خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة :  “الإحسانُ إلى المحتاجينَ بينَ صدقِ العبوديةِ وجمالِ السلوكِ”. 1 ربيع الأول 1448هـ – 14 أغسطس 2026م للدكتور أحمد رمضان

عناصر خطبة الجمعة القادمة 14 أغسطس 2026م بعنوان : الإحسانُ إلى المحتاجينَ بينَ صدقِ العبوديةِ وجمالِ السلوكِ ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.

العنصرُ الأوَّلُ: الإحسانُ إلى المحتاجينَ عبادةٌ عظيمةٌ يحبُّها اللهُ تعالى.

العنصرُ الثاني: صُوَرٌ مُشْرِقَةٌ مِنْ إِحْسَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ إِلَى الْمُحْتَاجِينَ.

العنصرُ الثالثُ: احرصْ عندَ توصيلِ الصدقةِ على حُسنِ إعطائِها وتقديمِها بما لا يجرحُ شعورَ أخيكَ المحتاجَ.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 14 أغسطس 2026م : الإحسانُ إلى المحتاجينَ بينَ صدقِ العبوديةِ وجمالِ السلوكِ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:

 الإحسانُ إلى المحتاجينَ بينَ صدقِ العبوديةِ وجمالِ السلوكِ

بتاريخ 1 ربيع الأول 1448هـ – 14 أغسطس 2026م

إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان

المـــوضــــــــــوع

الحمدُ للهِ الكريمِ المنَّانِ، ذي الفضلِ والإحسانِ، أحمدُه سبحانهُ وأشكرُه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ الإحسانَ سببًا لمحبتِهِ ورضوانِهِ، فقالَ سبحانهُ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرةِ: 195]. وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، إمامُ المحسنينَ وقدوةُ المتصدقينَ، صلى اللهُ وسلمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلهِ وصحابتِهِ أجمعينَ.

أمَّا بعدُ: فأوصيكمْ ـ عبادَ اللهِ ـ ونفسي بتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإنَّها خيرُ زادٍ ليومِ المعادِ، قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمرانِ: 102].

أيُّها المسلمونَ، إنَّ منْ أعظمِ ما تميَّزتْ بهِ شريعةُ الإسلامِ أنَّها أقامتِ المجتمعَ على الرحمةِ والتكافلِ والإحسانِ، وجعلتْ رعايةَ المحتاجينَ عبادةً يتقرَّبُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، ودليلًا على صدقِ إيمانِهِ وسلامةِ قلبِهِ. وسيكونُ حديثُنا اليومَ منْ خلالِ ثلاثةِ عناصرَ:

العنصرُ الأوَّلُ: الإحسانُ إلى المحتاجينَ عبادةٌ عظيمةٌ يحبُّها اللهُ تعالى.

العنصرُ الثاني: صُوَرٌ مُشْرِقَةٌ مِنْ إِحْسَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ إِلَى الْمُحْتَاجِينَ.

العنصرُ الثالثُ: احرصْ عندَ توصيلِ الصدقةِ على حُسنِ إعطائِها وتقديمِها بما لا يجرحُ شعورَ أخيكَ المحتاجَ.

العنصر الأول: الإحسانُ إلى المحتاجين عبادةٌ عظيمةٌ يحبُّها اللهُ تعالى

إنَّ الإحسانَ إلى المحتاجينَ ليسَ عملًا تطوعيًّا يُتركُ لهوى النفوسِ، ولا خُلُقًا ثانويًّا يُؤخذُ بهِ أو يُتركُ، وإنَّما هو عبادةٌ عظيمةٌ، وقُربةٌ جليلةٌ، وشعيرةٌ مِن شعائرِ الإسلامِ، جعلَها اللهُ مِن دلائلِ الإيمانِ، وربطَ بها محبَّتَهُ ورِضوانَهُ، وجعلَها سببًا للفلاحِ في الدنيا، والنجاةِ في الآخرةِ.

ولذلكَ لم يقتصرِ القرآنُ الكريمُ على الأمرِ بالإنفاقِ وحدَهُ، بل ارتقى بالمؤمنِ إلى منزلةٍ أعلى، فقالَ سبحانهُ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. تأمَّلوا – عبادَ اللهِ – هذا التعبيرَ الربانيَّ البليغَ؛ فلم يقلْ سبحانهُ: إنَّ اللهَ يُثيبُ المحسنينَ، أو يجزي المحسنينَ، وإنَّما قالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ ومحبَّةُ اللهِ لعبدِهِ هي الغايةُ التي يتسابقُ إليها المتنافسونَ، فإذا أحبَّ اللهُ عبدًا وفَّقَهُ إلى الخيرِ، وفتحَ لهُ أبوابَ الطاعةِ، وشرحَ صدرَهُ للبذلِ، وألقى لهُ القبولَ في الأرضِ، وكانتْ لهُ البشرى عندَ لقاءِ ربِّهِ.

قالَ الإمامُ الرازيُّ رحمهُ اللهُ: «وَأَحْسِنُوا أَيْ فِي الْإِنْفَاقِ فِي الطَّاعَةِ، وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ فِي إِخْلَافِهِ عَلَيْكُمْ». [تفسيرُ الرازيِّ، ج2، ص365].

أيُّها المؤمنونَ… وليسَ الإحسانُ إلى المحتاجينَ مقصورًا على بذلِ المالِ، بل يشملُ حسنَ القولِ والمعاملةِ، قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 273، 274].

قالَ محمدُ سيدُ طنطاويُّ رحمهُ اللهُ: «الذي يتدبَّرُ هذهِ الآيةَ الكريمةَ يراها مِن أجمعِ الآياتِ التي وردتْ في الحضِّ على بذلِ المالِ في وجوهِ الخيرِ، فقد كرَّرَ فيها فعلَ تُنْفِقُونَ ثلاثَ مراتٍ لمزيدِ الاهتمامِ بمدلولِهِ، وجيءَ بهِ مرتينِ بصيغةِ الشرطِ عندَ قصدِ بيانِ الملازمةِ بينَ الإنفاقِ والثوابِ، وجاءتْ كلُّ جملةٍ منها مستقلةً ببعضِ الأحكامِ لكي يسهلَ حفظُها وتأمُّلُها فتجريَ على الألسنةِ مجرى الأمثالِ، وتتناقلَها الأممُ والأجيالُ». [تفسيرُ الوسيطِ، ج1، ص625].

فيا عبادَ اللهِ، ابحثوا عن هؤلاءِ قبلَ أن تبحثوا عمَّن يسألُ؛ فإنَّ السؤالَ قد يُحسنُهُ كلُّ أحدٍ، أمَّا التعفُّفُ فلا يُطيقُهُ إلا أصحابُ النفوسِ الكبيرةِ. وربَّ فقيرٍ لا تعرفُ حاجتَهُ مِن ثيابِهِ، ولا مِن كلامِهِ، ولا مِن مظهرِهِ، وإنَّما يعرفُها مَن فتَّشَ عن أهلِ الحاجةِ، وعرفَ أحوالَ الناسِ، وجعلَ مِن مالِهِ نصيبًا للمتعفِّفينَ الذينَ لا يسألونَ.

وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ أنَّ المسكينَ الذي ينبغي أن يُبحثَ عنهُ ليسَ بالضرورةِ هو الذي يطوفُ على الأبوابِ، فقالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ». [البخاريُّ (1479)، ومسلمٌ (1039)].

أيها الأحبَّةُ… وهنا يظهرُ معنى عظيمٌ مِن معاني الإحسانِ؛ فليسَ المحسنُ هو الذي ينتظرُ حتى يأتيَهُ المحتاجُ فيعطيَهُ، وإنَّما مِن كمالِ إحسانِهِ أن يبحثَ عن المحتاجِ، وأن يتفقَّدَ أصحابَ الحاجاتِ المستورةِ، وأن يصلَ إلى الأرملةِ في بيتِها، وإلى اليتيمِ الذي لا يسألُ، وإلى المريضِ الذي أنهكَهُ العلاجُ، وإلى ربِّ الأسرةِ الذي أثقلتْهُ الديونُ، وهو يستحيي أن يشكوَ حالَهُ للناسِ.

ولمَّا كانَ الشيطانُ يُخوِّفُ الإنسانَ مِن الفقرِ إذا أنفقَ، ويزيِّنُ له الإمساكَ والبخلَ، ضربَ اللهُ أعظمَ الأمثالِ؛ ليطمئنَّ قلبُ المؤمنِ، وليعلمَ أنَّ المالَ الذي يُخرجُهُ للهِ لا يضيعُ، فقالَ سبحانهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]. قالَ الإمامُ الشعراويُّ رحمهُ اللهُ: «الآيةُ تعالجُ الشحَّ، وتؤكِّدُ أنَّ الصدقةَ لا تُنقصُ ما عندَ الإنسانِ، بل ستزيدُهُ. وبعدَ ذلكَ يقولُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ إنَّها لقطةٌ أخرى يوضِّحُ فيها الحقُّ: إيَّاكَ حينَ تُنفقُ مالَكَ في سبيلِ اللهِ وأنتَ طامعٌ في عطاءِ اللهِ أن تمنَّ على مَن تُعطيهِ أو تؤذيَهُ. والمنُّ هو أن يعتدَّ على مَن أحسنَ إليهِ بإحسانِهِ، ويُريَهُ أنَّهُ أوجبَ عليهِ حقًّا لهُ، وأنَّهُ أصبحَ صاحبَ فضلٍ عليهِ». [تفسيرُ الشعراويِّ، ج2، ص1147، 1148].

وتأمَّلوا – رحمكم الله – أنّ اللهَ سبحانه لم يذكر سبعمائة حسنةٍ مجرَّدةً، وإنَّما ضرب مثلَ الحبَّة التي تنبت منها السنابل، ثم تخرج من كلِّ سنبلةٍ حباتٌ كثيرةٌ؛ لأنَّ الزرع ينمو شيئًا بعد شيء، وفي ذلك تصويرٌ بديعٌ لتنمية الله تعالى لصدقة عبده، حتى يلقى العبد ربَّه وقد صار القليلُ الذي أخرجه من ماله شيئًا عظيمًا عند الله.

ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ». [البخاريُّ (1410)، ومسلمٌ (1014)]. قالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ: «هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِي الْأَحْكَامِ… وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنَ الْحَلَالِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْإِنْفَاقِ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوبَ وَالْمَأْكُولَ وَالْمَلْبُوسَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَلَالًا خَالِصًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ». [شرحُ النوويِّ على مسلمٍ، ج7، ص100].

عبادَ اللهِ… ومِن لطائفِ هذا الحديثِ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يقلْ: إنَّ اللهَ يُضاعفُها فقط، بل قالَ: «ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا»؛ وكأنَّ الصدقةَ التي يظنُّ صاحبُها أنَّها خرجتْ مِن مُلكِهِ قد بدأتْ عندَ اللهِ حياةً جديدةً، تنمو وتزدادُ، حتى تبلغَ مِن العظمةِ ما لا يخطرُ على قلبِ بشرٍ.

بل إنَّ النبيَّ ﷺ قطعَ الطريقَ على وسوسةِ الشيطانِ، وأقسمَ على أمرٍ لا ينطقُ فيهِ إلا بالحقِّ، فقالَ: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، فَاعْفُوا يُعِزَّكُمُ اللَّهُ، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ». [الترمذيُّ (2325)، وأحمدُ (18060)، حديثٌ صحيحٌ].

أيها المسلمونَ… إنَّ العبدَ حينَ يُخرجُ الصدقةَ لا ينبغي أن ينظرَ إلى المالِ الذي خرجَ مِن يدِهِ، بل ينظرَ إلى ما بقيَ لهُ عندَ اللهِ؛ فكم مِن مالٍ بقيَ في اليدِ ثمَّ ذهبَ، وكم مِن مالٍ خرجَ مِن اليدِ ثمَّ بقيَ لصاحبِهِ عندَ ربِّ العالمينَ.

ولهذا وعدَ اللهُ بالخلفِ، فقالَ سبحانهُ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]. وقالَ في الحديثِ القدسيِّ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ». [البخاريُّ (4684، 7411)، ومسلمٌ (993)].

فأيُّ وعدٍ أعظمُ مِن وعدِ اللهِ؟ وأيُّ خلفٍ أوفى مِن خَلَفِهِ؟ وأيُّ تجارةٍ أرجى مِن تجارةٍ يكونُ المشتري فيها هو اللهُ سبحانهُ وتعالى؟

أحبَّتي في اللهِ… وقد فهمَ السلفُ هذه الحقيقةَ، فلم تكنِ الصدقةُ عندهم مجردَ إخراجِ مالٍ، وإنَّما كانت يقينًا بما عندَ اللهِ، وثقةً بوعدِهِ، وإيمانًا بأنَّ ما عندَ اللهِ أبقى.

ومِن لطائفِ أخبارِ الزهَّادِ ما رُويَ عن حَيْوَةَ بنِ شُرَيْحٍ رحمهُ اللهُ: «كانَ حَيْوَةُ يأخذُ عطاءَهُ في السنةِ ستينَ دينارًا، فلم يطلعْ إلى منزلِهِ حتى يتصدَّقَ بها، ثم يجيءُ إلى منزلِهِ فيجدُها تحتَ فراشِهِ، وبلغَ ذلكَ ابنَ عمٍّ لهُ، فأخذَ عطاءَهُ فتصدَّقَ بهِ كلِّهِ، وجاءَ إلى تحتِ فراشِهِ فلم يجدْ شيئًا، فشكا إلى حَيْوَةَ، فقالَ: أنا أعطيتُ ربِّي بيقينٍ، وأنتَ أعطيتَهُ تجربةً». [سيرُ أعلامِ النبلاءِ، ج6، ص405].

اللهُ أكبرُ! ما الفرقُ بينَ مَن يتصدَّقُ لأنَّهُ يثقُ باللهِ، ومَن يتصدَّقُ ليختبرَ هل سيُخلِفُ اللهُ عليهِ أم لا؟! الأوَّلُ عبدٌ عرفَ ربَّهُ، والثاني ما زالَ قلبُهُ متعلِّقًا بما في يدِهِ.

أيها الأحبَّةُ… ومِن أعجبِ ما يبيِّنُ أثرَ الإحسانِ في حياةِ صاحبِهِ قصةُ الرجلِ الذي أخبرَ النبيُّ ﷺ عنهُ، فقالَ ﷺ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ – الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ – يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ». [مسلم (2984)].

اللهُ أكبرُ! سماءٌ تُؤمَرُ، وسحابٌ يُساقُ، وماءٌ يُوجَّهُ؛ لأنَّ في الأرضِ عبدًا عرفَ حقَّ اللهِ في مالِهِ، فلم يحتكرِ النعمةَ لنفسِهِ، ولم يجعلِ المالَ غايةً، وإنَّما جعلَهُ وسيلةً إلى رضوانِ اللهِ.

فتأمَّلوا ـ عبادَ اللهِ ـ كيفَ جعلَ هذا الرجلُ للمساكينِ والسائلينَ وابنِ السبيلِ نصيبًا مِن ثمرتِهِ، فجاءهُ إحسانُ اللهِ إليهِ، قالَ سبحانهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمنِ: 60]. فيا مَن وسَّعَ اللهُ عليهِ في الرزقِ، اجعلْ للمحتاجينَ نصيبًا مِن مالِكَ، واعلمْ أنَّ ما تُنفقُهُ اليومَ تجدْهُ غدًا عندَ ربِّكَ، وأنَّ أعظمَ الإحسانِ أنْ تعطيَ المحتاجَ ما يصونُ كرامتَهُ، ويحفظُ ماءَ وجهِهِ، ولا يتبعُهُ منٌّ ولا أذًى؛ وهذا هو الأدبُ الذي ستقفُ معهُ الخطبةُ الثانيةُ بإذنِ اللهِ تعالى. فاحرصوا ـ عبادَ اللهِ ـ على الإحسانِ إلى المحتاجينَ، وخاصةً المتعففينَ منهم، وأنفقوا مِن طيِّبِ أموالِكم، ولا تستصغروا صدقةً؛ فرُبَّ صدقةٍ قليلةٍ عظمتْ عندَ اللهِ بإخلاصِ صاحبِها.

العنصر الثاني: صُوَرٌ مُشْرِقَةٌ مِنْ إِحْسَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ إِلَى الْمُحْتَاجِينَ

إذا كانَ القرآنُ الكريمُ قد دعا إلى الإحسانِ، فإنَّ السنةَ النبويةَ قد جسدتْه واقعًا حيًّا يُرى، وسيرةً تُقتدى، فلم يكنِ الإحسانُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ كلماتٍ تُقالُ، ولا مواعظَ تُلقى، وإنما كانَ خلقًا يملأُ حياتَه كلَّها، حتى أثنى عليه ربُّه سبحانه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [الْقَلَمِ: 4].

وكانَ من أعظمِ أخلاقِه ﷺ الجودُ والإحسانُ وبذلُ المعروفِ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضي اللهُ عنهما: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ». [الْبُخَارِيُّ (6)، وَمُسْلِمٌ (2308)].

قالَ الإمامُ ابنُ رجبٍ رحمهُ اللهُ: «وَكَانَ جُودُهُ ﷺ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْجُودِ؛ مِنْ بَذْلِ الْعِلْمِ، وَبَذْلِ الْمَالِ، وَبَذْلِ النَّفْسِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي إِظْهَارِ دِينِهِ، وَهِدَايَةِ عِبَادِهِ، وَإِيصَالِ النَّفْعِ إِلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ». [لطائفِ المعارفِ، ص306].

أَيُّهَا المؤمنون… ولم يكنْ جودُ النبيِّ ﷺ جودَ منْ يعطي المالَ وينتظرُ المدحَ، بل كانَ جودَ منْ يعرفُ أنَّ ما عندَ اللهِ خيرٌ وأبقى، وأنَّ المالَ إذا وُضعَ في موضعِه لم يكنْ نقصانًا، بل كانَ ربحًا وذخرًا وسببًا لهدايةِ القلوبِ.

ومنْ أعجبِ المواقفِ في ذلكَ ما قالَه صفوانُ بنُ أميةَ رضي اللهُ عنهُ: «أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ». [التِّرْمِذِيُّ (666)، وَمُسْلِمٌ (2313)].

اللهُ أكبرُ! هكذا يصنعُ الإحسانُ بالقلوبِ؛ فقد تعجزُ الخطبُ والكلماتُ عن فتحِ قلبِ إنسانٍ، ويفتحُه معروفٌ صادقٌ، أو يدٌ رحيمةٌ، أو عطاءٌ كريمٌ؛ فإنَّ القلبَ قد يُغلقُه الجدلُ، وتفتحُه الرحمةُ، وقد تعجزُ الحجةُ عن إزالةِ الجفاءِ، ويفعلُ الإحسانُ ما لا تفعلُه الكلماتُ.

ومنْ هنا نفهمُ أنَّ الإحسانَ إلى المحتاجِ ليسَ مجردَ مالٍ ينتقلُ منْ يدٍ إلى يدٍ، بل قد يكونُ سببًا في انتقالِ قلبٍ منَ البغضِ إلى المحبةِ، ومنَ النفورِ إلى الألفةِ، ومنَ الجفاءِ إلى القربِ.

أَيُّهَا المسلمون… ولقد كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يتنافسونَ في الإحسانِ كما يتنافسُ أهلُ الدنيا في أموالِهم وتجاراتِهم، إلا أنَّ هؤلاءِ كانوا يعرفونَ أنَّ أعظمَ الربحِ ما كانَ عندَ اللهِ.

يقولُ عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنهُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا». [أَبُو دَاوُدَ (1678)، وَالتِّرْمِذِيُّ (3675)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ].

يَا لَهَا مِنْ منافسةٍ عظيمةٍ!

لمْ تكنِ المنافسةُ على دنيا، ولا على منصبٍ، ولا على جاهٍ، وإنَّما كانتْ منافسةً في مرضاةِ اللهِ سبحانهُ؛ فعمرُ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا أرادَ أنْ يسبقَ أبا بكرٍ في الخيرِ، لمْ يكنْ يحسدُهُ، بلْ كانَ يرغبُ في أنْ يلحقَ بهِ في ميدانِ الإحسانِ. وقالَ اللهُ تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [الْبَقَرَةِ: 148].

قالَ الإمامُ الطبريُّ رحمهُ اللهُ: «فاستبقوا، فبادروا وسَارعوا، من”الاستباق”، وهو المبادرة والإسراع» [تفسير الطبري، ج3، ص196]. فَاسْتَبِقُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَبَادِرُوا إِلَيْهَا.

ولكنْ تأملوا – عبادَ اللهِ – في موقفِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ؛ فلمَّا سألَهُ النبيُّ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» لمْ يقلْ: أبقيتُ لهمْ نصفَ مالي، ولا ثلثَهُ، بلْ قالَ: «أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ».

وهنا تظهرُ لطيفةٌ عظيمةٌ: أنَّ المؤمنَ قدْ يخرجُ منْ يدِهِ المالُ، ولكنَّ اليقينَ باللهِ يملأُ قلبَهُ؛ فلا يرى في العطاءِ ضياعًا، ولا في البذلِ خسارةً، بلْ يرى أنَّهُ يقدِّمُ لنفسِهِ شيئًا سيجدُهُ غدًا عندَ ربِّهِ.

أيُّها المؤمنونَ… ومن أروعِ صورِ الإحسانِ عندَ الصحابةِ رضي اللهُ عنهمْ موقفُ أبي طلحةَ الأنصاريِّ رضي اللهُ عنهُ، حينَ نزلَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 92]. كانَ أبو طلحةَ أكثرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالًا منْ نخلٍ، وكانَ أحبَّ أموالِهِ إليهِ بيرحاءَ، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يدخلُها ويشربُ منْ مائِها، فلمَّا نزلتِ الآيةُ قامَ أبو طلحةَ فقالَ: «يا رسولَ اللهِ، إنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاءَ، وإنَّها صدقةٌ للهِ، أرجو برَّها وذخرَها عندَ اللهِ، فضعْها حيثُ أراكَ اللهُ»، فقالَ النبيُّ ﷺ: «بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»، فقسمَها أبو طلحةَ في أقاربِهِ وبني عمِّهِ. [البخاريُّ (1461، 2769)، ومسلمٌ (998)]. اللهُ أكبرُ! أخرجَ أحبَّ أموالِهِ إليهِ، فقالَ النبيُّ ﷺ: «ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ»؛ فما خرجَ منْ يدِهِ لمْ يضعْ، بلْ صارَ ذخرًا عندَ اللهِ.

أيُّها المسلمونَ… ومنْ صورِ الإحسانِ التي تُربي على اليقينِ والتجرُّدِ قصةُ أبي الدحداحِ رضي اللهُ عنهُ، حينَ بلغَهُ قولُ اللهِ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرةِ: 245]، فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ، فأقرضَ اللهَ حائطَهُ، وكانَ فيهِ ستمائةُ نخلةٍ، وجاءَ في القصةِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ دَوَّاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ». [رواهُ أحمدُ (12482)، وابنُ حبانَ (7159)، صحيحٌ]. وفي رواياتِ القصةِ أنَّهُ لمَّا رجعَ إلى أهلِهِ أعلمَهُمْ بما صنعَ، فقالتْ زوجتُهُ أمُّ الدحداحِ رضي اللهُ عنها: «رَبِحَ الْبَيْعُ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ». يا لها منْ كلمةٍ تلخِّصُ يقينَ المؤمنِ بما عندَ اللهِ؛ فما خرجَ منْ أيديهمْ رأوهُ ربحًا وذخرًا عندَ ربِّهمْ.

عبادَ اللهِ… ومنْ صورِ الإحسانِ التي تجاوزتْ نفعَ الفردِ إلى نفعِ الجماعةِ ما عُرفَ عنْ عثمانَ بنِ عفانَ رضي اللهُ عنهُ منْ بذلِهِ في تجهيزِ جيشِ العُسرةِ، وشرائِهِ بئرَ رومةَ وجعلِها للمسلمينَ.

أيُّها المؤمنونَ… ولمْ تقفْ مدرسةُ الإحسانِ عندَ الصحابةِ، بلْ حملَها سلفُ الأمةِ، وكانوا ينظرونَ إلى الصدقةِ بعينِ اليقينِ بوعدِ اللهِ، لا بعينِ التجربةِ والاختبارِ؛ فالمؤمنُ لا يتصدَّقُ ليختبرَ هلْ سيُخلِفُ اللهُ عليهِ أمْ لا، وإنَّما يعطي وهو موقنٌ أنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ، وأنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ منْ أحسنَ عملًا.

وهكذا كانتْ مدرسةُ النبيِّ ﷺ مدرسةَ يقينٍ وإخلاصٍ وإيثارٍ، لا مدرسةَ عطاءٍ مجردٍ؛ فأبو طلحةَ أخرجَ أحبَّ أموالِهِ، وأبو الدحداحِ رأى العطاءَ ربحًا، وعثمانُ جعلَ مالَهُ نفعًا للغنيِّ والفقيرِ وابنِ السبيلِ، وسلفُ الأمةِ أعطوا وهمْ موقنونَ بوعدِ اللهِ.

أيُّها المسلمونَ… وإذا كانَ هؤلاءِ قدْ علَّمونا كيفَ نحسنُ إلى المحتاجِ، فإنَّ هناكَ أمرًا دقيقًا لا ينبغي أنْ نغفلَ عنهُ؛ فليسَ كلُّ عطاءٍ إحسانًا، فقدْ يعطي الرجلُ مالًا ثمَّ يجرحُ قلبَ الفقيرِ بكلمةٍ، أو يهينُهُ بنظرةٍ، أو يمنُّ عليهِ بعطيتِهِ، أو يؤذيهِ بإظهارِ فقرِهِ أمامَ الناسِ. وهنا يظهرُ كمالُ الإحسانِ الذي أرادَهُ اللهُ منَّا؛ فالمحسنُ الحقُّ لا يكتفي بإخراجِ مالِهِ، بلْ يحفظُ للمحتاجِ كرامتَهُ، ويصونُ ماءَ وجهِهِ، ولا يتبعُ عطيتَهُ منًّا ولا أذًى.

وهذا هو المعنى الذي سنقفُ معهُ في الخطبةِ الثانيةِ: كيفَ نعطي الفقيرَ منْ غيرِ أنْ نكسرَ قلبَهُ، وكيفَ نحسنُ إليهِ منْ غيرِ أنْ نؤذيهِ، وكيفَ نجعلُ عطيتَنا سترًا ورحمةً لهُ، لا منًّا ولا أذًى عليهِ.

فيا عبادَ اللهِ، أحسنوا إلى عبادِ اللهِ، وأخلصوا للهِ في إحسانِكمْ، وابحثوا عنْ أهلِ الحاجةِ، وخاصةً المتعففينَ منهمْ، وأنفقوا منْ طيِّبِ أموالِكمْ، ولا تستصغروا معروفًا؛ فرُبَّ عطاءٍ قليلٍ عظمَ عندَ اللهِ بإخلاصِ صاحبِهِ، ورُبَّ عطيةٍ كبيرةٍ ذهبتْ بركتُها بالمنِّ والأذى.

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أمرَ بالإحسانِ ونهى عنِ الأذى، وجعلَ حفظَ كرامةِ الإنسانِ منْ محاسنِ الأخلاقِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ وسلمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ؛ أمَّا بعدُ:

عبادَ اللهِ، اتقوا اللهَ تعالى، واعلموا أنَّ الصدقةَ لا يكونُ كمالُ إحسانِها بكثرةِ المالِ فقطْ، وإنما بحسنِ إعطائِها، وصيانةِ كرامةِ المحتاجِ، وإيصالِها إليهِ منْ غيرِ منٍّ ولا أذًى.

العنصرُ الثالثُ: احرصْ عندَ توصيلِ الصدقةِ على حُسنِ إعطائِها وتقديمِها بما لا يجرحُ شعورَ أخيكَ المحتاجَ

أولًا: أخلصوا للهِ تعالى عندَ إعطاءِ الصدقةِ، ولا تجعلوا إحسانَكم طلبًا للثناءِ

أيُّها المسلمونَ، أولُ ما ينبغي أنْ يعتنيَ بهِ المتصدِّقُ أنْ يصحِّحَ نيتَهُ؛ لأنَّ الصدقةَ عبادةٌ، والعبادةُ لا تكونُ مقبولةً إلا إذا أُريدَ بها وجهُ اللهِ تعالى، فلا تُعطِ لتُقالَ عنكَ كلمةُ: كريمٌ، ولا لتُمدحَ بينَ الناسِ، وإنَّما تُعطي لأنَّ اللهَ أمرَكَ بالإحسانِ، ولأنَّكَ ترجو ما عندَهُ.

قالَ سبحانهُ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسانِ: 9]. تأمَّلوا ـ عبادَ اللهِ ـ قولَهُمْ: ﴿لِوَجْهِ اللَّهِ﴾؛ فلمْ ينتظروا منَ الفقيرِ جزاءً، ولا شكرًا، ولا ثناءً، وإنَّما كانَ همُّهُمْ وجهَ اللهِ سبحانهُ؛ فالإخلاصُ هو الذي يحفظُ الصدقةَ منْ أنْ تتحوَّلَ منْ عبادةٍ إلى مظهرٍ، ومنْ إحسانٍ إلى طلبِ مكانةٍ في قلوبِ الناسِ.

ثانيًا: أعطوا المحتاجَ بطيبِ نفسٍ، واحفظوا كرامتَهُ، ولا تتبعوا صدقتَكمْ منًّا ولا أذًى

أيُّها المؤمنونَ، قدْ يكونُ المالُ قليلًا، ولكنَّ الكلمةَ الطيبةَ تجعلُ العطاءَ عظيمًا في قلبِ منْ أخذَهُ، وقدْ يكونُ المالُ كثيرًا، ولكنَّ الكلمةَ الجارحةَ تجعلُهُ مريرًا على صاحبِهِ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرةِ: 263]. وقالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ». [البخاريُّ (2989)، ومسلمٌ (1009)].

فإذا أعطيتَ الفقيرَ، فلا تُعطِهِ بوجهٍ عابسٍ، ولا بنظرةِ استعلاءٍ، ولا بعبارةٍ تشعرُهُ أنَّهُ عبءٌ عليكَ، ولا تجعلْ حاجتَهُ وسيلةً لتصويرِ عطائِكَ ونشرِه؛ فلا تُصوِّرْهُ وهو يأخذُ الصدقةَ، ولا تُظهرْ صورتَهُ وحالَهُ للناسِ لتُثبتَ لهمْ أنَّكَ منَ المحسنينَ؛ بل أعطِهِ وأنتَ مستشعرٌ أنَّ اللهَ هو الذي ساقَهُ إليكَ، وأنَّ حاجتَهُ بابٌ فتحَهُ اللهُ لكَ لتنالَ منهُ الأجرَ والثوابَ.

قالَ سبحانهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرةِ: 264]. قالَ الإمامُ القرطبيُّ رحمهُ اللهُ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ الَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ صَاحِبِهَا أَنَّهُ يَمُنُّ أَوْ يُؤْذِي بِهَا، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ». [الجامعُ لأحكامِ القرآنِ، ج3، ص309].

فيا منْ أعطيتَ، انسَ عطيتَكَ بعدَ أنْ أخرجتَها منْ يدِكَ، ولا تجعلْها قيدًا في عنقِ منْ أعطيتَهُ؛ فإنْ كنتَ تريدُ ثوابَها عندَ اللهِ، فلا تفسدْها باستحضارِها عندَ الناسِ، ولا تجعلْ إحسانَكَ القديمَ سببًا في كسرِ قلبِ أخيكَ.

ومنْ أعظمِ ما يحفظُ كرامةَ المحتاجِ أنْ تُعطيَهُ في سترٍ، بعيدًا عنْ أعينِ الناسِ، خصوصًا إذا كانَ منْ أهلِ التعففِ الذينَ يكرهونَ أنْ يعرفَ الناسُ حاجتَهُمْ. وقدْ أثنى النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ على منْ بلغَ في إخفاءِ صدقتِهِ مبلغًا عظيمًا، فقالَ في حديثِ السبعةِ: «ورجلٌ تصدقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تنفقُ يمينُهُ». [البخاريُّ (1423)، ومسلمٌ (1031)].

ثالثًا: ابحثوا عنِ المتعففِ، ولا تُحرجوا المحتاجَ، واجعلوا عطاءَكمْ على قدرِ حاجتِهِ

أيُّها الأحبةُ، منْ سوء العطاءِ أنْ تجعلَ الفقيرَ يقفُ أمامَكَ موقفَ المتهمِ، فتسألَهُ أسئلةً تحرجُهُ، وتدخلُ في خصوصياتِهِ، وربما اضطررتَهُ إلى أنْ يكشفَ لكَ منْ حالِهِ ما يستحيي أنْ يذكرَهُ لأحدٍ. نعمْ، قدْ يحتاجُ المتصدِّقُ إلى معرفةِ حالِ منْ يعطيهِ حتى يتحرَّى موضعَ الصدقةِ، ولكنَّ هناكَ فرقًا بينَ التثبُّتِ في موضعِ الصدقةِ وبينَ إذلالِ المحتاجِ واستجوابِهِ.

وقدْ وصفَ اللهُ أهلَ العفةِ فقالَ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرةِ: 273]. فكمْ منْ أرملةٍ لا تسألُ، وكمْ منْ أبٍ أثقلتْهُ الديونُ ولا يشكو، وكمْ منْ مريضٍ يتألَّمُ في صمتٍ، وكمْ منْ أسرةٍ تبدو أمامَ الناسِ مستقرةً، وهي في الحقيقةِ تعاني منْ ضيقٍ لا يعلمُهُ إلا اللهُ.

فابحثوا عنْ هؤلاءِ، ولا تنتظروا أنْ تمدَّ أيديَهُمْ؛ فإنَّ منْ كمالِ الإحسانِ أنْ تصلَ إلى المحتاجِ قبلَ أنْ تضطرَّهُ الحاجةُ إلى السؤالِ، وأنْ تعرفَ ما يحتاجُ إليهِ فعلًا؛ فقدْ يكونُ محتاجًا إلى دواءٍ، أو غارقًا في دينٍ، أو عاجزًا عنْ دفعِ إيجارِ مسكنٍ، أو محتاجًا إلى علاجِ طفلٍ، فالعاقلُ لا يسألُ فقطْ: كمْ سأعطي؟ وإنَّما يسألُ: كيفَ يكونُ عطائي أنفعَ لهُ؟

ومنْ لطائفِ أخبارِ الزهادِ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ رحمهُ اللهُ كانَ يتفقَّدُ إخوانَهُ وأهلَ الحاجةِ، ويقدِّمُ لهمْ منْ مالِهِ في السرِّ، حتى قالَ الذهبيُّ رحمهُ اللهُ في ترجمتِهِ: «كانَ ابنُ المباركِ كثيرَ الحجِّ، كثيرَ الغزوِ، وكانَ رجلًا موسرًا، ينفقُ على أصحابِهِ في السفرِ، وكانَ ينفقُ عليهمْ منْ مالِهِ». [سيرُ أعلامِ النبلاءِ، ج8، ص378].

فليستِ المسألةُ أنْ تعطيَ فقطْ، وإنَّما أنْ تُحسنَ اختيارَ موضعِ العطاءِ، وأنْ تجعلَ صدقتَكَ في الموضعِ الذي تكونُ فيهِ أحوجَ وأنفعَ.

رابعًا: أعطوا منْ طيِّبِ ما تحبُّونَ، لا ممَّا تريدونَ التخلُّصَ منهُ

عبادَ اللهِ، منْ الإحسانِ أنْ تختارَ للمحتاجِ كما تختارُ لنفسِكَ، فلا تبحثْ في بيتِكَ عنْ أردإِ ما عندَكَ ثمَّ تقولُ: هذا للفقراءِ، ولا تجعلِ الفقيرَ مكانًا تتخلَّصُ فيهِ منَ الأشياءِ التي لمْ تعدْ ترغبُ فيها.

قالَ سبحانهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرةِ: 267]. وقالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». [البخاريُّ (1417)، ومسلمٌ (1016)].

فالقليلُ إذا كانَ طيِّبًا، وخرجَ منْ قلبٍ صادقٍ، قدْ يبلغُ عندَ اللهِ مبلغًا عظيمًا؛ أمَّا أنْ تجعلَ الفقيرَ موضعًا للتخلُّصِ ممَّا لا تريدُ، فليسَ منْ كمالِ الإحسانِ.

أيُّها المسلمونَ، هذهِ هيَ الصدقةُ التي يريدُها الإسلامُ: مالٌ يصلُ إلى المحتاجِ، وكرامةٌ تبقى لهُ، وأجرٌ يبقى لكَ؛ فإذا أعطيتَ مالًا وحفظتَ كرامتَهُ فقدْ أحسنتَ، وإذا سترتَ حاجتَهُ فقدْ أحسنتَ، وإذا طيَّبتَ خاطرَهُ فقدْ أحسنتَ، وإذا لمْ تمنَّ عليهِ ولمْ تؤذِهِ فقدْ أحسنتَ.

قالَ سبحانهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرةِ: 263].

فيا عبادَ اللهِ، أحسنوا إذا أعطيتمْ، وأخلصوا إذا أنفقتمْ، واستتروا إذا تصدقتمْ، وارحموا إذا رأيتمْ محتاجًا، ولا تجعلوا الفقيرَ يدفعُ منْ كرامتِهِ ثمنًا لعطيتِكمْ؛ فإنَّ أجملَ الصدقاتِ ما خرجتْ منْ يدٍ لا تنتظرُ شكرًا، ومنْ قلبٍ لا ينتظرُ مدحًا، ووصلتْ إلى محتاجٍ في سترٍ، ومعها كلمةٌ طيبةٌ، وبشاشةٌ صادقةٌ، ورحمةٌ تحفظُ لهُ ماءَ وجهِهِ.

اللهمَّ اجعلْنا منَ المحسنينَ، وطهِّرْ قلوبَنا منَ الرياءِ، وأعمالَنا منَ السمعةِ، وأموالَنا منَ الحرامِ، وألسنتَنا منَ الأذى، وارزقْنا صدقَ الإخلاصِ وحسنَ العطاءِ وحفظَ كرامةِ الفقراءِ والمساكينِ، واجعلْ أموالَنا عونًا لنا على طاعتِكَ ولا تجعلْها فتنةً لنا.

المراجع: القرآن الكريم

كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن ابن ماجه، سنن أبي داود، سنن الترمذي، صحيح ابن حبان، المستدرك للحاكم.

ثالثًا: كتب التفسير وشروح الحديث وغيرهما: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، التفسيرُ الكبيرُ للرازي، تفسير الشعراوي، تفسير الوسيط لطنطاوي، شرح البخاري لابن حجر، شرح مسلم للنووي، حليةُ الأولِياءِ لأبي نعيم، سيرُ أعلامِ النبلاءِ للذهبي، لطائفِ المعارفِ لابن رجب الحنبلي،

د. أحمد رمضان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى