خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة : “سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ”،22 ربيعِ الأوَّلِ 1448هـ – 4 سبتمبرَ 2026م للدكتور خالد بدير

عناصر خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بديربتاريخ 4 سبتمبر 2026 بعنوان : سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ:

أوَّلًا: الرسولُ ﷺ القدوةُ والأسوةُ.

ثانيًا: صورٌ مشرقةٌ مِنْ تأسِّي الصحابةِ بالرسولِ ﷺ.

ثالثًا: وجوبُ التأسِّي والاقتداءِ بالرسولِ ﷺ.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير، بتاريخ 4 سبتمبر 2026 بعنوان : سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الأُسْوَةُ الحَسَنَةُ. كما يلي:

خطبةٌ بعنوانِ: سيِّدُنا محمَّدٌ ﷺ.. الأسوةُ الحسنةُ
22 ربيعِ الأوَّلِ 1448هـ – 4 سبتمبرَ 2026م

الحمدُ للهِ نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونتوبُ إليهِ، ونستغفرُهُ، ونؤمنُ بِهِ، ونتوكَّلُ عليهِ، ونعوذُ بِهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأنَّ سيِّدَنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:

أوَّلًا: الرسولُ ﷺ القدوةُ والأسوةُ.

إنَّ القدوةَ والأسوةَ في الدعوةِ والعبادةِ والأخلاقِ والتربيةِ هيَ أفعلُ الوسائلِ جميعًا، وأقربُها إلى النجاحِ، وقدْ كانَ ﷺ صورةً حيَّةً لتعاليمِ الإسلامِ الساميةِ في كلِّ شيءٍ، رأَى الناسُ فيهِ الإسلامَ رأْيَ العينِ، فهو أَعظمُ قدوةٍ وأسوةٍ في تاريخِ البشريةِ كلِّها، ولقدْ تحرَّكَتْ نفوسُ الناسِ بقدرِ وسعِها نحو التطبيقِ والعملِ، يقتبسونَ مِنْ نورِهِ ويتعلَّمونَ مِنْ آدابِهِ. يقولُ الإمامُ ابنُ حزمٍ: “مَنْ أرادَ خيرَ الآخرةِ، وحكمةَ الدنيا، وعدلَ السيرةِ، والاحتواءَ على محاسنِ الأخلاقِ كلِّها، واستحقاقَ الفضائلِ بأسرِها، فلْيقتدِ بمحمَّدٍ ﷺ، ولْيستعملْ أخلاقَهُ وسِيَرَهُ ما أمكنَهُ”. (الأخلاقُ والسِّيَرُ).

فهوَ ﷺ القدوةُ والأسوةُ والمعلِّمُ والمربِّي الحكيمُ، وهوَ إمامُ الدعاةِ الذي أمرَ اللهُ ربُّنا أنْ نقتديَ بِهِ في عبادتِنا ودعوتِنا وأخلاقِنا وسلوكيَّاتِنا ومعاملاتِنا وفي جميعِ أمورِ حياتِنا، قالَ تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. [يوسفُ: 108].

ومِنْ أبرزِ الأمثلةِ على القدوةِ في شخصِ رسولِنا ﷺ ما كانَ عليهِ مِنْ أخلاقٍ قبلَ البعثةِ، حيثُ كانَ يُعرَفُ قبلَ الرسالةِ بالصادقِ الأمينِ، وما جرَّبَ قومُهُ عليهِ كذبًا قطُّ، ولقدْ شهدَتْ لهُ زوجُهُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها؛ وهيَ ألصقُ الناسِ بِهِ، وأكثرُهُمْ وقوفًا على أفعالِهِ في بيتِهِ، بأنَّهُ ﷺ: “كانَ خلقُهُ القرآنَ”، (مسلمٌ).

يقولُ الإمامُ الشاطبيُّ: “وإنَّما كانَ ﷺ خلقُهُ القرآنَ لأنَّهُ حكَّمَ الوحيَ على نفسِهِ حتى صارَ في عملِهِ وعلمِهِ على وفقِهِ، فكانَ للوحيِ موافقًا قائلًا مذعنًا ملبِّيًا واقفًا عندَ حكمِهِ”. فكانَ ﷺ قرآنًا يمشي على الأرضِ. ولقدْ شهدَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى لهُ بالأخلاقِ العظيمةِ في كلِّ الأمورِ في حياتِهِ ﷺ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلمُ: 4)، مِنْ أجلِ ذلكَ ارتضاهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى للبشريَّةِ كلِّها بأنَّهُ القدوةُ الحسنةُ، والأسوةُ الطيِّبةُ في كلِّ ما يصدرُ عنهُ مِنْ أقوالٍ وأفعالٍ، وهذِهِ الخاصِّيَّةُ كانتْ مِنْ أعظمِ الأدلَّةِ على صدقِهِ فيما جاءَ بِهِ، إذْ قدْ جاهرَ بالأمرِ وهوَ مؤتمرٌ، وبالنهيِ وهوَ منتهٍ، وبالوعظِ وهوَ متَّعِظٌ، وبالتخويفِ وهوَ أوَّلُ الخائفينَ، وبالترجيةِ وهوَ سائقُ دابَّةِ الراجينَ، وحقيقةُ ذلكَ كلِّهِ جعلُهُ الشريعةَ المنزَّلةَ عليهِ حجَّةً حاكمةً عليهِ، ودلالةً لهُ على الصراطِ المستقيمِ الذي سارَ عليهِ ﷺ.

لقدْ كانَ نبيُّ الرحمةِ محمَّدٌ ﷺ أسوةً في أقوالِهِ وأفعالِهِ. قالَ تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزابُ: 21). وهذِهِ الآيةُ الكريمةُ أصلٌ كبيرٌ في التأسِّي برسولِ اللهِ ﷺ في أقوالِهِ وأفعالِهِ وأحوالِهِ، ولهذا أمرَ اللهُ تباركَ وتعالى الناسَ بالتأسِّي بِهِ ﷺ؛ فكانَ إذا أمرَ بشيءٍ أوْ نادى بِهِ فعلَهُ أوَّلًا قبلَ الناسِ، ليتأسَّوْا بِهِ ويعملوا كما عملَ، وفي السيرةِ النبويَّةِ شواهدُ على ذلكَ كثيرةٌ، منها:

أنَّهُ لمَّا تمَّ صلحُ الحديبيَةِ بينَ المسلمينَ وقريشٍ ونصُّوا في بنودِها أنْ يرجعَ المسلمونَ هذا العامَ بلا أداءِ العمرةِ ويعودوا في العامِ القادمِ، أمرَ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ أنْ ينحروا الهديَ ويتحلَّلوا مِنْ إحرامِهِمْ فقالَ: “قوموا فانحروا ثمَّ احلقوا”؛ فتكاسلَ الصحابةُ حيثُ إنَّ الشروطَ كانتْ جائرةً على المسلمينَ، فدخلَ رسولُ اللهِ ﷺ على السيِّدةِ أمِّ سلمةَ مغضبًا، وأخبرَها بتخلُّفِ الناسِ عنْ أمرِهِ، فأشارَتْ عليهِ ﷺ بأنْ يُسرعَ في التنفيذِ أمامَهُمْ، فقامَ ﷺ فحلقَ رأسَهُ، ونحرَ هديَهُ، وتسابقَ الصحابةُ في التطبيقِ حتى كادَ بعضُهُمْ يقتلُ بعضًا مِنْ شدَّةِ الزحامِ!

ومِنْ أبرزِ الأمثلةِ في السيرةِ النبويَّةِ الشريفةِ أيضًا على كونِهِ ﷺ كانَ يبدأُ بنفسِهِ قبلَ الناسِ ليقتديَ الناسُ بِهِ، موقفُهُ في بناءِ المسجدِ؛ حيثُ كانَ يشاركُ الصحابةَ في الحفرِ ونقلِ الترابِ، ورفعِ البناءِ، وكانوا يرتجزونَ أثناءَ عملِهِمْ بقولِهِمْ:

لئن قعدنا والرسول يعملُ……………… لذاك منا العمل المضللُ

وشاركَهمْ ﷺ في حفرِ الخندقِ حولَ المدينةِ، عندما سمعَ بقدومِ الأحزابِ لاستئصالِ شأفةِ المسلمينَ في المدينةِ، وكانَ لهُ قسمٌ مثلَهُمْ يباشرُ الحفرَ معَهُمْ بيدِهِ، ويحملُ الترابَ على كتفِهِ، وإذا استعصَتْ عليهِمْ مشكلةٌ سارعوا إليهِ يلتمسونَ منهُ حلًّا لها بمعولِهِ، فكانَ هذا كلُّهُ دافعًا للصحابةِ على العملِ، ومقوِّيًا لهمَمِهِمْ وعزائمِهِمْ، فلمْ يكسلوا أوْ يتوانَوْا؛ حيثُ يرَوْنَ قائدَهُمْ ورسولَهُمْ معَهُمْ في خندقٍ واحدٍ، يعملُ كما يعملونَ، ويأكلُ ممَّا يأكلونَ، وينامُ على مثلِ ما ينامونَ، وما زادَهُمْ ذلكَ إلَّا إيمانًا وتسليمًا.

وهكذا كانَ ﷺ قدوةً وأسوةً للصحابةِ الكرامِ؛ بلْ للأمَّةِ جمعاءَ؛ في أخلاقِهِ وتعاملاتِهِ معَ المسلمينَ وغيرِ المسلمينَ؛ وفي بيعِهِ وشرائِهِ؛ وفي عبادتِهِ لربِّهِ؛ وفي حياتِهِ كلِّها؛ وهذا ما سنعرفُهُ في عنصرِنا التالي إنْ شاءَ اللهُ تعالى!

ثانيًا: صورٌ مشرقةٌ مِنْ تأسِّي الصحابةِ بالرسولِ ﷺ.

تعالَوْا بنا في عنصرِنا هذا لنعرضَ صورًا مشرقةً لاقتداءِ وتأسِّي الصحابةِ بالرسولِ ﷺ في كلِّ شيءٍ.

فقدْ أرشدَ النبيُّ ﷺ صحابتَهُ إلى أنْ يقتدوا بِهِ في أقوالِهِ وأفعالِهِ، ولا سيَّما في العباداتِ، فلمْ يُعِدَّ مجلسًا لشرحِ أركانِ الصلاةِ وسننِها ومبطلاتِها كما نفعلُ الآنَ، وإنَّما قالَ: “صلُّوا كما رأيْتُموني أصلِّي” (البخاريُّ)، وفي الحجِّ قالَ: “خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ” (مسلمٌ). ولَمَّا علمَ الرسولُ شدَّةَ اقتداءِ الصحابةِ بِهِ ﷺ وخاصَّةً في مناسكِ الحجِّ خشيَ عليهِمُ الازدحامَ والتقاتلَ في أداءِ المناسكِ فرفعَ عنهُمُ الحرجَ؛ فعنْ جابرٍ، قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ: “قدْ نحرْتُ هاهنا، ومِنى كلُّها منحرٌ، ووقفَ بعرفةَ، فقالَ: قدْ وقفْتُ هاهنا، وعرفةُ كلُّها موقفٌ، ووقفَ بالمزدلفةِ، فقالَ: قدْ وقفْتُ هاهنا، والمزدلفةُ كلُّها موقفٌ” (أبو داودَ).

تصوَّرْتُ هذا المشهدَ مِنِ ازدحامِ الناسِ عندَ جبلِ الرحمةِ في أرضِ عرفاتٍ وقلْتُ: لوْ قالَ النبيُّ ﷺ: وقفْتُ ها هنا وهذا هوَ الموقفُ!! ونحرْتُ ها هنا وهذا هوَ المنحرُ!! لتقاتلَ الناسُ وهلكَ الكثيرُ؛ ولكنَّهُ ﷺ كانَ رحيمًا بأمَّتِهِ.

ولذلكَ كانَ عمرُ – رضيَ اللهُ عنهُ- يقبِّلُ الحجرَ الأسودَ ويقولُ: واللهِ إنِّي أعلمُ أنَّكَ حجرٌ لا تنفعُ ولا تضرُّ؛ ولولا أنِّي رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقبِّلُكَ ما قبَّلْتُكَ! (متَّفقٌ عليهِ).

وفي الصيامِ اتَّبعوهُ ﷺ واقتدَوْا بِهِ في الوصالِ؛ فنهاهُمْ رحمةً ورأفةً بهِمْ وشفقةً عليهِمْ؛ فعنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: “نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟! إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ؛ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ؛ فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ؛ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا” (البخاريُّ).

ولشدَّةِ اقتداءِ الصحابةِ بِهِ ﷺ اتَّبعوهُ في خلعِ نعلِهِ أثناءَ الصلاةِ، معَ أنَّ هذا الأمرَ خاصٌّ بِهِ– لعارضٍ- دونَ غيرِهِ.

فقدْ أخرجَ أبو داودَ والحاكمُ والبيهقيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِذْ وَضَعَ نَعْلَيْهِ عَلَى يَسَارِهِ فَأَلْقَى النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاةَ، قَالَ: “مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟”، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ فَأَلْقَيْنَا، فَقَالَ: “إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا أَوْ أَذًى فَمَنْ رَأَى – يَعْنِي – فِي نَعْلِهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا”.

أختمُ هذِهِ الصورَ والمواقفَ في شدَّةِ التأسِّي والاقتداءِ بِهِ ﷺ بموقفٍ رائعٍ لسيِّدِنا عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما؛ فقدْ رُوِيَ أنَّ الرسولَ ﷺ مرَّ على طريقٍ يومًا ثمَّ نزلَ مِنْ فوقِ ظهرِ ناقتِهِ، وصلَّى ركعتينِ، فصنعَ ابنُ عمرَ ذلكَ إذا جمعَهُ السفرُ بنفسِ البقعةِ والمكانِ.. فسُئِلَ عنْ ذلكَ؟ فقالَ: رأيْتُ الرسولَ ﷺ يفعلُ ذلكَ ففعلْتُ! بلْ إنَّهُ ليذكرُ أنَّ ناقةَ الرسولِ دارَتْ بِهِ دورتينِ في هذا المكانِ بمكَّةَ، قبلَ أنْ ينزلَ الرسولُ مِنْ فوقِ ظهرِها، ويصلِّيَ ركعتينِ، وقدْ تكونُ الناقةُ فعلَتْ ذلكَ تلقائيًّا لتهيِّئَ لنفسِها مَناخَها؛ لكنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ لا يكادُ يبلغُ هذا المكانَ يومًا حتى يدورَ بناقتِهِ، ثمَّ ينيخَها، ثمَّ يصلِّيَ ركعتينِ للهِ.. تمامًا كما رأى المشهدَ مِنْ قبلُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ!

حتى في الأطعمةِ كانوا يحبُّونَ الأطعمةَ التي يحبُّها رسولُ اللهِ ﷺ اقتداءً وتأسيًا بِهِ ﷺ!

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبْزًا وَمَرَقًا، فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ «يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ»، قَالَ: «فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ». (البخاريُّ).

يقولُ الإمامُ ابنُ حجرٍ: “فيهِ الحرصُ على التشبُّهِ بأهلِ الخيرِ والاقتداءِ بهِمْ في المطاعمِ وغيرها، وفيهِ فضيلةٌ ظاهرةٌ لأنسٍ لاقتفائِهِ أثرَ النبيِّ ﷺ حتى في الأشياءِ الجِبلِّيَّةِ، وكانَ يأخذُ نفسَهُ باتِّباعِهِ فيها”. (فتحُ الباري).

وبعدُ، فهذا غيضٌ مِنْ فيضٍ لصورِ اقتداءِ وتأسِّي الصحابةِ برسولِ اللهِ ﷺ في جميعِ أقوالِهِ وأفعالِهِ وأحوالِهِ؛ فعلينا الاقتداءُ والتأسِّي بِهِ ﷺ كما سيأتي مفصَّلًا في عنصرِنا التالي إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

ثالثًا: وجوبُ التأسِّي والاقتداءِ بالرسولِ ﷺ.

يجبُ على المسلمينَ الاقتداءُ والتأسِّي برسولِ اللهِ ﷺ لأنَّهُ خيرُ قدوةٍ لنا. قالَ ذو النونِ المصريُّ: “مِنْ علاماتِ المحبِّ للهِ عزَّ وجلَّ متابعةُ حبيبِ اللهِ ﷺ في أخلاقِهِ وأفعالِهِ وأوامرِهِ وسننِهِ“.

