خطبة الجمعة القادمة 5 يونيو 2026م: “كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي ” pdf و word للدكتور أحمد رمضان

عناصر خطبة الجمعة القادمة 5 يونيو 2026م بعنوان : كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ جَنَّةُ الدُّنْيَا وَكَنْزُ الْمُؤْمِنِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: القَنَاعَةُ تَقْطَعُ دَابِرَ الحَسَدِ وَتُغْلِقُ بَابَ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: التَّبَاهِي بِالنِّعَمِ مَرَضُ الْقُلُوبِ وَطَرِيقُ الْهَلَاكِ
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 5 يونيو 2026م : كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:
كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي
19 ذو الحجة 1447هـ – 5 يونيو 2026م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، نحمدُهُ سبحانهُ على ما أنعمَ وأعطى، ونشكرُهُ على ما أولى وأسدى، لهُ الحمدُ في السراءِ والضراءِ، وفي العطاءِ والمنعِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، قسمَ الأرزاقَ بحكمتِهِ، وقدَّرَ المقاديرَ بعدلِهِ، فلا رادَّ لقضائِهِ، ولا معقِّبَ لحكمِهِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، علَّمَ أمتَهُ أنَّ الغنى غنى النفسِ، وأنَّ السعادةَ الحقيقيةَ في الرضا عن اللهِ تعالى، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
عناصر الخطبة:
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ جَنَّةُ الدُّنْيَا وَكَنْزُ الْمُؤْمِنِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: القَنَاعَةُ تَقْطَعُ دَابِرَ الحَسَدِ وَتُغْلِقُ بَابَ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: التَّبَاهِي بِالنِّعَمِ مَرَضُ الْقُلُوبِ وَطَرِيقُ الْهَلَاكِ
أمَّا بعدُ؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ كثيرًا من الناسِ يبحثونَ عن السعادةِ في المالِ والجاهِ والمنصبِ، ويظنونَ أنَّها تُنالُ بكثرةِ المتاعِ، ولكنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تبدأُ من قلبٍ راضٍ عن ربِّهِ، مطمئنٍّ إلى قسمِهِ، مستسلمٍ لحكمتِهِ. وإنَّ من أخطرِ أمراضِ هذا الزمانِ أنْ يعيشَ الإنسانُ ساخطًا على ما عندَهُ، ناظرًا إلى ما في أيدي الناسِ، حتى إذا أُعطيَ لم يشكرْ، وإذا مُنعَ لم يصبرْ، وإذا رأى نعمةً عندَ غيرِهِ ضاقَ صدرُهُ، فخسرَ نعمةَ الرضا، ووقعَ في دوامةِ الحسدِ والتباهي. ولذلكَ سيكونُ حديثُنا اليومَ عن ثلاثةِ أمورٍ متلازمةٍ: الرضا، والقناعة، وخطرِ التباهي بالنعمِ.
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ جَنَّةُ الدُّنْيَا وَكَنْزُ الْمُؤْمِنِ
عبادَ اللهِ، إنَّ الناسَ جميعًا يبحثونَ عن السعادةِ، ويتمنَّونَ الراحةَ، ويطلبونَ الطمأنينةَ، ولكنَّ أكثرَهم يطلبُها في غيرِ موضعِها؛ فمنهم مَن يطلبُها في المالِ، ومنهم مَن يطلبُها في الجاهِ، ومنهم مَن يطلبُها في المنصبِ أو الشهرةِ، ولو سألنا هؤلاءِ جميعًا بعدَ سنينَ من السعيِ والجريِ: هل وجدتم السعادةَ التي كنتم تطلبونَها؟ لقالَ كثيرٌ منهم: لا. وما ذاكَ إلا لأنَّ السعادةَ الحقيقيةَ ليستْ في كثرةِ ما تملكُ، وإنما في رضاكَ عمَّا تملكُ، وليستْ في اتساعِ يدِكَ، وإنما في سكينةِ قلبِكَ، ولذلكَ كانَ الرضا مِن أجلِّ مقاماتِ الإيمانِ، وأعظمِ منازلِ اليقينِ، حتى قالَ الإمامُ ابنُ القيمِ رحمهُ اللهُ: “الرِّضَا بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَجَنَّةُ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحُ الْعَارِفِينَ، وَحَيَاةُ الْمُحِبِّينَ، وَنَعِيمُ الْعَابِدِينَ، وَقُرَّةُ عُيُونِ الْمُشْتَاقِينَ” (مدارج السالكين، 2/175).
عبادَ اللهِ، وما الرضا؟ الرضا هو سكونُ القلبِ إلى أحكامِ اللهِ، وطمأنينةُ النفسِ إلى تدبيرِ اللهِ، وألَّا يجدَ العبدُ في نفسِهِ حرجًا من قضاءِ اللهِ بعدَ بذلِ الأسبابِ المشروعةِ. “قَالَ المحاسبي: الرضا سكون القلب تَحْتَ مجاري الأَحْكَام، وَقَالَ النوري: الرضا سرور القلب بمر الْقَضَاء” (الرسالة القشيرية، ج2، ص344). وقالَ ابنُ عطاءِ اللهِ السكندريُّ رحمهُ اللهُ: “أرحْ نفسَكَ من التدبيرِ، فما قامَ بهِ غيرُكَ عنكَ لا تقمْ بهِ لنفسِكَ” (فيض القدير ج4، ص428).
وقد فرَّقَ العلماءُ بينَ الصبرِ والرضا، فقالوا: الصبرُ حبسُ النفسِ عن الجزعِ، أمَّا الرضا فهو انشراحُ الصدرِ بالقضاءِ. فقد يصبرُ الإنسانُ وقلبُهُ يتألَّمُ، أمَّا الراضي فإنَّهُ يرى وراءَ البلاءِ حكمةً، ووراءَ المنعِ عطاءً، ووراءَ الابتلاءِ رحمةً، فيسكنُ قلبُهُ ويطمئنُّ فؤادُهُ، ولذلكَ كانتْ منزلةُ الرضا أعلى من منزلةِ الصبرِ عندَ كثيرٍ من أهلِ العلمِ.
عبادَ اللهِ، وقد أرشدَ القرآنُ إلى هذا المقامِ العظيمِ فقالَ تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]. قالَ علقمةُ بنُ قيسٍ رحمهُ اللهُ: “هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ. وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ” (السنن الكبرى للبيهقي ج4، ص110، تفسير الطبري، 23/421، وتفسير ابن كثير، 8/137). وقالَ النبي ﷺ: “لا يؤمنُ عبدٌ حتى يؤمنَ بالقدَرِ خيرِه وشرِّه، حتى يعلمَ أنَّ ما أصابه لم يَكن لِيخطِئَه، وأنَّ ما اخطأه لم يكن لِيُصيبَه” (الترمذي (2144)، حديث صحيح).
ولذلكَ ربَّى النبيُّ ﷺ الأمةَ على هذا المعنى العظيمِ، فقالَ: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (مسلم (2999))
وفي الحديثِ الآخرِ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا» (مسلم 34).
فالمؤمنُ الصادقُ لا يعيشُ أسيرَ الأحداثِ، ولا عبدًا للظروفِ، بل يعيشُ مع اللهِ في كلِّ أحوالِهِ؛ إنْ أُعطيَ شكرَ، وإنْ مُنعَ صبرَ، وإنْ ابتُليَ احتسبَ، وإنْ عوفيَ حمدَ، فهو رابحٌ في جميعِ أحوالِهِ، لأنَّهُ يعلمُ أنَّ اختيارَ اللهِ لهُ خيرٌ من اختيارِهِ لنفسِهِ.
عبادَ اللهِ، ومن أعظمِ أسبابِ الرضا أنْ يعرفَ الإنسانُ حقيقةَ الدنيا؛ فإنَّ الدنيا دارُ ابتلاءٍ لا دارُ جزاءٍ، ودارُ امتحانٍ لا دارُ استقرارٍ، ولو صفتْ لأحدٍ من الخلقِ لصفَتْ للأنبياءِ والمرسلينَ. وقد قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ: “لا تكرهوا النِّقماتِ الواقعةَ والبلايا الحادثةَ، فلربَّ أمرٍ تكرهونَهُ فيهِ نجاتُكم، ولربَّ أمرٍ تؤثرونَهُ فيهِ عطبُكم”. (الكشف والبيان للثعالبي ج3، ص138. أبو نعيم في حلية الأولياء، 2/148). وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهُ: “ما بقيَ لي سرورٌ إلا في مواقعِ القدرِ” (إحياء علوم الدين ج4، ص346، وحلية الأولياء، 5/287).
عبادَ اللهِ، وهذه الكلماتُ ليستْ شعاراتٍ تُقالُ، وإنما هي مدرسةُ الإيمانِ الحقيقيةُ؛ مدرسةٌ تُعلِّمُ العبدَ أنْ ينظرَ إلى ما بقي لا إلى ما فُقدَ، وإلى ما أُعطيَ لا إلى ما مُنعَ، وإلى فضلِ اللهِ الواسعِ لا إلى ألمِ المصيبةِ العارضةِ، ولذلكَ ارتفعَ أهلُ الرضا فوقَ تقلُّباتِ الأيامِ، فما أطغتْهم النعمُ، ولا كسرتْهم المحنُ.
وانظروا إلى صورةٍ مشرقةٍ من صورِ الرضا في حياةِ السلفِ؛ فقد اجتمعَ على عروةَ بنِ الزبيرِ رحمهُ اللهُ في سفرٍ واحدٍ موتُ ابنِهِ، وقطعُ ساقِهِ بسببِ الآكلةِ، وهما مصيبتانِ عظيمتانِ، ومع ذلكَ لم يُسمَعْ منهُ جزعٌ ولا اعتراضٌ، بل قالَ: “اللهمَّ كانَ لي بنونَ سبعةٌ فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ ستةً، وكانَ لي أطرافٌ أربعةٌ فأخذتَ طرفًا وأبقيتَ ثلاثةً، فلئنْ أخذتَ لقد أبقيتَ، ولئنْ ابتليتَ لقد عافيتَ” (سير أعلام النبلاء ج4، ص430. وانظر: تاريخ الإسلام للذهبي ج6، ص242).
وكانَ محمدُ بنُ واسعٍ رحمهُ اللهُ إذا أصبحَ قالَ: “أصبحتُ في نعمٍ لا أستطيعُ شكرَ أقلِّها” (حلية الأولياء، 2/347). وهكذا كانَ الصالحونَ؛ لا يعدُّونَ ما فاتهم، بل يعدُّونَ ما أنعمَ اللهُ بهِ عليهم.
وقد أحسنَ الشاعرُ حينَ قالَ:
رَضِينَا بِقِسْمِ اللهِ فِينَا لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الَّذِي قَسَّمَ الأَرْزَاقَ يَعْلَمُ
وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِالأَقْدَارِ عَاشَ مُعَذَّبًا وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قَضَى اللهُ مَهْرَبُ
عبادَ اللهِ، إنَّ الرضا لا يعني تركَ العملِ، ولا تركَ السعيِ، ولا تركَ الأخذِ بالأسبابِ، ولكنَّهُ يعني أنْ تبذلَ السببَ المشروعَ، ثم ترضى بما اختارَهُ اللهُ لكَ بعدَ ذلكَ، فإنْ امتلأ القلبُ بالرضا، وامتلأتِ النفسُ بالقناعةِ، أُغلقتْ أبوابٌ كثيرةٌ من الشرورِ، وفي مقدمتِها التطلُّعُ إلى ما في أيدي الناسِ، وذلكَ ما ننتقلُ إليهِ في العنصرِ القادمِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
العُنْصُرُ الثَّانِي: القَنَاعَةُ تَقْطَعُ دَابِرَ الحَسَدِ وَتُغْلِقُ بَابَ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ
عبادَ اللهِ، إذا كانَ الرضا ثمرةَ الإيمانِ باللهِ، فإنَّ القناعةَ ثمرةُ الرضا، وإذا استقرَّ الرضا في القلبِ أنبتَ شجرةً مباركةً اسمُها القناعةُ، يأكلُ صاحبُها من ثمارِها راحةً وطمأنينةً وعزًّا وسعادةً، ولهذا كانَ السلفُ يعدُّونَ القناعةَ كنزًا لا يفنى، ومالًا لا ينفدُ، وغنىً لا يزولُ. وقد قالَ الإمامُ الماورديُّ رحمهُ اللهُ: “القناعةُ رأسُ الغنى، وملاكُ السلامةِ، ومن لم يقنعْ لم يغنهِ مالٌ” (أدب الدنيا والدين، ص 234). وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا نَفَادَ لَهُ”. العقد الفريد لابن عبد ربه ج3، ص169.
وما القناعةُ عبادَ اللهِ؟ القناعةُ ليستْ تركَ العملِ، ولا تركَ السعيِ في طلبِ الرزقِ، وليستْ رضًا بالكسلِ والتواكلِ كما يظنُّ بعضُ الناسِ، وإنما هي رضًا بالكفايةِ بعدَ بذلِ الأسبابِ، وألَّا يتعلَّقَ القلبُ بما في أيدي الناسِ، ولا يبقى أسيرًا للمقارناتِ التي تُفسدُ الدينَ والدنيا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الرِّزْقُ رِزْقَانِ: فَرِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ”. تاريخ جرجان للجرجاني ص366. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِذَا طَلَبْتَ الْغِنَى فَاطْلُبْهُ بِالْقَنَاعَةِ، فَإِنَّهَا مَالٌ لَا يَنْفَدُ؛ وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ” تاريخ دمشق ج20، ص363.
ولذلكَ قالَ النبيُّ ﷺ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (مسلم 1054).
تأملوا هذا الحديثَ العظيمَ؛ فلم يجعلِ النبيُّ ﷺ الفلاحَ في كثرةِ المالِ، ولا في اتساعِ التجارةِ، ولا في علوِّ المناصبِ، وإنما جعلَهُ في ثلاثةِ أمورٍ: إسلامٍ صحيحٍ، ورزقٍ كافٍ، وقلبٍ قانعٍ. قالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ: “فيه فضيلةُ القناعةِ، والحثُّ على الرضا بالكفافِ” (شرح صحيح مسلم، 7/128).
ولذلكَ كانَ النبيُّ ﷺ يدعو ربَّهُ فيقولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» متفقٌ عليه؛ رواه البخاري (6460)، ومسلم (1055). قالَ ابنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ: “القوتُ ما يسدُّ الرمقَ ويكفي الحاجةَ، وفيه إشارةٌ إلى فضلِ الكفافِ والسلامةِ من فتنةِ الغنى” (فتح الباري، 11/314).
عبادَ اللهِ، ومن الكنوزِ النبويةِ العظيمةِ في هذا البابِ قولُهُ ﷺ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» متفقٌ عليه؛ رواه البخاري (6446)، ومسلم (1051). قالَ ابنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ: “حَقِيقَةُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَهُوَ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَا أُوتِيَ وَقَنِعَ بِهِ وَرَضِيَ وَلَمْ يَحْرِصْ عَلَى الِازْدِيَادِ، وَلَا أَلَحَّ فِي الطَّلَبِ، فَكَأَنَّهُ غَنِيٌّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِنَى النَّافِعَ أَوِ الْعَظِيمَ أَوِ الْمَمْدُوحَ هُوَ غِنَى النَّفْسِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَتْ نَفْسُهُ كَفَّتْ عَنِ الْمَطَامِعِ فَعَزَّتْ وَعَظُمَتْ، وَحَصَلَ لَهَا مِنَ الْحُظْوَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالشَّرَفِ وَالْمَدْحِ أَكْثَرُ مِنَ الْغِنَى الَّذِي يَنَالُهُ مَنْ يَكُونُ فَقِيرَ النَّفْسِ” (فتح الباري، 11/272). ولهذا نرى في الناسِ مَن يملكُ الملايينَ ولا يذوقُ طعمَ الراحةِ، ونرى آخرَ لا يملكُ إلا القليلَ وقد ملأ اللهُ قلبَهُ سكينةً وطمأنينةً، لأنَّ القضيةَ ليستْ فيما تملكُهُ اليدُ، وإنما فيما يملؤُ القلبَ. وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، مَنْ لَمْ يَيْأَسْ عَلَى مَا فَاتَهُ وَدَعَ بَدَنَهُ، وَمَنْ قَنِعَ بِمَا هُوَ فِيهِ قَرَّتْ عَيْنُهُ”. روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان ص149.
عبادَ اللهِ، ولقد عالجَ القرآنُ هذا المرضَ علاجًا بديعًا فقالَ سبحانهُ: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131]. قالَ محمد سيد طنطاوي رحمهُ اللهُ: «وَالْمُتَأَمِّلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يَرَاهَا قَدْ رَسَمَتْ لِلْمُؤْمِنِ أَفْضَلَ الطُّرُقِ وَأَحْكَمَهَا، لِكَيْ يَحْيَا حَيَاةً فَاضِلَةً طَيِّبَةً، حَيَاةً يَعْتَزُّ فِيهَا صَاحِبُهَا بِالْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ الْبَاقِيَةِ، وَيُعْرِضُ عَنِ الْمَظَاهِرِ وَالزَّخَارِفِ الزَّائِلَةِ” (تفسير الوسيط، 9/169).
فيا مَن يضيقُ صدرُهُ كلما رأى نعمةً عندَ غيرِهِ، ويا مَن يقارنُ بيتَهُ ببيتِ غيرِهِ، ورزقَهُ برزقِ سواهُ، تذكَّرْ أنَّ اللهَ سمَّى ذلكَ كلَّهُ: {زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، والزهرةُ لا تلبثُ أنْ تذبلَ، والدنيا لا تلبثُ أنْ تزولَ، وإنما الباقي ما عندَ اللهِ ربِّ العالمينَ.
ولذلكَ وضعَ النبيُّ ﷺ علاجًا عمليًّا لهذا الداءِ فقالَ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» مسلم (2963)،ابن ماجه (4142)، وأحمد (7442)، والبزار (9132) . وهذا الحديثُ مِن أعظمِ القواعدِ النفسيةِ والتربويةِ في الإسلامِ؛ فإنَّ الإنسانَ إذا نظرَ دائمًا إلى مَن فوقَهُ عاشَ فقيرًا ولو ملكَ الدنيا، وإذا نظرَ إلى مَن دونَهُ عرفَ قدرَ نعمةِ اللهِ عليهِ.
ولهذا قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: يَكْفِيكَ مِنَ الدُّنْيَا مَا قَنِعْتَ بِهِ وَلَوْ كَفَّ تَمْرٍ، وَشَرْبَةَ مَاءٍ، وَظِلَّ خِبَاءٍ، وَكُلَّمَا انْفَتَحَ عَلَيْكَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ ازْدَادَتْ نَفْسُكَ بِهِ تَعَبًا”. القناعة والتعفف لابن ابن الدنيا ص62. وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ الْقَنَاعَةُ وَكَفُّ اللِّسَانِ) أدب المجالسة وحمد اللسان لابن عبد البر ص87، وَقَالَ (نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: مُرُوءَةُ الْقَنَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ مُرُوءَةِ الْإِعْطَاءِ).
عبادَ اللهِ، وما أكثرَ ما ابتُليَ الناسُ في هذا الزمانِ بهذا المرضِ! لقد كانَ الرجلُ قديمًا لا يعرفُ إلا أحوالَ جيرانِهِ وأهلِ بلدِهِ، أمَّا اليومَ فقد صارَ يرى في دقائقَ معدودةٍ ما عندَ أهلِ الأرضِ كلِّهم، فيرى القصورَ والسياراتِ والأسفارَ والمتاعَ، فيبدأُ سباقُ المقارناتِ الذي لا ينتهي، فيحزنُ لا لأنَّهُ محرومٌ، ولكن لأنَّهُ يقارنُ نعمتَهُ بنعمةِ غيرِهِ، ولو كشفَ اللهُ لهُ ما وراءَ تلكَ الصورِ من همومٍ وديونٍ وأحزانٍ ومصائبَ لحمدَ اللهَ على حالِهِ أضعافًا مضاعفةً.
وقد أحسنَ بعضُ الشعراءِ حينَ قالَ:
وَإِذَا طَمِعْتَ كَسَوْتَكَ مَذَلَّةً إِنَّ الطَّمَاعَةَ لِلرِّقَابِ سَلَاسِلُ
وقالَ آخرُ:
رَأَيْتُ القَنَاعَةَ رَأْسَ الغِنَى فَصِرْتُ بِأَذْيَالِهَا مُتَمَسِّكَا
فَلَا ذَا يَرَانِي عَلَى بَابِهِ وَلَا ذَا يَرَانِي بِهِ مُهْلَكَا
عبادَ اللهِ، إنَّ القناعةَ لا تحرسُ المالَ فقط، بل تحرسُ القلبَ أيضًا؛ فهي تغلقُ أبوابَ الحسدِ، وتمنعُ نارَ المقارناتِ، وتورثُ صاحبَها عزَّ النفسِ وراحةَ البالِ. أمَّا إذا فُقدتِ القناعةُ فإنَّ النظرَ إلى ما في أيدي الناسِ لا يقفُ عندَ حدِّ الحسدِ فقط، بل يجرُّ صاحبَهُ إلى مرضٍ أخطرَ وأشدَّ، وهو مرضُ التباهي والتفاخرِ، إذ يحاولُ الإنسانُ أنْ يُثبتَ للناسِ أنَّهُ أفضلُ منهم بما يملكُ من مالٍ أو جاهٍ أو نسبٍ، فتبدأُ رحلةُ الكبرِ والعُجبِ التي أهلكتْ أممًا قبلَهُ، وذلكَ ما سنتحدثُ عنهُ في الخطبةِ الثانيةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، الحمدُ للهِ الذي أعطى فأغنى، ومنعَ فحكمَ وعدلَ، ورفعَ أقوامًا بالتواضعِ والإيمانِ، ووضعَ آخرينَ بالكبرِ والطغيانِ، أحمدُهُ سبحانهُ وأشكرُهُ على نعمٍ لا تُحصى، وآلاءٍ لا تُستقصى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ العزةَ في طاعتِهِ، والرفعةَ في التواضعِ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنَا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، سيدُ المتواضعينَ، وإمامُ الشاكرينَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ الرضا إذا استقرَّ في القلبِ أورثَ القناعةَ، والقناعةُ إذا رسختْ في النفسِ أغلقتْ أبوابَ الحسدِ والمقارناتِ، أمَّا إذا غابَ الرضا، وضعفتِ القناعةُ، انفتحَ بابُ التطلعِ إلى ما في أيدي الناسِ، ثم لا يلبثُ أنْ يتحولَ إلى بابٍ أخطرَ وأشدَّ، وهو بابُ التباهي والتفاخرِ، ذلكَ المرضُ الذي أهلكَ أممًا، وأفسدَ قلوبًا، وحجبَ أصحابَهُ عن شكرِ المنعمِ سبحانهُ وتعالى.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: التَّبَاهِي بِالنِّعَمِ مَرَضُ الْقُلُوبِ وَطَرِيقُ الْهَلَاكِ
عبادَ اللهِ، إنَّ مِن المهمِّ قبلَ الحديثِ عن التباهي أنْ نُفرِّقَ بينَ إظهارِ النعمةِ وشكرِها، وبينَ التفاخرِ بها والتعالي على الخلقِ بسببِها؛ فإنَّ اللهَ تعالى قالَ: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، وقالَ النبيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» رواه الترمذي في السنن، كتاب الأدب، رقم (2819)، حديث حسن.
فإظهارُ النعمةِ شكرٌ إذا نُسبتْ إلى اللهِ، وخلا القلبُ من العُجبِ والكبرِ، أمَّا التباهي فهو أنْ يجعلَ العبدُ النعمةَ وسيلةً لتعظيمِ نفسِهِ، واحتقارِ غيرِهِ، والتعالي على عبادِ اللهِ.
ولهذا ذمَّ اللهُ أهلَ الفخرِ والخيلاءِ فقالَ سبحانهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 23]، وقالَ جلَّ شأنُهُ: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]. قالَ الإمامُ القرطبيُّ رحمهُ اللهُ: “وَالْمَرَحُ: شِدَّةُ الْفَرَحِ، وَقِيلَ: التَّكَبُّرُ فِي الْمَشْيِ، وَقِيلَ: تَجَاوُزُ الْإِنْسَانِ قَدْرَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْخُيَلَاءُ فِي الْمَشْيِ” (الجامع لأحكام القرآن، 10/260).
عبادَ اللهِ، وما أكثرَ ما يغفلُ الإنسانُ عن حقيقتِهِ حينَ يتباهى! يفتخرُ بمالٍ لم يخلقْهُ، أو بجمالٍ لم يصنعْهُ، أو بنسبٍ لم يخترْهُ، أو بصحةٍ لا يملكُ بقاءَها ساعةً واحدةً.
مَرَّ المُهَلَّبُ عَلَى مَالِكِ بنِ دِيْنَارٍ مُتبخْتِراً، فَقَالَ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّهَا مِشْيَةٌ يَكرَهُهَا اللهُ إِلاَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ؟! فَقَالَ المُهَلَّبُ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: بَلَى، أَوَّلُكَ نُطفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيْفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ فِيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ تَحْمِلُ العَذِرَةَ. فَانْكَسَرَ، وَقَالَ: الآنَ عَرَفْتَنِي حَقَّ المَعْرِفَةِ”. سير إعلام النبلاء ج5، ص362، 363.
وقالَ مطرفُ بنُ عبدِ اللهِ رحمهُ اللهُ: “لأنْ أبيتَ نائمًا وأصبحَ نادمًا أحبُّ إليَّ من أنْ أبيتَ قائمًا وأصبحَ معجبًا” (حلية الأولياء، 2/204). لأنَّ الذنبَ قد يورثُ انكسارًا وتوبةً، أمَّا العُجبُ فيورثُ صاحبَهُ رؤيةَ نفسِهِ، ومن رأى نفسَهُ حُجِبَ عن ربِّهِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْفَقْرُ أَرْبَعَةٌ: فَقْرُ الْحَسَنَاتِ فِي الْآخِرَةِ، وَفَقْرُ الْقَنَاعَةِ فِي الدُّنْيَا، وَفَقْرُ الْمُقْتَنِي، وَفَقْرُهَا جَمِيعًا، وَالْغِنَى بِحَسَبِهِ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا فَقْدُ الْقَنَاعَةِ وَالْمُقْتَنِي فَهُوَ الْفَقِيرُ الْمُطْلَقُ عَلَى سَبِيلِ الذَّمِّ، وَلَا يُقَالُ لَهُ غَنِيٌّ بِوَجْهٍ، … وَمَنْ فَقَدَ الْقَنَاعَةَ دُونَ الْقِنْيَةِ، فَهُوَ الْغَنِيُّ بِالْمَجَازِ فَقِيرٌ بِالْحَقِيقَةِ. وَلِهَذَا قَالَ: قَدْ يَكْثُرُ الْمَالُ وَالْإِنْسَانُ مُفْتَقِرٌ”. تفسير الراغب ج1، ص564.
وقد قالَ الإمامُ ابنُ القيمِ رحمهُ اللهُ: “مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَالْبُعْدِ عَنِ اللَّهِ، وَخُلِقَتِ النَّارُ لِإِذَابَةِ الْقُلُوبِ الْقَاسِيَةِ، وَأَبْعَدُ الْقُلُوبِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي، وَإِذَا قَسَا الْقَلْبُ قَحَطَتِ الْعَيْنُ” (الفوائد، ص 142).
عبادَ اللهِ، ولقد ضربَ القرآنُ أعظمَ الأمثلةِ للمتباهينَ في قصةِ قارونَ، ذلكَ الرجلُ الذي آتاهُ اللهُ من الكنوزِ ما إنَّ مفاتحَهُ لتنوءُ بالعصبةِ أولي القوةِ، فلما نصحَهُ الصالحونَ وقالوا لهُ: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ} [القصص: 77]، لم يشكرِ المنعمَ سبحانهُ، بل قالَ في غرورٍ واستعلاءٍ: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78].
قالَ قتادةُ رحمهُ اللهُ: “أي على خُبْرٍ عندي” (تفسير الطبري، 18/299). وقالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: ” أَيْ: أَنَا لَا أَفْتَقِرُ إِلَى مَا تَقُولُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَعْطَانِي هَذَا الْمَالَ لِعِلْمِهِ بِأَنِّي أَسْتَحِقُّهُ، وَلِمَحَبَّتِهِ لِي، فَتَقْدِيرُهُ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ لِعِلْمِ اللَّهِ بِأَنِّي أَهْلٌ لَهُ.” (تفسير ابن كثير، 6/247).
فنسبَ النعمةَ إلى نفسِهِ، ونسيَ ربَّهُ، فكانتِ العاقبةُ أنْ خسفَ اللهُ بهِ وبدارِهِ الأرضَ، ليبقى درسًا خالدًا لكلِّ متباهٍ إلى يومِ القيامةِ.
عبادَ اللهِ، وقد حذَّرَ النبيُّ ﷺ من الكبرِ أشدَّ التحذيرِ فقالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» رواه مسلم في صحيحه، رقم (91). فلما سألَ رجلٌ عن حُبِّ الثوبِ الحسنِ والنعلِ الحسنِ، قالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». مسلم 91. قالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ: ” بَطْرُ الْحَقِّ فَهُوَ دَفْعُهُ وَإِنْكَارُهُ” (شرح صحيح مسلم، 2/90).
وكانَ السلفُ أشدَّ الناسِ خوفًا من العُجبِ والتفاخرِ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ رحمهُ اللهُ: “رُبَّ عملٍ صغيرٍ تعظِّمُهُ النيةُ، وربَّ عملٍ كبيرٍ تصغِّرُهُ النيةُ” (الزهد والرقائق لابن المبارك، ص 13). وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ رحمهُ اللهُ: “تركُ العملِ لأجلِ الناسِ رياءٌ، والعملُ لأجلِ الناسِ شركٌ، والإخلاصُ أنْ يعافيكَ اللهُ منهما” (حلية الأولياء، 8/95).
ومن أبلغِ ما يُروى في كسرِ شوكةِ التباهي ما ذكره أبو نعيم في “الحلية” عن ابنِ السماكِ رحمهُ اللهُ حينَ وعظَ هارونَ الرشيدَ، فقالَ لهُ وهو يشربُ الماءَ: “لو مُنعتَ هذهِ الشربةَ بكم كنتَ تشتريها؟” قالَ: بنصفِ ملكي. قالَ: “ولو مُنعتَ خروجَها بكم كنتَ تفتديها؟” قالَ: بنصفِ ملكي الآخرِ. فقالَ: “لا خيرَ في ملكٍ لا يساوي شربةَ ماءٍ وخروجَها”. فبكى الرشيدُ (حلية الأولياء، 8/333).
فيا مَن يتباهى بمالِهِ، تذكَّرْ أنَّ شربةَ ماءٍ قد تُسقطُ قيمةَ الدنيا كلِّها. ويا مَن يتباهى بمنصبِهِ، تذكَّرْ أنَّ مرضًا يسيرًا قد يعجزُ معهُ عن القيامِ من فراشِهِ. ويا مَن يتباهى بجمالِهِ أو قوتِهِ، تذكَّرْ أنَّ الذي أعطى قادرٌ على أنْ يأخذَ في لحظةٍ واحدةٍ.
وقد أحسنَ بعضُ الشعراءِ فقالَ:
تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالنَّجْمِ لاَحَ لِنَاظِرٍ عَلَى صَفَحَاتِ الْمَاءِ وَهْوَ رَفِيعُ
وَلَا تَكُ كَالدُّخَانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ إِلَى طَبَقَاتِ الْجَوِّ وَهْوَ وَضِيعُ
عبادَ اللهِ، إنَّ المتباهيَ يطلبُ مكانًا في قلوبِ الناسِ، والمؤمنُ الصادقُ يطلبُ مكانًا عندَ ربِّ الناسِ، والمتباهيُ يفرحُ بمدحِ الخلقِ، أمَّا المؤمنُ فيفرحُ بقبولِ الحقِّ، والمتباهيُ يعيشُ أسيرَ نظراتِ الناسِ، أمَّا المؤمنُ فيعيشُ عبدًا للهِ وحدَهُ.
فاشكروا نعمَ اللهِ عليكم، وانسبوا الفضلَ إليهِ، وتواضعوا لعبادِهِ، واعلموا أنَّ ما عندَكم زائلٌ، وأنَّ الباقي هو العملُ الصالحُ والتقوى، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
اللهمَّ ارزقنا الرضا بقضائِكَ، والقناعةَ بعطائِكَ، والتواضعَ لعبادِكَ، وجنِّبنا الكبرَ والعُجبَ والفخرَ والخيلاءَ، واجعلْنا من عبادِكَ الشاكرينَ الصالحينَ، إنَّكَ وليُّ ذلكَ والقادرُ عليهِ.
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن ابن ماجه، سنن الترمذي، سنن النسائي، صحيح ابن ماجه، مسند أحمد، مسند البزار. مسند مالك، شعب الإيمان للبيهقي، صحيح ابن خزيمة، السنن الكبرى للبيهقي.
ثالثًا: كتب التفسير وشروح الحديث وغيرهما: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، تَفْسِيرُ الرازي، تفسير الشعراوي، تفسير الوسيط لطنطاوي، تفسير الراغب، شرح النووي على مسلم، فتح الباري لابن حجر، لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي، فتح الباري لابن رجب الحنبلي، الأذكار للنووي، لوابل الصيب لابن القيم، صفة الصفوة لابن الجوزي، إحياء علوم الدين للغزالي، الرسالة القشيرية للقشيري، ومدارج السالكين لابن القيم، حلية الأولياء لأبي نعيم، سير إعلام النبلاء للذهبي، تاريخ دمشق لابن عساكر، روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان، القناعة والتعفف لابن ابن الدنيا، الزهد والرقائق لابن المبارك، أدب المجالسة وحمد اللسان لابن عبد البر، أدب الدنيا والدين للماوردي، العقد الفريد لابن عبد ربه، تاريخ الإسلام للذهبي، الكشف والبيان للثعالبي، فيض القدير للمناوي.
د. أحمد رمضان



