ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَا تَرَكَ إِلَّا بِضْعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنْ نَفَقَةٍ كَانَتْ عِنْدَهُ؛ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ.

فَوَائِدُ الرِّضَا وَنَتَائِجُهُ:

لِلرِّضَا فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ وَنَتَائِجُ جَلِيلَةٌ، تَعُودُ عَلَى الْمَرْءِ بِالسَّعَادَةِ وَالرَّاحَةِ، وَالْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَمِنْ تِلْكَ الْفَوَائِدِ:

١– الرِّضَا دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الثِّقَةِ بِاللَّهِ، وَالرِّضَا بِمَا قَدَّرَ وَقَسَمَ، دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْيَقِينِ بِمَا عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ مِنْ ضَعْفِ يَقِينِكَ أَنْ تَكُونَ بِمَا فِي يَدِكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

٢– بِالرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ يَتَحَقَّقُ الشُّكْرُ:

فَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِهِ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَمَنِ احْتَقَرَ رِزْقَهُ قَصَّرَ فِي شُكْرِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَرُبَّمَا جَزِعَ وَتَسَخَّطَ – وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ – فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ…»؛ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ.

٣– الرِّضَا وَالْقَنَاعَةُ سَبِيلٌ إِلَى الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ.

فَيَا مَنْ تُرِيدُ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ الْهَادِئَةَ الْمُطْمَئِنَّةَ، عَلَيْكَ بِالْقَنَاعَةِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ فِي الْقَنَاعَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].

وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: «الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الْقَنَاعَةُ». وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: “مَنْ قَنِعَ طَابَ عَيْشُهُ، وَمَنْ طَمِعَ طَالَ طَيْشُهُ».

فِي الرِّضَا حَيَاةٌ طَيِّبَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُرِيحُ الْإِنْسَانَ مِنْ تَعَبِ الرَّكْضِ وَرَاءَ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَتُرِيحُ النَّفْسَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ وَالْجَزَعِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ.

وَقَدْ قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢-٢٣].

أَخَا الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ: إِيَّاكَ وَالتَّبَاهِيَ وَالتَّفَاخُرَ.

فَإِنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ خَلَقَ النَّاسَ مُخْتَلِفِينَ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (الزُّخْرُف: ٣٢).

لَكِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يَعْنِي أَفْضَلِيَّةَ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ، فَلَيْسَ الْغَنِيُّ بِأَفْضَلَ مِنَ الْفَقِيرِ، وَلَا ذُو الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ بِأَفْضَلَ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (النَّجْم: ٣٢). أَيْ: لَا تُبَرِّئُوهَا مِنَ الْآثَامِ، وَلَا تَمْدَحُوهَا بِحُسْنِ أَعْمَالِهَا.

وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَوْ دَقَّقْتَ النَّظَرَ لَوَجَدْتَ غَالِبَ مَا يَفْخَرُ بِهِ النَّاسُ لَيْسَ مِنْ كَسْبِهِمْ، كَالنَّسَبِ وَالْغِنَى وَالصِّحَّةِ وَالْوَظِيفَةِ… إِلَخ.

التَّفَاخُرُ بِالْأَنْسَابِ:

إِنَّ أَسَاسَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ التَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الْحُجُرَات: ١٣).

إِلَّا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَجْعَلُ مِنْ نَسَبِهِ أَوْ وَضْعِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ أَوِ الْمَادِّيِّ مَصْدَرًا لِلْفَخْرِ وَالْمُبَاهَاةِ، وَقَدْ نَهَى دِينُنَا الْحَنِيفُ عَنِ التَّفَاخُرِ وَالتَّعَالِي عَلَى النَّاسِ بِسَبَبِ النَّسَبِ، وَجَعَلَهُ مِنْ بَقَايَا الْجَاهِلِيَّةِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَأَعْلَنَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرِيحَةً أَنَّ الْأَنْسَابَ لَا تُغْنِي عَنِ الْعَبْدِ شَيْئًا مَا لَمْ يَكُنْ ذَا عَمَلٍ يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ، فَقَالَ: «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلنَّسَبِ مَكَانَةً بَيْنَ النَّاسِ، لِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الْإِسْلَامُ بِإِلْغَائِهِ نِهَائِيًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ.

وَإِنَّمَا دَعَا إِلَى تَهْذِيبِهِ وَعَدَمِ التَّفَاخُرِ وَالتَّعَالِي عَلَى النَّاسِ بِسَبَبِهِ.

وَمَا جَعَلَ اللَّهُ النَّاسَ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ إِلَّا لِأَجْلِ أَنْ يَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِتَمَيُّزِ الْقَبِيلَةِ وَالْجِنْسِ كَالتَّمَيُّزِ بِالِاسْمِ، لَا لِأَجْلِ التَّفَاخُرِ.

أَمَّا حِينَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَخْرِ الْمَذْمُومِ وَالتَّعَالِي عَلَى النَّاسِ، فَقَدْ حَذَّرَ مِنْهُ الشَّرْعُ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِرِجَالٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ النَّتْنَ بِأَنْفِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

التَّفَاخُرُ بِالْمَالِ:

كَمَا نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ التَّفَاخُرِ وَالْمُبَاهَاةِ بِالْمَالِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مِلْكِيَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٨٤).

وَالْإِنْسَانُ مُسْتَخْلَفٌ فِيمَا خَوَّلَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنَحَهُ مِنْ رِزْقِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الْحَدِيد: ٧).

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (الْأَنْعَام: ١٦٥).

يَقُولُ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «لِيَخْتَبِرَكُمْ فِي الَّذِي أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، أَيْ امْتَحَنَكُمْ لِيَخْتَبِرَ الْغَنِيَّ فِي غِنَاهُ وَيَسْأَلَهُ عَنْ شُكْرِهِ، وَالْفَقِيرَ فِي فَقْرِهِ وَيَسْأَلَهُ عَنْ صَبْرِهِ».

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

لِذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَلَّا يَفْخَرَ وَلَا يُبَاهِيَ الْآخَرِينَ بِمَالِهِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ مَنْ وَهَبَ وَمَنَحَ، وَأَنَّ مِنْ وَاجِبِهِ الشُّكْرَ وَصَرْفَهُ فِي وُجُوهِهِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنْ هَذَا الْمَالِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

التَّفَاخُرُ بِالْعِلْمِ:

الْأَصْلُ أَنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَشْيَةً لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فَاطِر: ٢٨).

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ: إِنَّمَا يَخْشَاهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ الْعُلَمَاءُ الْعَارِفُونَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ لِلْعَظِيمِ الْقَدِيرِ الْعَلِيمِ الْمَوْصُوفِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْمَنْعُوتِ بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى أَتَمَّ، وَالْعِلْمُ بِهِ أَكْمَلَ، كَانَتِ الْخَشْيَةُ لَهُ أَعْظَمَ وَأَكْثَرَ.

لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ إِذَا تَعَلَّمَ تَكَبَّرَ بِعِلْمِهِ، وَارْتَفَعَ عَلَى النَّاسِ.

وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ مِنَ الْمُرَاءَاةِ وَالتَّكَبُّرِ بِالْعِلْمِ وَابْتِغَاءِ غَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْعِلْمِ، فَقَالَ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

فَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ طَلَبُ الْعِلْمِ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ لِيَعْمَلَ بِهِ الْعَبْدُ وَيَتَقَرَّبَ إِلَى مَوْلَاهُ.

وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ زَادَهُ عِلْمُهُ تَوَاضُعًا، كَمَا كَانَ حَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ يَرْقَعُ ثَوْبَهُ بِنَفْسِهِ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيُصَافِحُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، وَيَقُولُ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.

وَهُنَاكَ أَسْبَابٌ أُخْرَى تَدْعُو بَعْضَ النَّاسِ إِلَى الْمُبَاهَاةِ وَالتَّفَاخُرِ كَالْمَنْصِبِ وَالْجَمَالِ، وَلَوْ تَفَكَّرَ الْعَبْدُ وَتَدَبَّرَ لَوَجَدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ؛ فَلَا مَعْنَى لِعُجْبِ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، وَلَا جَمِيلٍ بِجَمَالِهِ، وَلَا ذِي مَالٍ بِمَالِهِ.

تَوَاضَعُوا:

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا…».

وَفِي هَذَا عِلَاجٌ لِكَثِيرٍ مِنْ آفَاتِ النُّفُوسِ وَإِعْجَابِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ.

وَإِذَا جَعَلَ الْإِنْسَانُ التَّوَاضُعَ شِعَارًا لَهُ كَانَ مِنْ ذَوِي الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ وَالشِّيَمِ الْكَرِيمَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ.

لِذَلِكَ نَجِدُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعِدُ الْمُتَوَاضِعِينَ الَّذِينَ لَا يَقُومُ فِي نُفُوسِهِمْ خَاطِرُ الِاسْتِعْلَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الْقَصَص: ٨٣).

وَقَدِ اشْتُهِرَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ أَنَّهُ قَالَ:

النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ

أَبُوهُمْ آدَمُ وَالْأُمُّ حَوَّاءُ

نَفْسٌ كَنَفْسٍ وَأَرْوَاحٌ مُشَاكِلَةٌ

وَأَعْضَاءٌ مُخَلَّقَةٌ فِيهِمْ وَأَعْضَاءُ

فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ أَصْلِهِمْ نَسَبٌ

يُفَاخِرُونَ بِهِ فَالطِّينُ وَالْمَاءُ.

أ.د. عبد الغني الغريب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى