خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة : “سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ” 4 سبتمبر 2026م – 22ربيع الأول 1448هـ للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 4 سبتمبر 2026م بعنوان : سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ : كما يلي:

الحمدُ للهِ الذي نزَّلَ الفرقانَ على عبدِهِ ليكونَ للعالمينَ نذيرًا.

الذي لهُ ملكُ السمواتِ والأرضِ وخلقَ كلَّ شيءٍ فقدَّرَهُ تقديرًا.

خلقَ الإنسانَ مِنْ نطفةٍ أمشاجٍ يبتليهِ فجعلَهُ سميعًا بصيرًا…

ثمَّ هداهُ السبيلَ إمَّا شاكرًا وإمَّا كفورًا…

فمَنْ شكرَ كانَ جزاؤُهُ جنَّةً وحريرًا ونعيمًا وملكًا كبيرًا.

نحمدُهُ تباركَ وتعالى حمدًا كثيرًا، ونعوذُ بنورِ وجهِهِ الكريمِ مِنْ يومٍ كانَ شرُّهُ مستطيرًا…

ونسألُهُ أنْ يُلقِّيَنا يومَ الحشرِ نضرةً وسرورًا.

وأنْ يُظلَّنا بظلِّ عرشِهِ حيثُ لا نرى شمسًا ولا زمهريرًا…

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ شهادةً تجعلُ الظلمةَ نورًا…

وتحوِّلُ مواتَ القلبِ بعثًا ونشورًا، وتُحيلُ ضيقَ الصدرِ انشراحًا وحبورًا.

وكيفَ لا وقدْ أتى علينا حينٌ مِنَ الدهرِ لمْ نكنْ شيئًا مذكورًا.

فخلقَنا وصوَّرَنا ورزقَنا وكانَ فضلُهُ علينا كبيرًا…

أرسلَ الرياحَ بشرًا بينَ يدَيْ رحمتِهِ، وأنزلَ مِنَ السماءِ ماءً طهورًا…

وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّدًا عبدُهُ المرسلُ مبشِّرًا ونذيرًا…

وداعيًا إلى اللهِ بإذنِهِ وسراجًا منيرًا…

قُرئَ عليهِ القرآنُ ففاضَتْ بالدمعِ عيناهُ، وكانَ ما تقدَّمَ وما تأخَّرَ مِنَ الذنبِ مغفورًا.

قامَ الليلَ حتى تورَّمَتْ قدماهُ، وقالَ: أفلا أكونُ عبدًا شكورًا.

أكلَ ورقَ الشجرِ حتى تشقَّقَتْ شفتاهُ، وكانَ للهِ محتسبًا صبورًا.

حملَ سيفَهُ، وغزا ماشيًا في الفلاةِ، والعشرةُ يتعاقبونَ بعيرًا…

جاهدَ الشركَ والمشركينَ، وما لانَتْ لهُ قناةٌ، وقالَ مقالةَ الحقِّ وما نطقَ زورًا.

نعيشُ في هذِهِ الأيامِ المباركةِ أجواءً عطرةً ونفحاتٍ طيِّبةً نتذكَّرُ فيها ونتذاكرُ ميلادَ الرسولِ الكريمِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

كانتْ حياةُ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تطبيقًا للقيمِ الساميةِ، والأخلاقِ الفاضلةِ، ونموذجًا عاليًا للحياةِ الإنسانيَّةِ في جميعِ أطوارِها.

فكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مثلًا أعلى وقدوةً حسنةً للخلقِ أجمعينَ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ سورةُ الأحزابِ: ٢١.

كانَ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قمَّةً في الأخلاقِ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلمُ: ٤.

كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حريصًا كلَّ الحرصِ على هدايةِ البشريَّةِ كلِّها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ التوبةُ: ١٢٨.

الرسولُ الأسوةُ

كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أسوةً حسنةً لنا في كلِّ شيءٍ، وإليكُمُ الأمثلةَ الآتيةَ:

عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ جارًا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فارسيًّا كانَ طيِّبَ المرقِ، فصنعَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعضًا مِنَ الطعامِ والمرقِ، ثمَّ جاءَ يدعوهُ، فقالَ: وهذِهِ؟ أيْ عائشةَ، فقالَ: لا، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لا، فعادَ يدعوهُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: وهذِهِ؟ قالَ: لا، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لا، ثمَّ عادَ يدعوهُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: وهذِهِ؟ قالَ: نعمْ، في الثالثةِ، فقاما يتدافعانِ حتى أتيا منزلَهُ. “مسلمٌ”

انظرْ لأدبِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ولينِهِ ورفقِهِ.

لقدْ نقلَتْ كتبُ السيرةِ أنَّهُ دُعِيَ كثيرًا إلى طعامٍ وكانَ يذهبُ معَ أصحابِهِ، ولكنَّ المسألةَ هنا مختلفةٌ، فالدعوةُ مِنْ جارٍ لهُ، وقدْ تمَّتْ على مسمعٍ ومرأًى مِنْ عائشةَ، فكرِهَ أنْ يذهبَ دونَها تطييبًا لخاطرِها، ومراعاةً لمشاعرِها، لقدْ حرمَ نفسَهُ مرَّتينِ مِنَ الطعامِ اللذيذِ مراعاةً لمشاعرِها، ولا شكَّ أنَّهُ بهذا الرفضِ قدِ امتلكَ قلبَها، وعرَفَتْ كمْ هيَ غاليةٌ عندَهُ، أثمنُ مِنَ الهدايا والبيتِ الفاخرِ.

إنَّ مَنْ لا يصنعُ قيمةً لزوجتِهِ لنْ يصنعَ لها العالمُ كلُّهُ قيمةً، ورَحِمَ اللهُ جدَّتي حينَ كانتْ تقولُ: من قالَ لزوجته يا عُورة لَعِبَ بها الناس الكورة، وال يُألَّهَا ياهانم يِأَبْلُوُها على السلالم.

وهذا رسولُنا الكريمُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يعلِّمُنا الإتيكيتَ قبلَ إتيكيتِ الغربِ بآلافِ السنينَ.

يقولُ أحدُ المتخصِّصينَ بفنونِ الإتيكيتِ: قرأْتُ عنْ فنونِ الإتيكيتِ كما وردَتْ مِنَ المدرسةِ السويسريَّةِ، وتعرَّفْتُ أيضًا على المدرسةِ الفرنسيَّةِ، ولكنِّي انبهرْتُ وتأثَّرْتُ بمدرسةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ورأيْتُ العجبَ.

للأسفِ الشديدِ يُبهرُنا مشهدُ ممثِّلٍ يُطعمُ زوجتَهُ في الأفلامِ ولا ننبهرُ بالحديثِ الشريفِ: إنَّكَ لنْ تنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ عليها، حتى ما تجعلُ في فمِ امرأتِكَ. البخاريُّ.

يعتقدُ الكثيرونَ أنَّ تبادلَ الورودِ بينَ زوجينِ متحابَّيْنِ عادةٌ غربيَّةٌ، ونسُوا حديثَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: مَنْ عُرِضَ عليهِ ريحانٌ فلا يردَّهُ، فإنَّهُ خفيفُ المحملِ، طيِّبُ الريحِ. “مسلمٌ”

وينبهرُ الكثيرونَ عندما يرَوْنَ الرجلَ الغربيَّ يفتحُ بابَ السيَّارةِ لزوجتِهِ، ولا يعلمونَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوةِ خيبرَ جلسَ على الأرضِ وهوَ مجهَدٌ، وجعلَ زوجتَهُ أمَّ المؤمنينَ السيِّدةَ صفِّيَّةَ رضيَ اللهُ عنها تقفُ على فخذِهِ الشريفِ لتركبَ ناقتَها.

فعنْ أبي طلحةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: خرجْنا إلى المدينةِ، فرأيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُحوِّي لها وراءَهُ بعباءةٍ، ثمَّ يجلسُ عندَ بعيرِهِ، فيضعُ ركبتَهُ، فتضعُ صفِّيَّةُ رِجلَها على ركبتِهِ حتى تركبَ. البخاريُّ.

لمْ يخجلِ الحبيبُ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ أنْ يرى جنودُهُ هذا المشهدَ، وهوَ يظهرُ الحبَّ والمودَّةَ لزوجتِهِ السيِّدةِ صفِّيَّةَ رضيَ اللهُ عنها.

هكذا كانَ سلوكُهُ في المعركةِ فكيفَ كانَ سلوكُهُ في المنزلِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؟

عندما حضرتْهُ الوفاةُ: كانَ في حجرِ أمِّ المؤمنينَ السيِّدةِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، وكانَ يمكنُ لهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يسألَ اللهَ أنْ يتوفَّاهُ ملَكُ الموتِ وهوَ ساجدٌ يصلِّي، لكنَّهُ اختارَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يكونَ آخرُ أنفاسِهِ بحضنِ زوجتِهِ.

وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في يومٍ معَ أمِّ المؤمنينَ السيِّدةِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها فشربَتْ، فأخذَ نفسَ الكأسِ الذي شربَتْ منهُ وأخذَ يشربُ مِنْ نفسِ المكانِ.

تُسألُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: هلْ تأكلُ المرأةُ معَ زوجِها وهيَ حائضٌ؟ قالَتْ: نعمْ، كانَ رسولُ اللهِ يدعوني فآكلُ معَهُ وأنا عارِكٌ، وكانَ يأخذُ العِرْقَ فيُقْسِمُ عليَّ فيهِ فأعترقُ منهُ، ثمَّ أضعُهُ فيأخذُهُ فيعترقُ منهُ ويضعُ فمَهُ حيثُ وضعتُ فمي مِنَ العِرْقِ، ويدعو بالشرابِ فيُقْسِمُ عليَّ فيهِ قبلَ أنْ يشربَ منهُ فآخذُهُ فأشربُ منهُ ثمَّ أضعُهُ فيأخذُهُ فيشربُ منهُ ويضعُ فمَهُ حيثُ وضعتُ فمي مِنَ القدَحِ. النسائيُّ.

أينَ أنتمْ يا أهلَ الرومانسيَّةِ منهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

بلِ انظروا إلى الفكاهةِ منهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ طبخَتِ السيِّدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها طعامًا يُسمَّى: الخزيرةَ.

تقولُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بخزيرةٍ قدْ طبخْتُها لهُ، فقلتُ لسَوْدةَ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيني وبينَها: كُلي، فأبَتْ، فقلتُ: لتأكلِنَّ أوْ لألطِّخنَّ وجهَكِ، فأبَتْ، فوضعْتُ يدي في الخزيرةِ، فطلَيْتُ وجهَها، فضحِكَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فوضعَ بيدِهِ، وقالَ لها: الْطَخي وجهَها، فضحِكَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.

ولذلكَ اختصرَ حسَّانُ بنُ ثابتٍ الحكايةَ كلَّها حينَ قالَ:

وأحسنُ منكَ لمْ ترَ قطُّ عيني

وأجملُ منكَ لمْ تلدِ النساءُ

خُلِقْتَ مبرَّأً مِنْ كلِّ عيبٍ

كأنَّكَ قدْ خُلِقْتَ كما تشاءُ.

ولكنَّ السؤالَ الآنَ: إذا أردْنا أنْ نحتفلَ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ احتفالًا صادقًا يتخطَّى حدودَ الاحتفالِ المظهريِّ الشكليِّ، فكيفَ نحتفلُ بميلادِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ احتفالًا يليقُ بتلكَ المناسبةِ الطيِّبةِ؟

إنَّ الذي نراهُ أنَّ مِنْ أوجبِ الواجباتِ أنْ نغتنمَ هذِهِ الذكرى الطيِّبةَ في تجديدِ العهدِ، وتصحيحِ النيَّةِ، وتأكيدِ العزمِ على الاقتداءِ بسيِّدِنا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، وبخاصَّةٍ في أخلاقِهِ وسلوكِهِ وقيمِهِ العليا، وأنْ نسيرَ وفْقَ هداهُ، وأنْ نتَّبعَ خُطاهُ، وأنْ تتحقَّقَ فينا أخلاقُهُ ومبادئُهُ، فيكونَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأسوةَ الكاملةَ والنموذجَ التامَّ لنا في حياتِنا.

إنَّنا في ظلِّ هذِهِ الأزماتِ الأخلاقيَّةِ التي نعانيها، لا بدَّ أنْ نعيدَ إحياءَ أخلاقِ الرسولِ الكريمِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حياتِنا، فهو صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الذي بُعِثَ ليتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ، وهوَ الذي كانَ معروفًا بينَ قومِهِ حتى قبلَ البعثةِ بالصادقِ الأمينِ، فهو الذي لمَّا نادى في قبائلِ مكَّةَ عندَ جبلِ الصَّفا، فاجتمعوا لهُ، فقالَ لهُمْ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا.

شهدَتْ لهُ السيِّدةُ خديجةُ رضيَ اللهُ عنها في بَدءِ الدعوةِ، حينَ قالَ لها: قدْ خَشِيتُ علَى نَفْسِي، فَقالَتْ لهُ: كَلَّا، أبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ. البخاريُّ.

شهدَتْ لهُ قريشٌ بالأمانةِ حينَما أرادوا وضعَ الحجرِ الأسودِ، واختلفوا في ذلكَ وتنازعَتِ القبائلُ على نيلِ هذا الشرفِ، وتحوَّلَتِ المنافسةُ لنيلِ شرفِ وضعِ الحجرِ، إلى تنافسٍ بالسيوفِ والقتالِ، وفي ظلِّ احتدامِ النقاشِ، اهتدَوْا لفكرةِ التحكيمِ، وهيَ: أنْ يحكمَ أوَّلُ مَنْ يدخلُ عليهِمْ مِنْ بابِ الصَّفا، وينزلَ الجميعُ على حكمِهِ، وهوَ تحكيمٌ أقربُ منهُ للقرعةِ.

وكانَ الذي دخلَ عليهِمْ هوَ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فارتضَوْا حكمَهُ، وبسطَ رداءً، وطلبَ مِنْ كلِّ قبيلةٍ أنْ تمسكَ بطرفٍ منهُ، ووضعَ الحجرَ الأسودَ في الرداءِ، ثمَّ قامَ بوضعِهِ في مكانِهِ، وقدْ نزلَ الجميعُ على حكمِهِ، وارتضَوْهُ.

صاحبُ الأسوةِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مشى إلى الطائفِ سبعينَ كيلومترًا على رجلَيْهِ حاملًا لهُمُ الجنَّةَ بينَ يدَيْهِ، فضربوهُ حتى أدمَوْا قدمَيْهِ، ولمْ يكسروا فيهِ همَّتَهُ.

لمْ يطلبْ جاهًا، ولا شربةَ ماءٍ بعدَ الرحلةِ الشاقَّةِ.

خرجَ مِنَ الطائفِ والدنيا تضيقُ بِهِ بكلِّ ما رحُبَتْ، فنزلَ على الفورِ جبريلُ ومعَهُ ملَكُ الجبالِ: فقالَ لهُ: إنَّ اللهَ قدْ سمعَ قولَ قومِكَ لكَ، وهذا مَلَكُ الجبالِ معي، فدنا مَلَكُ الجبالِ مِنْ رسولِ اللهِ وسلَّمَ عليهِ وقالَ: إنْ شئْتَ يا محمَّدُ أُطْبِقْ عليهِمُ الأخشبَيْنِ – أيِ الجبلَيْنِ المحيطَيْنِ بمكَّةَ.

تصوَّرْ لأوَّلِ مرَّةٍ يُخيَّرُ نبيٌّ بهلاكِ قومِهِ، ففي كلِّ قصصِ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ كانَ يأتي الأمرُ للنبيِّ بالخروجِ حتى يُهلكَ اللهُ قومَهُ الذينَ عصَوْا وكذَّبوا، أوْ لمْ يستجيبوا لداعي التوحيدِ، إلَّا معَ رسولِ اللهِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، فقالَ ذلكَ فِيما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا. صحيحُ البخاريِّ.

ومرَّتِ الأيامُ، ودارَتِ الرَّحى، ليخرجَ مِنْ أصلابِهِمْ مَنْ يعبدُ اللهَ تعالى ويوحِّدُهُ، بلْ ويكونَ سببًا مِنْ أسبابِ نشرِ الإسلامِ في بقاعِ الأرضِ كلِّها.. ومَنْ وقفَ ضدَّ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في يومٍ مِنَ الأيامِ، نراهُ يحملُ رايةَ الإسلامِ، بلْ يكونُ عاملَ نصرٍ للإسلامِ والمسلمينَ.

خالدُ بنُ الوليدِ: مِنْ صلبِ الوليدِ بنِ المغيرةِ.

وأبو حذيفةَ: مِنْ صلبِ عتبةَ بنِ ربيعةَ.

وعكرمةُ: مِنْ صلبِ عمرو بنِ هشامٍ أبي جهلٍ.

وصفوانُ وربيعةُ: مِنْ صلبِ أميَّةَ بنِ خلفٍ.

خرجَ مِنْ أصلابِ الكفَّارِ المستكبرينَ مَنْ يرفعُ رايةَ الإسلامِ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها..

إنَّها الرحمةُ المهداةُ، وصاحبُ القلبِ الرحيمِ، والعقلِ الحكيمِ المسدَّدِ بالوحيِ الإلهيِّ..

هلْ تطلبونَ مِنَ المختارِ معجزةً

يكفيهِ شعبٌ مِنَ الأجداثِ أحياهُ

مَنْ وحَّدَ العربَ حتى صارَ واترُهُمْ

إذا رأى ولدَ الموتورِ آخاهُ

وكيفَ ساسَ رعاةُ الشاةِ مملكةً

ما ساسَها قيصرٌ مِنْ قبلُ أوْ شاهُ

ورحَّبَ الناسُ بالإسلامِ حينَ رأَوْا

أنَّ الإخاءَ وأنَّ العدلَ مغزاهُ.

كانَ مِنْ أبرزِ صفاتِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ عُرِفَ قبلَ أنْ يكونَ نبيًّا، بالصادقِ الأمينِ.

وأخلاقُ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيها مِنَ المحاسنِ والمحامدِ، ما لا يمكنُ أنْ تُحاطَ، فقدْ تفضَّلَ اللهُ تعالى على رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأنْ جبلَهُ على كلِّ خلقٍ فاضلٍ، ثمَّ أثنى عليهِ بعظمةِ خلقِهِ منذُ بدايةِ بعثتِهِ؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلمُ: ٤].

ولقدْ حضَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على مكارمِ الأخلاقِ، وقدْ كانتِ الأخلاقُ الحسنةُ هيَ العلامةَ البارزةَ والعنوانَ العريضَ لدعوتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، كما كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتحلَّى بأخلاقِ القرآنِ الكريمِ، ويمتثلُ أوامرَهُ، ويطبِّقُ أحكامَهُ، حتى أصبحَتْ حياتُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ترجمةً قوليَّةً وفعليَّةً، وسلوكيَّةً للقرآنِ الكريمِ، ولذلكَ لمَّا سألَ أحدُ الصحابةِ السيِّدةَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قائلًا: يا أمَّ المؤمنينَ أنبئيني عنْ خلقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَتْ: ألَسْتَ تقرأُ القرآنَ؟ قلْتُ: بلى، قالَتْ: فإنَّ خلقَ نبيِّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ القرآنَ.

وممَّا لا شكَّ فيهِ أنَّ الإحاطةَ بأخلاقِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ووصفَ كمالِها أمرٌ صعبٌ، ولكنَّ هذا لا يمنعُ مِنَ الإشارةِ إلى بعضِها، ومنها:

١– صدقُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأمانتُهُ: وفي هذا يجبُ أنْ نذكِّرَ الناسَ جميعًا بالتزامِ هذِهِ الأخلاقِ الساميةِ وبخاصَّةٍ في تعاملِهِمْ معَ بعضِهِمُ البعضَ، فالمعاملاتُ لا تستقيمُ في الإسلامِ إلَّا بالصدقِ والأمانةِ، والابتعادِ عنْ أيِّ مظاهرَ تخالفُهما كالخيانةِ، والكذبِ، وتعاطي الرشوةِ، وغيرِ ذلكَ.

٢ ـ نظافتُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وحسنُ سمتِهِ ومظهرِهِ: فالنظافةُ مِنَ الإيمانِ، والمسلمُ يجبُ أنْ يكونَ نظيفَ الظاهرِ والباطنِ، وكانَ النبيُّ ﷺ يعتني بنظافةِ الظاهرِ كما يعتني بنظافةِ الباطنِ، ويحثُّ على استعمالِ السواكِ وطهارةِ الفمِ والأسنانِ، ويتطيَّبُ، ويمشطُ شعرَ رأسِهِ ولحيتِهِ، وكانَ في جملةِ مظهرِهِ نظيفًا حسنَ السمتِ، فيجبُ على شبابِ الأمةِ الآنَ أنْ يتأسَّوْا بِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ذلكَ، وأنْ يتجنَّبوا المظاهرَ التي لا تليقُ بمسلمٍ، كالقزعِ وهوَ حلقُ بعضِ شعرِ الرأسِ دونَ بعضِهِ، والثيابِ الممزَّقةِ، ومظاهرِ التبرُّجِ والسفورِ.

٣- حسنُ صحبتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وطيبُ صداقتِهِ: فإنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ خيرَ الصاحبِ لصاحبِهِ، وخيرَ الصديقِ لصديقِهِ، وكانَ يوالي أصحابَهُ بالسؤالِ عنهُمْ، وصلَتِهِمْ، وتفقُّدِ أحوالِهِمْ، كما كانَ حريصًا على تأليفِ القلوبِ، وإشاعةِ الحبِّ والمودَّةِ، حتى أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يصلُ مَنْ قطعَهُ ويعطي مَنْ حرمَهُ ويعفو عمَّنْ ظلمَهُ ويصبرُ للغريبِ على الجفوةِ في المنطقِ والمسألةِ ويعودُ المريضَ ويشهدُ الجنائزَ.

٤ – كرمُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: فقدْ كانَ أسخى الناسِ كفًّا، يعطي عطاءَ مَنْ لا يخشى الفقرَ، كثيرَ التصدُّقِ على الفقراءِ والمساكينِ، وهذا أيضًا مِنْ أجدرِ ما يجبُ أنْ نتأسَّى فيهِ برسولِنا الكريمِ، وبخاصَّةٍ في ظلِّ الأزماتِ الاقتصاديَّةِ التي نعانيها، فعلى المسلمِ أنْ يحرصَ على إخوانِهِ مِنَ الفقراءِ والمساكينِ، وأنْ يعطيَهُمْ ممَّا أعطاهُ اللهُ، وألَّا يعيشَ لنفسِهِ فقطْ، بلْ إنَّ المسلمَ الحقَّ هوَ النافعُ لنفسِهِ ولدينِهِ ولأُمَّتِهِ.

٥ ـ إتقانُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعملِهِ، فهو القائلُ: «إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عملَ أحدُكُمْ عملًا أنْ يتقنَهُ». الطبرانيُّ.

فلا يصحُّ أنْ نستهينَ بإتقانِ العملِ، أوِ استصغارِ شيءٍ مِنَ الأعمالِ، فالإتقانُ مطلوبٌ في كلِّ شيءٍ، فالعلمُ يحتاجُ إلى الإتقانِ والصناعةُ تحتاجُ إلى الإتقانِ والتجارةُ تحتاجُ إلى الإتقانِ. والنظامُ الذي هوَ أساسُ الحضارةِ والعمرانِ ما هوَ إلَّا الإتقانُ، والأممُ تُبنى ويرتفعُ شأنُها بالإتقانِ، وتضمحلُّ وتسقطُ بالإهمالِ والإفسادِ.

وختامًا فإنَّني أناشدُ المسلمينَ جميعًا أنْ يحسنوا الاحتفالَ بميلادِ سيِّدِنا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وأنْ يقتدوا بِهِ في سِيرتِهِ وسنَّتِهِ ومنهاجِهِ وأخلاقِهِ.

 أ.د. عبد الغني الغريب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى