تهم جنائية تنتظر محافظ أسوان للتدخل في أعمال الشهر العقاري واستعمال النفوذ
هل مجرد وجود مكتب حكومي داخل نطاق المحافظة يمنح المحافظ حق التفتيش والاطلاع على دفاتر العاملين به؟ وهل يستطيع المحافظ أن يطلب من موظف تابع لوزارة العدل الوقوف أمامه أو مغادرة مكتبه أو كشف دفتر الحضور والانصراف؟
الأسئلة فرضتها الواقعة التي شهدها أحد مكاتب الشهر العقاري بأسوان، بعدما تردد أن المهندس عمرو لاشين محافظ اسوان طلب من أحد العاملين الوقوف، ثم طلب الاطلاع على دفتر الحضور والانصراف، وهو ما قوبل بالرفض، بدعوى أن الموظف يتبع مصلحة الشهر العقاري التابعة لوزارة العدل، وليس للمحافظة.
ازمة داخل الحكومة.. منع محافظ أسوان من الاطلاع على كشوفات الحضور والانصراف بـ الشهر العقاري وموظف يرفض الوقوف له.. ومدير المتابعة يهدد: هوريكم ازاي تتعاملوا مع سيادة الوزير
يبدوا أن هناك أزمة فعلية تحلق في الأفق بين موظفي قطاع تابع لوزارة العدل ومحافظ أسوان بعد زيارة مفاجئة لمقر الشهر العقاري في أسوان مؤخرا، وفقاً لـ مصادر مطلعة.
وقالت المصادر في تصريحات خاصة لـ «أوان مصر» ان محافظ أسوان قام بزيارة لمقر الشهر العقاري حيث تلاحظ ازدحاماً بين صالة الانتظار، موضحة ان المحافظ دخل إلى قاعة ومكاتب الموظفين، مخاطبا موظف بالسؤال عن دفتر الحضور والانصراف ليتفاجئ بردود من الموظف بانه ليس له صلاحية الاضطلاع على هذه المستندات.
واشارت المصادر إلى أن محافظ أسوان قام بتعنيف موظف الشهر العقاري، فما كان من الموظف إلا أن يترك المحافظ ويمسك يهاتفه المحمول ليبلغ قيادات الشهر العقاري بما حدث مع المحافظ.
واضافت المصادر ان المحافظ قال لـ الموظف «انت بتكلم مين.. ليرد عليه الموظف أنا ببلغ رؤسائي في الوزارة .. ليرد المحافظ مفيش وزير غيري أنا».
وقالت المصادر ان الموظف ترك محافظ أسوان يتجول داخل الشهر العقاري، وجلس على كرسيه ليكمل عمله، ليتفاجيء بمدير المتابعة قائلاً له«انت ازاي تتكلم مع سيادة الوزير بالطريقة .. أنا هوريك».
واوضحت المصادر ان محافظ أسوان استشاط غضباً من ردود فعل الموظف بعد مشادة كلامية في صالة الشهر العقاري.
بعيدا عن تفاصيل الواقعة ومن كان على حق في الحوار الذي دار داخل المكتب، هناك سؤال أهم: ماذا يقول القانون عن حدود سلطة المحافظ؟
للإجابة، كان لا بد من الرجوع إلى أحد الذين تولوا مسؤولية مصلحة الشهر العقاري، سامي إمام، رئيس قطاع مصلحة الشهر العقاري السابق، الذي أكد في تصريحات خاصة لـ”فيتو” أن المصلحة تتبع وزارة العدل، ولا تخضع لإشراف أو تفتيش المحافظين أو رؤساء الجهات الحكومية الأخرى.
وقال إمام إن القانون رقم 5 لسنة 1964 نظم وضع مصلحة الشهر العقاري، باعتبارها مصلحة قائمة بذاتها تتبع وزارة العدل، ومن ثم فإن الرقابة والإشراف الإداري عليها يكونان من خلال الوزارة والقيادات المختصة بها، وليس المحافظين.
وأضاف أن هناك واقعة سابقة لحافظ الأقصر، عندما طلب الاطلاع على دفتر الحضور والانصراف، موضحا أن هذا الدفتر من أعمال المصلحة، ولا يملك أي مسؤول من خارج وزارة العدل الاطلاع عليه باعتباره أداة من أدوات المتابعة الإدارية للعاملين.
وأوضح أن رؤساء الوحدات المحلية التي تقع في نطاقها مكاتب الشهر العقاري لا يملكون سلطة الرقابة على هذه المكاتب، ولا حتى توجيه الأسئلة إلى العاملين بشأن أوراق أو معاملات تخص عملهم، لأن التبعية الإدارية للمصلحة ليست للوحدة المحلية.
المحافظ طلب مني نقل موظف.. فقلت له: مش من سلطتك!
وكشف رئيس قطاع الشهر العقاري السابق عن واقعة أخرى قال إنها حدثت معه عندما كان يتولى مسؤولية القطاع، موضحا أنه فوجئ باتصال من أحد المحافظين خلال فترة حكم الإخوان يطلب منه نقل أحد الموظفين من الفرع الذي يعمل به، بسبب عدم إنهاء إجراء خاص به.
وقال إمام إنه رفض تنفيذ الطلب، وأوضح للمحافظ أن الأمر ليس من سلطته، وأنه أمام مصلحة الشهر العقاري مواطن له الحق في الحصول على الخدمة، وله أيضا حق تقديم شكوى إذا كان يرى أن هناك تقصيرا أو مخالفة، على أن تقوم المصلحة بفحصها واتخاذ ما يلزم بشأنها.
وشدد على أن نصوص القانون لا تمنح المحافظ سلطة الاطلاع على أوراق ودفاتر أي فرع من فروع الشهر العقاري، حتى لو كان الفرع يقع داخل نطاق المحافظة، موضحا أن للمحافظ سلطات إشرافية على الوحدات المحلية والقطاعات التي تدخل في نطاق اختصاصه، مثل الصحة والتعليم والتموين والتضامن وغيرها، لكن ذلك لا يمتد تلقائيا إلى الجهات التي تظل تابعة لوزاراتها المركزية.
هل أخطأ الموظف؟.. نعم أدبيا فقط!
وعن واقعة رفض الموظف الوقوف أمام المحافظ، قال إمام: إن الموظف أخطأ أدبيا في عدم الوقوف للمحافظ باعتباره مسؤولا عن الإقليم، وربما حدث لديه خلط بين واجب الاحترام وبين التبعية الوظيفية.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن هذا الأمر مختلف تماما عن مسألة الاختصاص الإداري، موضحا أن المحافظ ليس رئيسا مباشرا لموظف الشهر العقاري، ولا يملك إصدار أوامر وظيفية له باعتباره تابعا لوزارة العدل.
وأشار إلى أن من الطبيعي أن يتم الاستماع إلى أطراف الواقعة للوقوف على حقيقة ما حدث، خاصة أن التفاصيل المتداولة لا تكفي وحدها للحكم على تصرف أي طرف.
«المحافظ زيه زي أي مواطن»
ولعل الجملة الأوضح التي قالها رئيس قطاع الشهر العقاري السابق تلخص المسألة كلها: المحافظ أمام مصلحة الشهر العقاري، فيما يتعلق بالحصول على الخدمة، مواطن له كامل الاحترام، لكنه ليس رئيسا إداريا للعاملين بها.
وأكد إمام أن مأموري الشهر العقاري مطالبون بحسن معاملة جميع المواطنين، أيا كانت مواقعهم أو وظائفهم، مشيرا إلى أنه كان يستقبل آلاف الطلبات يوميا من الوزير والغفير، والمهندس والطبيب، والضابط ورئيس المحكمة والمحامي، وغيرهم من مختلف فئات المجتمع.
وأضاف أن حسن معاملة الجمهور من أساسيات مهنة مأموري الشهر العقاري، وهو أمر لا يتعارض مع تمسك الموظف بالتسلسل الوظيفي وحدود الاختصاص.
وهنا تعود الواقعة إلى مربعها الحقيقي.
المحافظ له سلطاته.. ووزارة العدل لها اختصاصاتها.. والموظف عليه واجباته.. لكن لا أحد فوق القانون.
فإذا ثبت أن المحافظ طلب الاطلاع على دفتر الحضور والانصراف دون أن يكون له سند في الاختصاص، فالسؤال القانوني يصبح مشروعا: هل كان يباشر سلطة مقررة له أم يتدخل في اختصاص جهة أخرى؟
وإذا كان الموظف قد رفض الوقوف، فهناك فارق بين أن يخطئ في واجب أدبي يتعلق بحسن التعامل والاحترام، وبين أن يرفض أمرا وظيفيا لا يملكه من أصدره.
أما الشهر العقاري، فهو ليس جهة قضائية بالمعنى الدقيق، وموظفوه ليسوا قضاة، لكنه في الوقت نفسه ليس مرفقا تابعا للمحافظة، وإنما جهة تتبع وزارة العدل وتمارس أعمالا قانونية تتعلق بالتسجيل والتوثيق والشهر.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد “وقف موظف أم لم يقف”.
السؤال الحقيقي: أين تنتهي سلطة المحافظ، وأين يبدأ اختصاص وزارة العدل؟
فالمناصب لا تلغي الاختصاص، والاحترام لا يعني التبعية، ووجود مصلحة حكومية داخل حدود محافظة لا يجعل كل العاملين بها موظفين تابعين للمحافظ.
لماذا هذه الحملة الممنهجة ضد المهندس عمرو لاشين؟
منذ توليه مسؤولية المحافظة، فتح المهندس عمرو لاشين ملفات ظلت مغلقة لسنوات، واقتحم مشكلات وملفات شائكة، وكان هدفه المعلن والواضح هو مصلحة المواطن وتحسين مستوى الخدمات.
وأنا أتساءل بكل وضوح: ما المشكلة في أن يطلب المحافظ سجل الحضور والانصراف من أي جهة تقدم خدمة للمواطن؟
هل أصبحت مراجعة الانضباط ومتابعة مستوى الأداء تدخلاً غير مقبول؟
ومن واقع ما يلمسه المواطن، هناك بعض المصالح والجهات التي تحتاج بالفعل إلى مزيد من الرقابة والمتابعة؛ فالمواطن الذي يذهب لإنهاء توكيل أو إشهار أو أي إجراء لا يفترض أن يضطر إلى الحصول على يوم إجازة بسبب البطء الشديد وطول الإجراءات وضعف الإنجاز.
والأصعب من ذلك أن يشعر المواطن أحيانًا أن بعض الموظفين يتعاملون وكأنهم فوق المساءلة أو الرقابة.
أنا ضد أي حملة ممنهجة تستهدف المهندس عمرو لاشين، وأرى أن الحكم على المسؤول يجب أن يكون من خلال النتائج وما يقدمه على أرض الواقع، وليس من خلال حملات التشويه أو التقارير المنقوصة.
هناك من يريد للمسؤول أن يجلس في مكتبه، ويعمل من خلال التقارير فقط، دون أن ينزل إلى الشارع ويرى بنفسه معاناة المواطنين ومشكلات المصالح والجهات المختلفة.
ولمن لا يعرف المهندس عمرو لاشين أقول:
هذا الأسلوب في الإدارة لا يقبله، لأنه يؤمن بالعمل الميداني والاقتراب من المواطن ومواجهة المشكلات على أرض الواقع.
انتقدوا ما ترونه خطأ، فهذا حق الجميع، ولكن اتقوا الله في الرجل، ولا تجعلوا الخلاف أو المصالح الخاصة سببًا في تشويه كل جهد يُبذل لصالح المواطن.
أما من يستغل أي موقف لتحقيق أهداف شخصية أو لتصفية حسابات، فأقول له بكل احترام:
اتقِ الله، ودع المسؤول يعمل، وليكن الحكم في النهاية على ما تحقق للمواطن على أرض الواقع.



