خطبة الجمعة القادمة 4 سبتمبر : سيِّدُنا محمَّدٌ ﷺ الأسوةُ الحسنةُ، بتاريخ 22 ربيع الأول 1448هـ للدكتور محروس حفظي.

عناصر خطبة الجمعة القادمة 4 سبتمبر 2026م. بعنوان: سيِّدُنا محمَّدٌ ﷺ الأسوةُ الحسنةُ ، للدكتور محروس حفظي :
(1) أهمِّيَّةُ الأسوةِ الحسنةِ بينَ الأفرادِ والمجتمعاتِ.
(2) مِنْ مواطنِ الأسوةِ الحسنةِ في السنَّةِ النبويَّةِ.
(3) وجوبُ تطبيقِ الأسوةِ الحسنةِ في حياتِنا.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 4 سبتمبر 2026م بعنوان: سيِّدُنا محمَّدٌ ﷺ الأسوةُ الحسنةُ ، للدكتور محروس حفظي : كما يلي:
سيِّدُنا محمَّدٌ ﷺ الأسوةُ الحسنةُ
بتاريخ 22 ربيع الأول 1448هـ = الموافق 4 سبتمبر 2026 م
الحمدُ للهِ حمدًا يوافي نِعَمَهُ، ويكافئُ مزيدَهُ، لكَ الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهِكَ، ولعظيمِ سلطانِكَ، والصلاةُ والسلامُ الأتمَّانِ الأكملانِ على سيِّدِنا محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أمَّا بعدُ،،،
- أهمِّيَّةُ الأسوةِ الحسنةِ بينَ الأفرادِ والمجتمعاتِ:
لقدِ اختارَ اللهُ رسولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ واصطفاهُ ليكونَ خاتمَ النبيِّينَ، وقدوةً للعالمينَ أجمعينَ، قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزابُ: 21]، فكانَ خيرَ معلِّمٍ وأفضلَ قائدٍ عرفَتْهُ البشريَّةُ، ومهما كانَ أفرادُ المجتمعِ صالحينَ فهُمْ في مسيسِ الحاجةِ للاقتداءِ بالنماذجِ الحيَّةِ، والقدواتُ كغيرِها مِنَ الطاقاتِ تتوفَّرُ في زمنٍ، وتَنعدمُ في آخرَ حتى تبلغَ مَبلغَ الأزمةِ، ويصبحَ الرجلُ القدوةُ عملةً نادرةً كما وردَ عنِ ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ، لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً» [مسلمٌ]، وكلَّما ازدادتِ القدواتُ انتشرَ العلمُ، وتلاشتِ المنكراتُ، وحلَّ الأمنُ والحبُّ في الأفرادِ والمجتمعاتِ.
إنَّ الرؤيةَ بالعينِ المجرَّدةِ خيرُ مثالٍ، وأيسرُ طريقٍ لإيصالِ المرادِ، وترسيخِهِ في ذهنِ السامعِ، فهيَ تصيبُ مِنَ القلوبِ أعظمَ ممَّا تصيبُ الكلمةُ مهما كانتْ مؤثِّرةً، كما أنَّها تحقِّقُ الانضباطَ النفسيَّ؛ فعنِ ابنِ عمرَ، قالَ: اتَّخذَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خاتمًا مِنْ ذهبٍ، فاتَّخذَ الناسُ خواتيمَ مِنْ ذهبٍ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ» فنبذَهُ، وقالَ: «إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا»، فنبذَ الناسُ خواتيمَهُمْ. [رواهُ البخاريُّ]. أرأيْتَ كيفَ أنَّ الفعلَ أبلغُ مِنَ القولِ حيثُ نبذوا خواتيمَهُمُ التي صنعوها مِنْ ذهبٍ لمَّا نبذَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خاتَمَهُ اقتداءً بفعلِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهذا مطلقُ الاقتداءِ بِهِ والتأسِّي.
قالَ ابنُ حجرٍ حينَ عرَّفَ بالصحابيِّ «الجُلَنْدَى» ملكِ عُمانَ: (إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعثَ إليهِ عمرَو بنَ العاصِ يدعوهُ إلى الإسلامِ، قالَ الجُلَنْدَى: «لقدْ دلَّني على هذا النبيِّ الأمِّيِّ أنَّهُ لا يأمرُ بخيرٍ إلَّا كانَ أوَّلَ آخذٍ بِهِ، ولا ينهى عنْ شرٍّ إلَّا كانَ أوَّلَ تاركٍ لهُ…، وأنَّهُ يفي بالعهدِ، ويُنجزُ الوعدَ، وأشهدُ أنَّهُ نبيٌّ»). اهـ. [الإصابةُ في تمييزِ الصحابةِ].
ألا فلْيتَّخذِ المسلمونَ في هذا الوقتِ الراهنِ مِنْ مواقفِ صاحبِ الدعوةِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قدوةً وأسوةً، إنْ أرادوا أنْ يَبنوا لأمَّتِهِمْ مجدًا، ولبلادِ الإسلامِ عزًّا ونصرًا، وللمسلمينَ وحدةً وقوَّةً ورفعةً، فإنَّ اللهَ أمرَ عبادَهُ المؤمنينَ بالتأسِّي بالنبيِّ الأمينِ، وقدْ وجدْنا في النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والصحبِ الكرامِ تطبيقًا عمليًّا لهذِهِ الأسوةِ، فكانوا مَضرِبَ المثلِ في نشرِ القيمِ والمبادئِ التي دعا إليها الإسلامُ، وترجموا بأفعالِهِمْ تعاليمَ دينِهِمْ، فكانوا عنصرًا أساسيًّا في بناءِ مجتمعٍ قائمٍ على المساواةِ والعدلِ، والرحمةِ والتكافلِ، والشجاعةِ، والتضحيةِ والإيثارِ، وكانوا سببًا لدخولِ الأممِ في دينِ اللهِ أفواجًا؛ لمَا رأَوْهُ مِنَ السُّموِّ الأخلاقيِّ في سيرتِهِمُ المباركةِ، وكفانا فخرًا أنْ نرى الكثيرَ مِنَ الباحثينَ الأجانبِ يدرسونَ الإسلامَ برويَّةٍ وإمعانٍ، ويُبدونَ إعجابَهُمْ بشخصيَّةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأخلاقِهِ الفريدةِ، وأخلاقِ صحبِهِ الكرامِ البررةِ.
لا يَسهُلُ على النشءِ إدراكُ المعاني المجرَّدةِ؛ لذا فهو لا يقتنعُ بأوامرِ والدَيْهِ بمجرَّدِ سماعِها، بلْ يحتاجُ إلى مثالٍ عمليٍّ يدعمُ تلكَ الأخلاقَ في قلبِهِ، ويجعلُهُ يُقبلُ عليها، حتى تتكوَّنَ لديهِ الثقةُ والمحبَّةُ، وترسخَ القيمُ والمبادئُ في نفوسِ المدعوِّينَ، وهذا أمرٌ لمْ يَغفلْ عنهُ سلفُنا الصالحُ؛ ولذا أرشدوا إليهِ المربِّينَ، فها هوَ عمروُ بنُ عتبةَ يُرشدُ معلِّمَ ولدِهِ قائلًا: «ليكنْ أوَّلُ إصلاحِكَ لبنيَّ إصلاحَكَ لنفسِكَ؛ فإنَّ عيونَهُمْ معقودةٌ بعينِكَ، فالحسنُ عندَهُمْ ما صنعْتَ، والقبيحُ عندَهُمْ ما تركْتَ». [“تاريخُ دمشقَ”].
(2) مِنْ مواطنِ الأسوةِ الحسنةِ في السنَّةِ النبويَّةِ:
أوَّلًا: الصبرُ وتحمُّلُ الأذى والصعابِ: خاطبَ اللهُ نبيَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعدَ ذكرِ طائفةٍ مِنَ الرسلِ فقالَ: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعامُ: 90]، وحينَما اشتدَّتْ عليهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صنوفُ الأذى والاضطهادِ مِنْ قومِهِ خاطبَهُ ربُّهُ قائلًا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ [الأحقافُ: 35].
قالَ الفخرُ الرازيُّ: (إنَّ خصالَ الكمالِ، وصفاتِ الشرفِ كانتْ مفرَّقةً فيهِمْ بأجمعِهِمْ، فداودُ وسليمانُ كانا مِنْ أصحابِ الشكرِ على النعمةِ، وأيوبُ كانَ مِنْ أصحابِ الصبرِ على البلاءِ، ويوسفُ كانَ مستجمِعًا لهاتَيْنِ الحالتَيْنِ، وموسى صاحبُ الشريعةِ القويَّةِ، والمعجزاتِ الظاهرةِ، وزكريَّا ويحيى وعيسى وإلياسُ كانوا أصحابَ الزهدِ، وإسماعيلُ كانَ صاحبَ الصدقِ، ويونسُ صاحبُ التضرُّعِ، فثبتَ أنَّهُ تعالى إنَّما ذكرَ كلَّ واحدٍ مِنْ هؤلاءِ الأنبياءِ؛ لأنَّ الغالبَ عليهِ كانَ خصلةً معيَّنةً مِنْ خصالِ المدحِ والشرفِ، ثمَّ إنَّهُ تعالى لمَّا ذكرَ الكلَّ أمرَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بأنْ يقتديَ بهِمْ بأسرِهِمْ، فكانَ التقديرُ كأنَّهُ أمرَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يجمعَ مِنْ خصالِ العبوديَّةِ والطاعةِ كلَّ الصفاتِ التي كانتْ مفرَّقةً فيهِمْ بأجمعِهِمْ، ولَمَّا أمرَهُ اللهُ بذلكَ امتنعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ قصَّرَ في تحصيلِها، فثبتَ أنَّهُ حصَّلَها ومتى كانَ الأمرُ كذلكَ ثبتَ أنَّهُ اجتمعَ فيهِ مِنْ خصالِ الخيرِ ما كانَ متفرِّقًا فيهِمْ بأسرِهِمْ).
ونحنُ في طريقِ بناءِ أنفسِنا وأولادِنا وأزواجِنا حتمًا سنتعرَّضُ للفتنِ، وتقلباتِ الحياةِ، فلا سبيلَ إلَّا توطينُ النفسِ على احتمالِ المكارهِ مِنْ غيرِ ضجرٍ، والتأنِّي في انتظارِ النتائجِ مهما بَعُدَتْ، والاقتداءُ بالمعصومِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الذي ذاقَ صنوفًا مِنَ الأذى وكذا الأنبياءُ مِنْ قبلِهِ، وتلكَ سنَّةٌ ربَّانيَّةٌ؛ فعنْ عبدِ اللهِ، قالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا فِي القِسْمَةِ، -فقامَ رجلٌ وطعنَ في ذلكَ– فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ .، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». [متَّفقٌ عليهِ].
ثانيًا: العفوُ والتسامحُ والرفقُ واللينُ: لقدْ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ متسامحًا معَ البشرِ، يعفو عنهُمْ ويصفحُ، وقدْ سُئِلَتِ السيِّدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها عَنْ خلقِ رسولِ اللهِ، فقالَتْ: «لَمْ يَكُنْ فَاحِشاً وَلاَ مُتَفَحِّشاً وَلاَ صَخَّاباً في الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَجْزِى بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ» [رواهُ الترمذيُّ]. وقدْ جعلَ اللهُ تعالى خلقَ العفوِ مِنْ صفاتِ المؤمنينَ المتَّقينَ، فقالَ تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آلُ عمرانَ: 133، 134]، فالسماحةُ تتمثَّلُ في العفوِ عمَّنْ أساءَ، وفي صلةِ مَنْ قطعَ، وفي إعطاءِ مَنْ منعَ، كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ في وصيَّتِهِ لعقبةَ رضيَ اللهُ عنهُ: «يَا عُقْبَةُ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، أَلَا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ ذَا رَحِمِهِ» [رواهُ الحاكمُ في “المستدركِ”].
وانظرْ في تعاملِهِ معَ مَنْ لا يحسنُ الصلاةَ كيفَ علَّمَهُ برفقٍ ويسرٍ وسهولةٍ دونَ قسوةٍ أوِ استعلاءٍ فعَنْ أبي هريرةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ السَّلَامَ قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فرجعَ الرجلُ فصلَّى كما كانَ صلَّى، ثمَّ جاءَ إلى النبيِّ فسلَّمَ عليهِ فقالَ رسولُ اللهِ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ» ثمَّ قالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» حتى فعلَ ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، فقالَ الرجلُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ ما أُحسنُ غيرَ هذا علِّمْني، قالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» [رواهُ أحمدُ].
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رفيقًا ليِّنًا عطوفًا رحيمًا معَ المخطئينَ؛ لأنَّهُ يعلمُ أنَّهُمْ يحتاجونَ إلى مَنْ يأخذُ بأيديهِمْ؛ فعنْ عمرَ بنِ الخطابِ «أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [رواهُ البخاريُّ].
ثالثًا: في تعاملِهِ معَ أهلِ بيتِهِ: تعاملَ معَ أهلِ بيتِهِ بكلِّ رحمةٍ وسهولةٍ وبساطةٍ، فلمْ يُؤثَرْ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ آذى امرأةً أوْ شقَّ عليهِنَّ؛ فعنْ عائشةَ قالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ، وَلَا جَلَدَ خَادِمًا لَهُ قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ تُنْتَهَكُ مَحَارِمُ اللهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» [رواهُ النسائيُّ في “السننِ الكبرى”].
كما كانَ يقومُ بخدمةِ ورعايةِ أهلِ بيتِهِ، سُئِلَتْ عائشةُ: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ» [رواهُ ابنُ حبانَ].
وكانَ يمزحُ معَ أهلِ بيتِهِ بما لا يخلُّ بوقارِهِ؛ فعنْ عائشةَ قالَتْ: «زَارَتْنَا سَوْدَةُ يَوْمًا فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِحْدَى رِجْلَيْهِ فِي حِجْرِي، وَالْأُخْرَى فِي حِجْرِهَا، فَعَمِلْتُ لَهَا حَرِيرَةً، أَوْ قَالَ: «خَزِيرَةً» فَقُلْتُ: كُلِي، فَأَبَتْ فَقُلْتُ: ” لَتَأْكُلِي، أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ وَجْهَكِ، فَأَبَتْ، فَأَخَذْتُ مِنَ الْقَصْعَةِ شَيْئًا فَلَطَّخْتُ بِهِ وَجْهَهَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجْلَهُ مِنْ حِجْرِهَا تَسْتَقِيدُ مِنِّي، فَأَخَذَتْ مِنَ الْقَصْعَةِ شَيْئًا فَلَطَّخَتْ بِهِ وَجْهِي، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ، فَإِذَا عُمَرُ يَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُومَا فَاغْسِلَا وُجُوهَكُمَا، فَلَا أَحْسِبُ عُمَرَ إِلَّا دَاخِلًا» [رواهُ النسائيُّ في “السننِ الكبرى”].
ونبيُّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يستشيرُ أزواجَهُ: ومِنْ ذلكَ استشارتُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأمِّ سلمةَ في صلحِ الحديبيَةِ عندما أمرَ أصحابَهُ بنحرِ الهديِ وحلقِ الرأسِ فلمْ يفعلوا؛ فما كانَ منها إلَّا أنْ جاءَتْ بالرأيِ الصائبِ: «اخرجْ يا رسولَ اللهِ! فاحلقْ وانحرْ، فحلقَ ونحرَ؛ فإذا بأصحابِهِ كلِّهِمْ يقومونَ قومةَ رجلٍ واحدٍ فيحلقونَ وينحرونَ» [رواهُ البخاريُّ].
لقدْ كانَ رسولُنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نموذجًا فريدًا في حفظِ العشرةِ؛ فهو لمْ ينسَ ما فعلَتْهُ معَهُ السيِّدةُ خديجةُ رضيَ اللهُ عنها فكانَ يكرمُ صُوَيْحِباتِها بعدَ موتِها؛ فعَنْ عائشةَ قالَتْ: «دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ بِطَعَامٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَغْمُرْ يَدَيْكَ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذِهِ كَانَتْ تَأْتِينَا أَيَّامَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ أَوْ حَفِظَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواهُ الطبرانيُّ]، وللهِ دَرُّ القائلِ:
احرصْ على حفظِ القلوبِ مِنَ الأذى … فرجوعُها بعدَ التنافرِ يصعبُ
إنَّ النفوسَ إذا تنافرَ ودُّها … مثلُ الزجاجةِ كسرُها لا يُشعبُ
رابعًا: في عباداتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: المتأمِّلُ في التشريعاتِ التي جاءَتْ على لسانِ خيرِ البشرِ، ليلمسُ فيها اليسرَ والسهولةَ والرفقَ والرحمةَ، والجانبَ الإنسانيَّ الذي يقدِّرُ إنسانيَّةَ المسلمِ، قالَ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحجُّ: 78]. وعَنْ أبي موسى قالَ: كانَ رسولُ اللهِ إذا بعثَ أحدًا مِنْ أصحابِهِ في بعضِ أمرِهِ، قالَ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا». [متَّفقٌ عليهِ]. وعَنْ عائشةَ، قالَتْ «… وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ» [متَّفقٌ عليهِ].
وعنْ عائشةَ أيضًا قالَتْ: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ فِي أَمْرٍ يُنْتَهَكُ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حُرْمَةٌ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رواهُ أبو داودَ].
وفي موقفٍ يسمعُ بكاءَ الصبيِّ فيخفِّفُ في صلاتِهِ كراهيةَ أنْ يشقَّ على أمِّهِ؛ فعنْ أنسِ بنِ مالكٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ» [متَّفقٌ عليهِ].
خامسًا: في مشاعرِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومشاركةِ الناسِ آلامَهُمْ وفرحَهُمْ: كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يشاركُ الناسَ مشاعرَهُمْ وهمومَهُمْ وآلامَهُمْ وآمالَهُمْ، فيفرحُ ويُظهرُ الفرحَ عندَ المسرَّاتِ، ويُظهرُ مشاعرَ الحزنِ والأسى والبكاءِ عندَ الآلامِ، ولمْ يكنْ مِنْ هَدْيِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العبوسُ والتكشيرُ، وإنَّما كانَ بسَّامًا، فها هوَ وجهُهُ الكريمُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يستنيرُ مِنَ الفرحِ والسرورِ، عندما تابَ اللهُ على الثلاثةِ المخلَّفينَ عنْ غزوِ تبوكَ، قالَ كعبٌ: «فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ قَالَ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ قَالَ: لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ». [متَّفقٌ عليهِ].
وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بسَّامًا يحبُّ إدخالَ الفرحِ والضحكِ على قلوبِ مَنْ حولَهُ مِنْ ذلكَ؛ فتذكرُ كتبُ السنَّةِ مزاحَهُ معَ زاهرِ بنِ حرامٍ «وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ، وَكَانَ رَجُلًا دَمِيمًا، فَأَتَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَلَا يُبْصِرُهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا، فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ لَا يَأْلُو مَا أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِصَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ أَوْ قَالَ: «لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْتَ غَالٍ» [رواهُ أحمدُ].
كما كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يجعلُ لأصحابِهِ مِنْ محنِهِمْ مِنَحًا، ومِنَ الحزنِ فرحًا، ومِنَ الألمِ أملًا؛ فعنْ أبي سعيدٍ قالَ: «أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مترفِّقًا بحالِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» [رواهُ مسلمٌ]، والمعنى: أنَّهُ ليسَ لكُمْ زجرُهُ وحبسُهُ؛ لأنَّهُ ظهرَ إفلاسُهُ، بلْ يُخلَّى ويُمهَلُ إلى أنْ يحصلَ لهُ مالٌ، فيأخذَ الدائنونَ ديونَهمْ بعدَ ما يحصلُ لهُ مالٌ، وليسَ معناهُ إبطالَ ديونِهِمْ.
سادسًا: احترامُ الإنسانِ كإنسانٍ: لقدْ كرَّمَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الإنسانَ مِنْ حيثُ إنَّهُ إنسانٌ بغضِّ النظرِ عنْ لونِهِ وجنسِهِ وعرقِهِ، والمتأمِّلُ في سيرتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يجدُ أنَّ مظاهرَ تكريمِهِ للإنسانِ أكثرُ مِنْ أنْ تُحصى حتى في حالِ الموتِ؛ فعنْ سهلِ بنِ حنيفٍ، وقيسِ بنِ سعدٍ: «كانا قَاعِدَيْنِ بِالقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالاَ: إِنَّ النَّبِيَّ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا» [متَّفقٌ عليهِ].
(3) وجوبُ تطبيقِ الأسوةِ الحسنةِ في حياتِنا:
علينا أنْ نعيَ عِظَمَ وخطورةَ «الأسوةِ الحسنةِ»؛ لأنَّهُ لا خيرَ في مربٍّ يتشدَّقُ بمبادئَ لا يحقِّقُها سلوكيًّا في نفسِهِ؛ ولذا نهانا اللهُ عنِ التناقضِ بينَ القولِ والفعلِ فقالَ سبحانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصفُّ: 2، 3]، وللهِ دَرُّ القائلِ:
لا تنهَ عنْ خلقٍ وتأتيَ مثلَهُ … عارٌ عليكَ إذا فعلْتَ عظيمُ
ابدأْ بنفسِكَ وانْهَها عنْ غيِّها … فإذا انتهَتْ عنهُ فأنتَ حكيمُ
فهناكَ يُقبَلُ ما وعظْتَ ويُقتدى … بالعلمِ منكَ وينفعُ التعليمُ
علينا أنْ نُفعِّلَ القدوةَ في حياتِنا كلِّها معَ الأزواجِ، والأصدقاءِ، وفي الشوارعِ، وأماكنِ العملِ والقيادةِ؛ ففي «غزوةِ الأحزابِ» أعطى نبيُّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ القدوةَ العمليَّةَ في مشاركتِهِ لأصحابِهِ العملَ والنَّصَبَ، والآلامَ والآمالَ، فقدْ كانَ على رأسِ هذِهِ المهمَّةِ الشاقَّةِ في حفرِ الخندقِ، وكانَ لمشاركتِهِ الفعليَّةِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأصحابِهِ أثرٌ عظيمٌ في خلقِ الروحِ العاليةِ التي سيطرَتْ عليهِمْ؛ فعنِ البراءِ، قالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ» [متَّفقٌ عليهِ]، وقدْ عبَّرَ عنْ هذِهِ المعاني صحابةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بإنشادِهِمْ:
لئنْ قعدْنا والنبيُّ يعملُ … لذاكَ منَّا العملُ المضلَّلُ
لقدْ كانتْ أخلاقُهُ تجسيدًا عمليًّا لما جاءَ في القرآنِ الكريمِ؛ فعنْ سعدِ بنِ هشامِ بنِ عامرٍ قالَ: أتيْتُ عائشةَ، فقلْتُ: يا أمَّ المؤمنينَ أخبريني بخلقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، قالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» [رواهُ أحمدُ]، وتعني ــ رضيَ اللهُ عنها ــ بذلكَ: أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يتأدَّبُ بما جاءَ في القرآنِ مِنْ آدابٍ طيِّبةٍ، ويتخلَّقُ بما ذُكِرَ فيهِ مِنْ أخلاقٍ عاليةٍ، ويعملُ بما جاءَ فيهِ مِنْ مكارمَ وصفاتٍ طيِّبةٍ جليلةٍ، ترفعُهُ في الدنيا والآخرةِ.
فما أحوجَنا إلى أنْ نتأسَّى بِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ذكرى مولدِهِ، يقولُ الباحثُ الفرنسيُّ «كليمان هوارت»: «لمْ يكنْ محمَّدٌ نبيًّا عاديًّا، بلِ استحقَّ بجدارةٍ أنْ يكونَ خاتمَ الأنبياءِ؛ لأنَّهُ قابلَ كلَّ الصعابِ التي قابلَتْ كلَّ الأنبياءِ الذينَ سبقوهُ مضاعفةً مِنْ بني قومِهِ، ولوْ أنَّ المسلمينَ اتَّخذوا رسولَهُمْ قدوةً في نشرِ الدعوةِ لأصبحَ العالمُ مسلمًا». اهـ.
نسألُ اللهَ أنْ يرزقَنا حسنَ العملِ، وفضلَ القبولِ، إنَّهُ أكرمُ مسؤولٍ، وأعظمُ مأمولٍ، اللهمَّ أورِدْنا حوضَ نبيِّكَ، واحشرْنا في زمرتِهِ، وأنِلْنا شفاعتَهُ، واجعلْنا في الجنَّةِ بجوارِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، واجعلْ بلدَنا مصرَ سخاءً رخاءً، أمنًا أمانًا سلمًا سلامًا وسائرَ بلادِ العالمينَ، ووفِّقْ ولاةَ أمورِنا لما فيهِ نفعُ البلادِ والعبادِ.
كتبه: الفقير إلى عفو ربه الحنان المنان د / محروس رمضان حفظي عبد العال
مدرس التفسير وعلوم القرآن – كلية أصول الدين والدعوة – أسيوط