فعلينا أنْ نقتديَ بالرسولِ ﷺ في جميعِ أقوالِهِ وأفعالِهِ. فعنْ جابرٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ في خطبةِ الوداعِ يومَ عرفةَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ». قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ». (مسلمٌ.

وهوَ القائلُ ﷺ: “عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ؛ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ؛ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ”. (أبو داودَ والترمذيُّ، وصحَّحَهُ).

إنَّ القدوةَ والأسوةَ في حياةِ الرسولِ ﷺ أبهرَتِ العالمَ أجمعَ؛ ولمْ يكنْ عجيبًا أنْ تصنَعَ تلكَ الشخصيَّةُ المتفرِّدةُ ذاكَ الأثرَ الكبيرَ في نفوسِ الصحابةِ، ليُقدِّموا نجاحاتٍ مُبهرةً على الصعيدِ الفرديِّ والجماعيِّ، وفي المجالِ العمليِّ والعلميِّ والحضاريِّ والسياسيِّ والعسكريِّ والاجتماعيِّ؛ الأمرُ الذي جعلَ (ليوبولد فايس) يقولُ عنْ سنَّةِ النبيِّ والاقتداءِ بِهِ: إنَّ العملَ بسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ هوَ عملٌ على حفظِ كيانِ الإسلامِ وعلى تقدُّمِهِ، وإنَّ تركَ السنَّةِ هوَ انحلالُ الإسلامِ!

ويقولُ الباحثُ الفرنسيُّ كليمان هوارت: “لمْ يكنْ محمَّدٌ نبيًّا عاديًّا، بلِ استحقَّ بجدارةٍ أنْ يكونَ خاتمَ الأنبياءِ، لأنَّهُ قابلَ كلَّ الصعابِ التي قابلَتْ كلَّ الأنبياءِ الذينَ سبقوهُ مضاعفةً مِنْ بني قومِهِ… نبيٌّ ليسَ عاديًّا مَنْ يقسمُ أنَّهُ “لوْ سرقَتْ فاطمةُ ابنتُهُ لقطعَ يدَها”! ولوْ أنَّ المسلمينَ اتَّخذوا رسولَهُمْ قدوةً في نشرِ الدعوةِ لأصبحَ العالمُ مسلمًا“.

إنَّ الأسوةَ والقدوةَ علمٌ وعملٌ؛ فيجبُ على العالِمِ أوِ المربِّي أنْ يعملَ بما يعلمُ أوْ يقولُ، حتى تؤتيَ القدوةُ ثمارَها، وإلَّا كانتْ هباءً منثورًا لا وزنَ لها ولا تأثيرَ. ولقدْ ذمَّ اللهُ هؤلاءِ بقولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصفُّ: 2، 3). قالَ مالكُ بنُ دينارٍ رحمهُ اللهُ: “إنَّ العالِمَ إذا لمْ يعملْ بعملِهِ زلَّتْ موعظتُهُ عنِ القلوبِ كما تزلُّ القطرةُ عنِ الصَّفا“.

إنَّ حالَ مَنْ خالفَ قولُهُ فعلَهُ في دعوتِهِ وتربيتِهِ كحالِ مَنْ قالَ:

لقدْ أسمعْتَ لوْ ناديتَ حيًّا……ولكنْ لا حياةَ لمَنْ تنادي

ولوْ نارًا نفخْتَ بها أضاءَتْ….. ولكنْ أنتَ تنفخُ في رمادِ

إنَّنا يجبُ أنْ نكونَ قدوةً لأبنائِنا وبناتِنا ونسائِنا وجميعِ أفرادِ مجتمعِنا إذا كنَّا نريدُ أنْ نبنيَ مجتمعًا فاضلًا مؤسَّسًا على القِيَمِ والفضائلِ والأخلاقِ النبويَّةِ الفاضلةِ!

نسألُ اللهَ أنْ يرزقَنا حبَّ نبيِّنا واتِّباعَهُ والاقتداءَ بِهِ ومرافقتَهُ ﷺ في الجنةِ،

وأنْ يحفظَ مصرَنا مِنْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.

الدعاء،،،،،،،                                        وأقم الصلاة،،،،،                    كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى