خطبة الجمعة القادمة : “إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري” 1 مايو 2026م ، للدكتور أحمد رمضان

عناصر خطبة الجمعة القادمة 1 مايو 2026م بعنوان : إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري ، إعداد:
العُنْصُرُ الأَوَّل: إِتْقَانُ العَمَلِ عِبَادَةٌ وَمِفْتَاحُ مَحَبَّةِ اللَّهِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: خُطُورَةُ التَّقْصِيرِ وَشَهَادَةُ الأَعْمَالِ يَوْمَ القِيَامَةِ
العُنْصُرُ الثَّالِث: إِتْقَانُ العَمَلِ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالمَأْمُولِ وَطَرِيقُ العِلَاجِ
خطبة الجمعة القادمة 1 مايو 2026م : إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:
إتقانُ العملِ واجبٌ دينيٌّ وحضاري
الجمعة 13 ذو القعدة 1447هـ | 1 مايو 2026م
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ خلقه، وأحسنَ كلَّ شيءٍ صنعه، القائلِ في كتابِهِ الكريمِ: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88]، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، جعلَ الإحسانَ والإتقانَ ميزانَ القبولِ، وسببًا لمحبتِهِ ورضوانِهِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، المعلِّمُ الأولُ، والمربِّي الأعظمُ، الذي أرشدَ أمتهُ إلى معالي الأمورِ، وحثَّها على الإحسانِ في كلِّ شأنٍ من شؤونِ الحياةِ، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.
عناصر الخطبة:
العُنْصُرُ الأَوَّل: إِتْقَانُ العَمَلِ عِبَادَةٌ وَمِفْتَاحُ مَحَبَّةِ اللَّهِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: خُطُورَةُ التَّقْصِيرِ وَشَهَادَةُ الأَعْمَالِ يَوْمَ القِيَامَةِ
العُنْصُرُ الثَّالِث: إِتْقَانُ العَمَلِ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالمَأْمُولِ وَطَرِيقُ العِلَاجِ
أمَّا بعدُ؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ هذا الدينَ لم يأتِ ليملأَ المساجدَ بالركوعِ والسجودِ فحسب، بل جاء ليُقيمَ الحياةَ كلَّها على أساسِ الإتقانِ والإحسانِ، فالمسلمُ في عبادتِهِ متقنٌ، وفي عملِهِ متقنٌ، وفي حياتِهِ كلِّها قائمٌ على الإحسانِ، لأنَّهُ يعلمُ أنَّهُ يتعاملُ مع ربٍّ يرى ويعلمُ.
العُنْصُرُ الأَوَّل: إِتْقَانُ العَمَلِ عِبَادَةٌ وَمِفْتَاحُ مَحَبَّةِ اللَّهِ
عبادَ اللهِ، إنَّ إتقانَ العملِ في الإسلامِ ليسَ خُلُقًا ثانويًا، ولا أمرًا تكميليًا، بل هو أصلٌ من أصولِ هذا الدينِ، وقيمةٌ عظمى يقومُ عليها ميزانُ القبولِ عند اللهِ، حتى إنَّهُ طريقٌ إلى محبةِ اللهِ تعالى، وأيُّ مقامٍ أعظمُ من أن يكونَ العبدُ محبوبًا عند ربِّهِ؟!
يقولُ النبيُّ ﷺ: «إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عملَ أحدُكم عملاً أن يُتقنَه» (أبو يعلى الموصلي (4386)، والطبراني في (المعجم الأوسط) (897)، والبيهقي في (شعب الإيمان) (4929)، حديث صحيح).
فتأمَّلوا – رحمكم الله – هذا الميزانَ العظيمَ:
ليسَ السؤالُ عند اللهِ: كم عملت؟ ولكن: كيف عملت؟! ليسَ بكثرةِ الأعمالِ تُنالُ المحبةُ، ولكن بإتقانِها وإحسانِها.
وقد أحسنَ من قال:
إذا عملَ المرءُ المكلَّفُ مرةً عملًا فإنَّ العيبَ ألا يُحسِنَه
فقد ذكرَ المختارُ أنَّ إلهَنا يحبُّ لعبدٍ خافَهُ أن يُتقنَه
عبادَ اللهِ، ولم يقتصرِ هذا الأصلُ العظيمُ على عمومِ الأعمالِ، بل جاءَ التوجيهُ النبويُّ ليغرسَ الإتقانَ في أدقِّ الأمورِ وأصغرِها، فقالَ ﷺ: «إنَّ اللهَ كتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتَلتُم فأَحْسِنوا القِتْلةَ، وإذا ذبَحتُم فأَحْسِنوا الذَّبْحَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفْرتَه، ولْيُرِحْ ذَبيحتَه» (مسلم 1955).
فإذا كان الإتقانُ مطلوبًا في الذبحِ، وهو موضعٌ قد يظنُّهُ البعضُ بعيدًا عن معنى التعبدِ، فكيفَ بما هو أعظمُ من ذلك من أعمالٍ تقومُ بها حياةُ الناسِ، وتُحفظُ بها الحقوقُ، وتُبنى بها المجتمعاتُ؟!
بل إنَّ الإسلامَ لم يبدأْ بإتقانِ العملِ في الدنيا، بل بدأَ بأعظمِ العباداتِ، الصلاةِ، ليُقيمَ في نفسِ المسلمِ هذا الميزانَ الدقيقَ.
فعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنهُ: “أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَخَلَ المَسجِدَ فدَخَلَ رَجُلٌ فصَلَّى، فسَلَّمَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فرَدَّ وقال: ارجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، فرَجَعَ يُصَلِّي كما صَلَّى، ثُمَّ جاءَ فسَلَّمَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ارجِع فصَلِّ فإنَّكَ لَم تُصَلِّ، ثَلاثًا، فقال: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ ما أُحسِنُ غَيرَه، فعَلِّمْني، فقال: إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فكَبِّرْ، ثُمَّ اقرَأْ ما تَيَسَّرَ معكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ اركَعْ حتَّى تَطمَئِنَّ راكِعًا، ثُمَّ ارفَعْ حتَّى تَعدِلَ قائِمًا، ثُمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمَئِنَّ ساجِدًا، ثُمَّ ارفَعْ حتَّى تَطمَئِنَّ جالِسًا، وافعَلْ ذلك في صَلاتِكَ كُلِّها» (البخاري 757، ومسلم 397).
تأمَّلوا عبادَ اللهِ، لم تُقبلْ صلاتُهُ مع أنَّهُ صلَّى، لأنَّهُ لم يُتقنْ، فكم من عملٍ نعملُهُ اليومَ، ونحنُ نظنُّ أنَّهُ مقبولٌ، وهو عند اللهِ مردودٌ؟!
كم من موظفٍ يعملُ… وهو عند اللهِ خائن!
وكم من عاملٍ يُنجزُ… وهو عند اللهِ مقصِّر!
وكم من مصلٍّ يُصلِّي… وهو لم يُصلِّ عند اللهِ!
عبادَ اللهِ، بل إنَّ الإتقانَ مطلوبٌ حتى في مواضعَ لا يعودُ نفعُها المباشرُ على الإنسانِ، كحالِ الميتِ في قبرِهِ، فعن النبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: «إذا كفَّنَ أحدُكم أخاهُ فليُحسنْ كفنَه» (مسلم 943)، وجاءَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال في اللحدِ: «سووا لحدِّ هذا “حتى ظنَّ الناسُ أنَّهُ سنَّةٌ، فالتفتَ إليهم، فقالَ: “أمَا إنَّ هذا لا ينفعُ الميتَ ولا يضرُّهُ، ولكنَّ اللهَ يحبُّ من العاملِ إذا عملَ أن يُحسنَ» شعب الإيمان للبيهقي 4932 حديث مرسل).
فإذا كان الإتقانُ مأمورًا بهِ في موضعٍ لا ينفعُ فيهِ الميتُ ولا يضرُّهُ، فما الظنُّ بأعمالٍ تتعلَّقُ بها حقوقُ الناسِ، وأرزاقُهم، وحياتُهم؟!
عبادَ اللهِ، إنَّ هذا الدينَ يريدُ من المسلمِ أن يكونَ متقنًا في كلِّ شيءٍ، في عبادتِهِ، وفي عملِهِ، وفي صنعتِهِ، وفي وظيفتِهِ، وفي حياتِهِ كلِّها، لأنَّ كلَّ عملٍ يقومُ بهِ بنيّةِ العبادةِ هو عبادةٌ، قالَ تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].
فحياتُك كلُّها لله، وعملُك كلُّه لله، فكيفَ تلقى اللهَ بعملٍ مهملٍ؟! وكيفَ ترجو قبولًا بلا إتقانٍ؟!
عبادَ اللهِ، إنَّ تأخرَ كثيرٍ من المجتمعاتِ لم يكنْ لقلةِ المالِ، ولا لضعفِ الإمكاناتِ، ولكن لغيابِ الإتقانِ، فإنَّ فاقدَ الشيءِ لا يُعطيهِ، ولا يُحسنُ العملَ من لا يُتقنُهُ، ولذلكَ تأخرنا وتقدَّمَ غيرُنا.
عبادَ اللهِ، ليسَ السؤالُ: كم تعمل؟
بل السؤالُ: كيف تعمل؟!
ليسَ السؤالُ: هل صلَّيت؟
بل: هل أتقنتَ صلاتك؟!
ليسَ السؤالُ: هل اشتغلت؟
بل: هل أخلصتَ وأحسنت؟! فإنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى كثرةِ الأعمالِ، ولكن ينظرُ إلى إتقانِها وإحسانِها.
العُنْصُرُ الثَّانِي: خُطُورَةُ التَّقْصِيرِ وَشَهَادَةُ الأَعْمَالِ يَوْمَ القِيَامَةِ
عبادَ اللهِ، إنَّ الإتقانَ ليسَ خُلُقًا يُمدَحُ بهِ الإنسانُ فقط، بل هو أمانةٌ يُسألُ عنها، وإنَّ التقصيرَ في العملِ خطرٌ عظيمٌ، لأنَّ كلَّ عملٍ تعملهُ محفوظٌ عليك، معروضٌ على ربِّك، وستُحاسبُ عليهِ يومَ القيامةِ، فانتبهوا – رحمكم الله – إلى هذهِ الحقائقِ العظيمةِ:
أولًا: العملُ معروضٌ على اللهِ تعالى
قالَ تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]، وقالَ محمد سيد طنطاوي رحمهُ اللهُ: “أيُّها الرسولُ الكريمُ لهؤلاءِ التائبينَ وغيرِهِم، قُلْ لهم: اعملوا ما تشاؤونَ من الأعمالِ، فإنَّ اللهَ مطلعٌ عليها، وسيطَّلعُ رسولُهُ والمؤمنونَ عليها كذلكَ”. التفسير الوسيط ج6، ص399.
فالمؤمنُ إذا علمَ أنَّ عملَهُ سيُعرضُ على اللهِ، اجتهدَ في إتقانِهِ، واستحيا أن يرفعَ إلى ربِّهِ عملًا ناقصًا أو مقصِّرًا فيهِ.
ثانيًا: الجوارحُ نفسُها ستشهدُ عليك
قالَ تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65]، قال الرازي رحمه الله: “تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ جَعَلَ الشَّهَادَةَ لِلْأَرْجُلِ وَالْكَلَامَ لِلْأَيْدِي لِأَنَّ الْأَفْعَالَ تُسْنَدُ إِلَى الْأَيْدِي”. تفسير الرازي ج26، ص302. وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «كنَّا عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فضحِك فقال: (هل تدرونَ ممَّا أضحَكُ)؟ قُلْنا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ قال: (مِن مُخاطَبةِ العبدِ ربَّه يقولُ: يا ربِّ ألَمْ تُجِرْني مِن الظُّلمِ؟ قال: يقولُ: بلى قال: فإنِّي لا أُجيزُ على نفسي إلَّا شاهدًا منِّي فيقولُ: كفى بنفسِكَ اليومَ عليكَ شهيدًا وبالكرامِ الكاتبينَ عليكَ شهيدًا فيُختَمُ على فيه ثمَّ يُقالُ لِأركانِه: انطِقي فتنطِقُ بأعمالِه ثمَّ يُخلَّى بَيْنَه وبَيْنَ الكلامِ فيقولُ: بُعْدًا لكُنَّ وسُحْقًا فعنكنَّ كُنْتُ أُناضِلُ)» (مسلم 2969).
فلا تظنَّ – عبدَ اللهِ – أنَّك إن أخفيتَ عملَك عن الناسِ نَجوتَ، فإنَّ جوارحَك التي عصيتَ بها ستشهدُ عليك، وتُظهرُ ما كنتَ تُخفيه.
ثالثًا: الأرضُ التي تعملُ عليها ستشهدُ لك أو عليك
قالَ تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4]، وعن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: «ققَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: ٤] قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ” فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ عَمَلَ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، فَهَذِهِ أَخْبَارَهَا”. قال الذهبي هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ”، وقال الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ» (رواه الترمذي3353، المستدرك 3012).
فالأرضُ التي تقفُ عليها في عملِك، وتؤدِّي عليها وظيفتَك، إمَّا أن تكونَ شاهدًا لك بالإتقانِ، أو شاهدًا عليك بالتقصيرِ والخيانةِ.
رابعًا: إمَّا فضيحةٌ أو كرامةٌ يومَ القيامةِ
وقد جاءَ عن عبد الله بن عمرو رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قال قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “إنَّ اللهَ سيُخلِّصُ رجلًا مِن أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشُرُ عليه تسعةً وتسعينَ سِجِلًّا كلُّ سِجلٍّ مدُّ البصرِ ثمَّ يقولُ له: أتُنكِرُ شيئًا مِن هذا؟ أظلَمك كتَبتي الحافظون؟ فيقولُ: لا يا ربِّ فيقولُ: أفلك عذرٌ أو حسنةٌ؟ فيُبهَتُ الرَّجلُ ويقولُ: لا يا ربِّ”. ابن حبان (225)، الترمذي (2639)، وأحمد (6994)، حديث صحيح.
فإمَّا كرامةٌ تُرفعُ بها رؤوسُ أصحابِها، وإمَّا فضيحةٌ يُخزى بها صاحبُها، فاخترْ لنفسِكَ – عبادَ اللهِ – أيَّ الحالينِ تريدُ.
عبادَ اللهِ، إنَّ هذهِ الشهاداتِ كلَّها تدلُّ على أمرٍ عظيمٍ: أنَّك اليومَ تعملُ وحدكَ، ولكنَّك غدًا لن تكونَ وحدكَ، بل ستقفُ بين يدي اللهِ، وستُعرضُ أعمالُك، وستشهدُ عليك جوارحُك، وستشهدُ عليك الأرضُ، فلا ينفعُك حينها عذرٌ، ولا ينجيكَ تبريرٌ.
عبادَ اللهِ، أنتَ اليومَ تعملُ في الخفاءِ، ولكنَّك غدًا تُعرَضُ في العلنِ، تعملُ وحدكَ الآن، ولكنَّك تُحاسَبُ أمامَ الخلائقِ جميعًا، فهل أعددتَ لهذا الموقفِ؟! وهل أتقنتَ عملَك لتفرحَ بهِ يومَ العرضِ؟! أم ضيَّعتَ وفرَّطتَ وستندمُ حيثُ لا ينفعُ الندمُ؟!
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أحمدُهُ سبحانهُ وأشكرُهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، أمرَ بالإحسانِ في كلِّ شيءٍ، ونهى عن الغشِّ والتقصيرِ والإهمالِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، الذي علَّمَ الأمةَ الإتقانَ قولًا وعملاً، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.
أمَّا بعدُ؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ المشكلةَ اليومَ ليستْ في معرفةِ الحقِّ، ولا في وضوحِ الطريقِ، ولكنَّها في التطبيقِ والعملِ، فإنَّ كثيرًا من الناسِ يعلمونَ فضلَ الإتقانِ، ولكنَّهم لا يعملونَ بهِ، ويعرفونَ خطرَ التقصيرِ، ولكنَّهم يقعونَ فيهِ.
العُنْصُرُ الثَّالِث: إِتْقَانُ العَمَلِ بَيْنَ الوَاقِعِ وَالمَأْمُولِ وَطَرِيقُ العِلَاجِ
عبادَ اللهِ، إنَّ من أخطرِ ما نعيشهُ اليومَ هذا الانفصامُ العجيبُ بين ما نعلمُهُ وما نعملُ بهِ، حتى صارَ الإتقانُ عندَ بعضِ الناسِ خُلُقًا انتقائيًا، يُمارسُهُ إذا وافقَ مصلحتَهُ، ويتركُهُ إذا تعلَّقَ بحقوقِ غيرِهِ، وكأنَّ الأمانةَ تتغيَّرُ بتغيُّرِ النفعِ.
فانظروا – رحمكم الله – إلى واقعٍ نراهُ جميعًا:
أولًا: ازدواجيةُ الإتقانِ (خللٌ في الميزانِ)
يُتقنُ لبيتهِ، ويُهملُ في عملِهِ، يُخلصُ لنفسِهِ، ويُقصِّرُ في حقِّ الناسِ، فإذا كانَ العملُ لهُ أتقنَ وأبدعَ، وإذا كانَ لغيرهِ أهملَ وفرَّطَ، وكأنَّ اللهَ يُراقبُهُ هنا ولا يُراقبُهُ هناك!
فلماذا تُحسنُ لنفسِكَ ولا تُحسنُ لأمتِكَ؟! ولماذا تتقنُ إذا كانَ النفعُ خاصًا، وتُقصِّرُ إذا كانَ عامًا؟! أليستِ الأمانةُ واحدةً؟! أليسَ اللهُ الذي يراكَ هنا هو الذي يراكَ هناك؟!
ثانيًا: أنتَ تبني مصيركَ بعملِكَ (قصةٌ تهزُّ الواقع)
يُروى أنَّ رجلًا كان يعملُ بنَّاءً سنواتٍ طويلةً، فلما أرادَ أن يتركَ العملَ، طلبَ منهُ صاحبُهُ أن يبنيَ منزلًا أخيرًا، فبناهُ على عجلٍ ولم يُتقنْهُ، فلما انتهى سلَّمَ المفاتيحَ، فقالَ لهُ صاحبُهُ: هذا المنزلُ هديةٌ لكَ! فندمَ حيثُ لا ينفعُ الندمُ، لأنهُ لم يُتقنْ بناءَ بيتِهِ.
وهكذا – عبادَ اللهِ – كلُّ واحدٍ منَّا يبني عملَهُ بيدِهِ، ويصنعُ مصيرَهُ بنفسِهِ، فإمَّا أن يُحسنَ البناءَ فيسعدَ، وإمَّا أن يُسيءَ فيندمَ.
أنت لا تعمل وظيفة… أنت تبني آخرتك!
ثالثًا: خطورةُ الاستهانةِ بالتقصيرِ (قصةُ الكوب)
حين طُلبَ من أهلِ قريةٍ أن يملأَ كلُّ واحدٍ منهم كوبًا من اللبنِ في إناءٍ كبيرٍ، ظنَّ كلُّ واحدٍ أنَّ كوبَ الماءِ الذي سيضعُهُ لن يُؤثِّرَ، فامتلأ الإناءُ ماءً، وضاعتِ المصلحةُ، وهلكَ الجميعُ.
وهذا – عبادَ اللهِ – واقعٌ نعيشهُ اليومَ، كلُّ واحدٍ يُقصِّرُ ويقولُ: غيري سيُصلحُ! كلُّ واحدٍ يُهملُ ويظنُّ أنَّ تقصيرَهُ لا يُؤثِّرُ! حتى إذا فسدَ المجتمعُ، بكى الجميعُ على خرابٍ شاركوا فيهِ جميعًا.
كلُّ تقصيرٍ صغير… يُصنعُ منهُ انهيارٌ كبير!
رابعًا: العلاجُ الحقيقيُّ (بناءُ الضميرِ لا القوانين)
عبادَ اللهِ، إنَّ المشكلةَ ليستْ في غيابِ القوانينِ، ولا في ضعفِ الرقابةِ فقط، بل في غيابِ الضميرِ، وضعفِ مراقبةِ اللهِ، فإنَّ من علمَ أنَّ اللهَ يراهُ، لا يمكنُ أن يُقصِّرَ.
قالَ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
وقد قيلَ: إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًا فلا تقلْ خلوتُ ولكن قلْ عليَّ رقيبُ
وإذا خلوتَ بريبةٍ في ظلمةٍ والنفسُ داعيةٌ إلى العصيانِ
فاستحيِ من نظرِ الإلهِ وقلْ لها إنَّ الذي خلقَ الظلامَ يراني
وقالَ سهلُ بنُ عبدِ اللهِ التستريُّ: “اللهُ معي، اللهُ ناظرٌ إليَّ، اللهُ شاهدي”.
إذا استيقظ الضمير… استقام العمل!
خامسًا: الإتقانُ تربيةٌ عمليةٌ (هدي النبي ﷺ)
لم يكنِ الإتقانُ عندَ النبيِّ ﷺ كلماتٍ تُقالُ، بل كانَ تعليمًا عمليًا، فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بغلامٍ يسلخُ شاةً، فقالَ: «تنحَّ حتى أُريَكَ»، ثم علَّمهُ كيف يُحسنُ العملَ [ابن ماجه (3179)، وابن حبان (1163)، والبيهقي (72)، حديث صحيح].
فانظروا – رحمكم الله – كيفَ يُعلِّمُ النبيُّ ﷺ الإتقانَ بنفسِهِ، ويُربِّي عليهِ عمليًا، لأنَّ الأمةَ لا تقومُ بالكلامِ، بل بالفعلِ والإحسانِ.
سادسًا: الإتقانُ طريقُ النهضةِ أو السقوطِ
عبادَ اللهِ، إنَّ الإتقانَ هو سرُّ تقدُّمِ الأممِ، وسببُ نهضتِها، كما أنَّ الإهمالَ هو سببُ سقوطِها، وتأخرِها، وضياعِ حقوقِها.
فإذا أتقنَ العاملُ عملَهُ، والتاجرُ تجارتَهُ، والموظفُ وظيفتَهُ، صلحَ المجتمعُ، وانتشرَ الخيرُ، وعاشَ الناسُ في أمنٍ ورخاءٍ، وإذا ضاعَ الإتقانُ، ضاعَ كلُّ شيءٍ.
الخاتمة: عبادَ اللهِ… ليسَ الإتقانُ مهارةً… بل أمانةٌ… وليسَ خيارًا… بل دينٌ… أنتَ اليومَ إمَّا أن تبني أمةً بإتقانِكَ… أو تهدمها بتقصيرِكَ… فاخترْ لنفسِكَ: أن تكونَ لبنةَ بناءٍ… أو معولَ هدمٍ… واعلمْ أنَّك ستلقى اللهَ بعملِكَ، فاختَرْ ما تحبُّ أن تلقاهُ بهِ.
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن ابن ماجه، سنن أبي داود، سنن الترمذي، المعجم للطبراني، المستدرك للحاكم، شعب الإيمان، للبيهقي. صحيح ابن حبان، مسند أحمد، مسند أبي يعلى الموصل
ثالثًا: كتب التفسير وشروح الحديث وغيرهما: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، التفسيرُ الكبيرُ للرازي، تفسير الشعراوي، تفسير الوسيط لطنطاوي، التاريخ الكبير للبخاري، شرح البخاري لابن حجر، شرح مسلم للنووي، شرح البخاري لابن بطال، حليةُ الأولِياءِ لأبي نعيم.
د. أحمد رمضان



