خطبة الجمعة

خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف : أنزلوا الناس منازلهم (احترام الرموز) ٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ ١٨-٠٩-٢٠٢٦م

أنزلُوا الناسَ منازلَهُم (احترامُ الرموزِ)

تفاصيل المحتوى

الأهداف والعناصر

الهدف المراد توصيله إلى جمهور المسجد:

إحياء خُلُقِ معرفةِ أقدار الناس وقيمةِ إنزالهم منازلهم، بما يحفظ هيبة ذوي الفضل منهم، ويصون كرامة كل إنسان.

العناصر:

  1. معرفةُ أهلِ الفضلِ والعلمِ أقدارَهم، وحفظُ مكانتِهم.
  2. المنهجُ النبويُّ في إنزالِ الناسِ منازلَهُم وتقديرِ أهلِ الفضلِ والمكانةِ.
  3. الجزاءُ من جنسِ العملِ، فمَن أَكْرَمَ الناسَ أُكرِمَ، ونالَ التقديرَ والثناءَ والوفاءَ.
  4. الحذرُ من مظاهرِ الانتقاصِ والإساءةِ في زمنِ التواصلِ الرقميِّ.
  5. أدبُ المجالسِ واحترامُ المقاماتِ وأثرُهما في رُقيِّ المجتمعِ.
  6. حفظُ كرامةِ الناسِ والالتزامُ بالخلقِ الراقي في سبيلِ رضا اللهِ وصلاحِ المجتمعِ.

الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية

الأدلة من القرآن الكريم:

  1. قوله تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾.
  2. قوله تعالى: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾.
  3. قوله تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾.

الأدلة من السنة النبوية:

  1. حديث: «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ».
  2. حديث: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ».
  3. حديث: «مَنْ لَا يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرِ اللَّهَ».
  4. حديث: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ».
  5. حديث: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».

الخطبة الأولى: أنزلُوا الناسَ منازلَهُم (احترامُ الرموزِ)

  الحمدُ للهِ الذي جعلَ الاستقامةَ على شرعِهِ سلامًا وأمانًا، وشرعَ الآدابَ للناسِ صيانةً وإعظامًا، وشَيَّدَ للمكارمِ صرحًا ومقامًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ الطريقَ لمن سلكَهُ بالخيرِ ممرًّا إلى الجنانِ وإحسانًا، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، أعظمُ الناسِ أدبًا، وأحرصُهم على إعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّهُ تعظيمًا وإكرامًا، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلَّمَ، أمَّا بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:

١- اقدرْ لأهلِ الفضلِ والعلمِ أقدارَهُم: وانشرْ ثقافةَ التقديرِ لمن أفنَوا أعمارَهُم في خدمةِ دينِهِم ومجتمعِهِم ووطنِهِم، فمعرفةُ قدْرِ أهلِ الفضلِ من مكارمِ الأخلاقِ ودلائلِ الوفاءِ، فلا يُبْخَسُ صاحبُ فضلٍ فضلَهُ، ولا يُهْدَرُ حقُّ كبيرٍ لكبرِ سنِّهِ، ولا يُنْتَقَصُ من قدرِ عالمٍ لعلمِهِ؛ فإنَّ تسويةَ المقاماتِ ظُلمٌ، وإهدارَ حقِّ الرموزِ غبنٌ، فاحفظْ مكانةَ كلِّ واحدٍ على قدرِهِ، وعاملْهُ بما يلائمُ حالَهُ، وتأمَّلْ كيفَ يورِثُ هذا الأدبُ استقرارًا نفسيًّا وتماسكًا مجتمعيًّا، فيمنعُ تفككَ الروابطِ بينَ الأجيالِ المتعاقبةِ، وينشرُ السعادةَ والرحمةَ والألفةَ، فلنعطِ أهلَ العلمِ حقَّهُم، ولنصنْ لأهلِ الفضلِ منزلتَهُم استجابةً لقولهِ : «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»، وتوقيرًا لمنظومةِ القيمِ واستقامةِ المجتمعِ بأسرِهِ، مصداقًا لقولِ اللهِ سبحانه وتعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ یَسۡتَوِی ٱلَّذِینَ یَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَۗ﴾.

٢- اقتبسْ من أنوارِ المصطفى أروعَ الأمثلةِ في إنزالِ الناسِ منازلَهُم:حيثُ فاحتْ بركاتُ الهَدْيِ المُحَمَّدِيِّ، لتغرسَ في النفوسِ جلالَ أهلِ السبقِ، وتقديرَ السادةِ الأكابرِ، وحفظَ حرمةِ الرموزِ، وصيانةَ مقامِ أهلِ العلمِ، ورعايةَ حقوقِ أصحابِ المكانةِ، فيرى الإنسانُ فضلَ أهلِ الفضلِ فيعترفُ بهِ، و يقدِّرُ لأهلِ العلمِ علمَهُم، ولأهلِ الخبرةِ خبرتَهُم، ولأهلِ التضحيةِ تضحياتِهم، وانظرْ كيفَ راعى النبيُّ مقامَ أبي سفيانَ يومَ الفتحِ، ومكانةَ هرقلَ ليؤلِّفَ القلوبَ، وشيبةَ والدِ الصديقِ حينما أتى مسلمًا بينَ يديهِ، بل جعلَ ذلكَ مناطَ الإجلالِ الإلهيِّ والتكريمِ فقالَ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ».

٣- بادرْ بتقديرِ الناسِ وتوقيرهِمْ حتى تنالَ منهمُ التوقيرَ والتقديرَ، واعلمْ أنَّ الجزاءَ من جنسِ العمَلِ، فمنْ أَكْرَمَ الناسَ أُكْرِمَ، ومنْ زَرَعَ المحبةَ والتقديرَ حَصَدَ الثَّنَاءَ والوفاءَ، فلا تبخلْ بكلمةِ شُكْرٍ، أو نظرةِ إِجْلَالٍ، أو وقْفَةِ احترامٍ، فإنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ على حُبِّ مَنْ أحسنَ إليها وأعزَّ قَدْرَهَا، وتأمَّلْ كيفَ تَجسَّدَ هذا الإحسانُ واقعًا حَيًّا ومشهدًا ناطقًا بالوفاءِ في سيرةِ الأَكَابِرِ، حينَ وقفَ حبرُ الأُمَّةِ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهمَا بكلِّ تواضعٍ ليأخذَ برِكابِ رَاحِلَةِ الإِمَامِ زيدِ بنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إجلالًا لعلمهِ، فما كانَ من سيدِنا زيدٍ العظيمِ إلا أن بادرَ بتقبيلِ يدِ سيدِنا ابنِ عباسٍ تَعظيمًا لمكانةِ أهلِ بيتِ النبوةِ، فِي لَوْحَةٍ رائعةٍ مِنَ التَّقْدِيرِ المُتَبَادَلِ الَّذِي يَرْفَعُ شَأْنَ المُجْتَمَعَاتِ، وَكَيْفَ لَا يَنْعَكِسُ هَذَا السُّلُوكُ الرَّاقِي عَلَى بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ مُتَرَاحِمٍ يَغْمُرُهُ الوُدُّ وَتَسُودُهُ لُغَةُ الاحْتِرَامِ المُتَبَادَلَةِ، امْتِثَالًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ : «مَنْ لَا يَشْكُرِ النَّاسَ لَا يَشْكُرِ اللَّهَ»، وَإِعْمَالًا لِقَوْلِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿هَلۡ جَزَاۤءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ﴾.

٤- كنْ حذرًا من مظاهرِ الانتقاصِ والإساءةِ في زمنِ التواصلِ الرقميِّ، وأعطِ أصحابَ الحقوقِ حقوقَهُم بإنصافٍ بعيدًا عن الاستعلاءِ أو الإلغاءِ، فلا تكنْ ممن يطلقونَ التعليقاتِ المسيئةَ، أو يتداولونَ الرسومَ المنتقصةَ، التي تهدمُ القيمَ، وتجرحُ النفوسَ، وإنَّ مما يدمي القلبَ وينافي أدبَ الإسلامِ ما نراهُ اليومَ من استسهالِ الطعنِ والسخريةِ، متجاهلينَ أنَّ الكلمةَ في عصرِنا تتناقلُها المنصاتُ في لحظاتٍ لتحوِّلَ المزاحَ إلى إساءةٍ واسعةٍ، والخطأَ إلى حملةِ تشويهٍ، فاستحضرْ دائمًا مراقبةَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وقفْ عندَ حدودِ الأدبِ الشرعيِّ الذي يزنُ الكلماتِ بميزانِ الإنصافِ، وتجنبْ كلَّ مسلكٍ يشينُ الأخلاقَ أو يهدمُ مكانةَ الكرامِ، ولتعلمْ أنَّ العباراتِ المنفلتةَ قد تورثُ ندمًا لا ينفعُ صاحبَهُ حينَ تبلغُ القلوبُ الحناجرَ وتنتشرُ الإساءاتُ في الآفاقِ، فكنْ من الحكماءِ الذينَ يزنونَ كلماتِهِم بميزانِ العقلِ والشرعِ قبلَ أن تغادرَ ألسنتَهُم أو يخطَّها بنانُهُم، امتثالًا لقولهِ تعالى: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبادِهِ الذينَ اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، ولهُ الحمدُ في الأولى والآخرةِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أمَّا بعدُ:

فالتزامُ أدبِ المجالسِ واحترامُ المقاماتِ يعكسُ نقاءَ باطنِكَ وصفاءَ معدنِكَ، واحرصْ على أن تكونَ أخلاقُكَ رسالةَ وفاءٍ تحفظُ للمجتمعِ توازنَهُ، وتصونُ للعلمِ مكانتَهُ، وتؤكدُ أنَّ احترامَكَ للكبيرِ وتوقيرَكَ للعالمِ وعرفانَكَ بفضلِ السابقينَ هو عنوانُ رقيِّ أمتِكَ، فكمْ من كلمةِ توقيرٍ ألَّفتْ قلبًا، وكمْ من احترامٍ لصاحبِ فضلٍ حفظَ قيمةً، واجعلْ هذهِ القاعدةَ نبراسًا في بيتِكَ ومدرستِكَ ومؤسستِكَ ومجتمعِكَ، واعرفْ لكلِّ ذي حقٍّ حقَّهُ لتجتمعَ القلوبُ وتستقيمَ العلاقاتُ وتسودَ المحبةُ والوئامُ، وتنشأَ الأجيالُ على تعظيمِ أهلِ الفضلِ والقدرِ في غيرِ غلوٍّ ولا جفاءٍ اتباعًا لهذا المنهجِ النبويِّ: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ».

أيُّها المسلمُ: اعلمْ أنَّ حفظَكَ لكرامةِ الناسِ ومعرفتَكَ لأقدارِهِم هو طريقُكَ لرضا اللهِ وعمارةِ المجتمعِ بالخيرِ والبركاتِ، فاستمسكْ بهذا الخلقِ الراقي، وكنْ مفتاحًا للخيرِ مغلاقًا للشرِّ، داعيًا إلى الاحترامِ والوفاءِ، واجتنبْ كلَّ سبلِ الجحودِ والتنقصِ، عملًا بما أرساهُ الإسلامُ من قواعدِ العدلِ والإنصافِ، ولتكنْ سيرتُكَ انعكاسًا صادقًا لتعاليمِ دينِنا الحنيفِ الذي رفعَ من شأنِ أهلِ الإيمانِ والعلمِ والفضلِ، قالَ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».

اللهمَّ اجعلْنا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ، دعاةً إلى المحبةِ والوئامِ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى