خطبة الجمعة القادمة بعنوان : تكاليف الزواج بين المبالغة والاعتدال 6 ذو القعدة 1447هـ – 24 إبريل 2026م للدكتور خالد بدير

خُطبةٌ بعنوان: تكاليف الزواج بين المبالغة والاعتدال.
6 ذو القعدة 1447هـ – 24 إبريل 2026م
تعديل موضوع الخطبة القادمة
(الأرض المباركة)
والثانية
تكاليف الزواج بين المغالاة والاعتدال
المـــوضــــــــــوعُ
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولًا: دعوة الإسلام إلى التيسير في الزواج.
لقد شرعَ اللهُ الزواجَ وجعلَهُ آيةً من آياتِهِ فقالَ تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. (الروم: 21). قالَ الإمامُ البغويُّ: “جعلَ بينَ الزوجينِ المودةَ والرحمةَ فهما يتوادَّانِ ويتراحمانِ، وما شيءٌ أحبُّ إلى أحدِهما من الآخرِ من غيرِ رحمٍ بينهما.” (تفسيرُ البغويِّ).
لذلك حثَّ الإسلامُ على حسنِ اختيارِ الزوجةِ لأنها أساسُ بناءِ الأسرةِ كما أنها مضنةُ الولدِ الصالحِ لتكونَ أمًّا مربيةً تقيةً طاهرةً عفيفةً، تعينُ أبناءَها على التربيةِ الصالحةِ، لقولِ الرسولِ ﷺ: “تنكحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها ولحسبِها وجمالِها ولدينِها، فاظفرْ بذاتِ الدينِ تربتْ يداكَ” (متفقٌ عليه). ومن هنا يرى علماءُ التربيةِ أنَّ دورَ الأمِّ في تربيةِ الطفلِ يسبقُ دورَ الأبِ، وذلك لكثرةِ ملازمتِها للطفلِ منذ تكوينِهِ جنينًا في بطنِها حتى يكبرَ. وصدقَ الشاعرُ حافظُ إبراهيمَ إذ يقولُ: الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها………… أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراقِ.
بل إنَّ الرسولَ ﷺ دفعَ الشبابَ دفعًا إلى تحقيقِ هذهِ السنةِ، موضِّحًا فوائدَ ذلكَ ومنافعَهُ فقالَ:” يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ: مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ؛ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ” (متفق عليه)، وقد كان كل ذلك وغيره من النصوص دافعًا قويًّا إلى إجلال الزواج، واعتباره إحدى المسائل المهمة التي يجب على المسلم أن يَتَفَكَّرَ فيهَا، ويسعى إلى تحقيقها. كذلك حثَّ على اختيارِ الزوجِ صاحبِ الدينِ والخلقِ، وفي ذلك يقولُ ﷺ:” إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟! قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.” ( الترمذي وحسنه).
وقد أرشدَنا الشارعُ الحكيمُ إلى أنَّ الزواجَ سبيلٌ وطريقٌ إلى الغنى والتنحِّي عن الفقرِ وإزالتِهِ، فقالَ تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (النور: 32). “قالَ أبو بكرٍ رضي اللهُ عنهُ: أطيعوا اللهَ فيما أمرَكم بهِ من النكاحِ، يُنجِزْ لكم ما وعدَكم من الغنى”. (تفسيرُ ابنِ كثيرٍ).
وهذهِ قصةٌ واقعيَّةٌ يرويها الإمامُ الزمخشريُّ رحمهُ اللهُ فيقولُ: “لقد كانَ عندَنا رجلٌ رازحُ الحالِ، ثم رأيتُهُ بعدَ سنينَ وقد انتعشتْ حالُهُ وحسنتْ، فسألتُهُ؟ فقالَ: كنتُ في أولِ أمري على ما علمتَ، وذلكَ قبلَ أن أُرزقَ ولدًا، فلمَّا رُزقتُ بكرَ ولدي تراخيتُ عن الفقرِ، فلمَّا وُلدَ لي الثاني زدتُ خيرًا، فلمَّا تتاموا ثلاثةً صبَّ اللهُ عليَّ الخيرَ صبًّا، فأصبحتُ إلى ما ترى”. (الكشافُ).
فاللهُ تعالى في عونِ كلِّ من أقبلَ على الزواجِ. فعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: “ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونُهم: المجاهدُ في سبيلِ اللهِ، والمكاتبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي يريدُ العفافَ”. (الترمذيُّ وحسَّنهُ). لذلكَ حثَّنا الشارعُ على التيسيرِ في الزواجِ لأنَّهُ سبيلُ الخيرِ والبركةِ. فعن عائشةَ رضي اللهُ عنها: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أعظمُ النساءِ بركةً أيسرُهنَّ صداقًا». (أحمدُ والحاكمُ وصحَّحهُ ووافقهُ الذهبيُّ). قالَ الإمامُ المناويُّ: “أرادَ المرأةَ التي قنعتْ بالقليلِ من الحلالِ عن الشهواتِ وزينةِ الحياةِ الدنيا، فخفَّتْ عنهُ كلفتُها، ولم يلتجئْ بسببِها إلى ما فيهِ حرمةٌ أو شبهةٌ، فيستريحَ قلبُهُ وبدنُهُ من التعنُّتِ والتكلُّفِ، فتعظمَ البركةُ لذلكَ”. (فيضُ القديرِ).
وعن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ رضي اللهُ عنها، أنَّها قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «من يُمنِ المرأةِ أن يتيسَّرَ خطبتُها، وأن يتيسَّرَ صداقُها، وأن يتيسَّرَ رحمُها» قالَ عروةُ: «يعني يتيسَّرُ رحمُها للولادةِ» قالَ عروةُ: “وأنا أقولُ من عندي: من أولِ شؤمِها أن يكثرَ صداقُها”. (أحمدُ والحاكمُ وصحَّحهُ). قالَ المناويُّ: “وتيسيرُ صداقِها أي عدمُ التشديدِ في تكثيرِهِ ووجدَ أنَّهُ بيدِ الخاطبِ من غيرِ كدٍّ في تحصيلِهِ. وتيسيرُ رحمِها: أي للولادةِ بأن تكونَ سريعةَ الحملِ كثيرةَ النسلِ”. (فيضُ القديرِ).
ومن حرصِ سيِّدِنا عمرَ بنِ الخطابِ على تيسيرِ الزواجِ وعدمِ المغالاةِ في المهورِ؛ “خطبَ عمرُ رضي اللهُ عنهُ فقالَ: ألا لا تُغالوا في صدقاتِ النساءِ فإنَّها لو كانت مكرمةً في الدنيا أو تقوى عندَ اللهِ لكانَ أولاكم بها رسولُ اللهِ؛ ما أصدقَ قطُّ امرأةً من نسائِهِ ولا بناتِهِ فوقَ اثنتي عشرةَ أوقيةً. فقامتْ إليهِ امرأةٌ فقالتْ: يا عمرُ، يعطينا اللهُ وتحرمُنا! أليسَ اللهُ سبحانهُ وتعالى يقولُ: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}. [النساء: ٢٠] فقالَ عمرُ: أصابتْ امرأةٌ وأخطأَ عمرُ”. (تفسيرُ القرطبيِّ). “قالَ ابنُ العربيِّ: وهذا لم يقلْهُ عمرُ على طريقِ التحريمِ، وإنَّما أرادَ بهِ الندبَ إلى التعليمِ”. (أحكامُ القرآنِ لابنِ العربيِّ). وهكذا حثَّ الإسلامُ على التيسيرِ في تكاليفِ الزواجِ كما جاءَ في نصوصِ القرآنِ والسنةِ.
ثانيًا: التيسيرُ في الزواجِ صورٌ ونماذجُ مشرقةٌ.
تعالوا بنا في هذا العنصرِ لنعرضَ لكم صورًا مشرقةً من سلفِنا الصالحِ، وكيف كانَ الصداقُ عندَهم، وكيف حلَّتِ البركةُ والسعادةُ في بيوتِهم المتواضعةِ. فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِى لَكَ. فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلاً فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ ». فَقَالَ مَا عِنْدِى إِلاَّ إِزَارِى هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « إِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ وَلاَ إِزَارَ لَكَ فَالْتَمِسْ شَيْئًا ». قَالَ لاَ أَجِدُ شَيْئًا. قَالَ « فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ». فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « فَهَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَىْءٌ ». قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. لِسُوَرٍ سَمَّاهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ». (أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح).
عليًّا فاطمةَ قالَ: «يا عليُّ، لا تدخلْ على أهلِكَ حتى تقدِّمَ لهم شيئًا» فقالَ: ما لي شيءٌ يا رسولَ اللهِ، فقالَ: «أعطِها درعَكَ الحُطَميَّةَ» قالَ ابنُ أبي روادٍ: قالَ أبي: «فقوَّمتُ الدرعَ أربعمائةٍ وثمانينَ درهمًا». (أحمدُ والنسائيُّ وابنُ حبانَ بسندٍ صحيحٍ). “والحطميةُ: منسوبةٌ إلى حطمةَ بطنٍ من عبدِ القيسِ كانوا يعملونَ الدروعَ. ويقالُ إنَّها الدرعُ السابغةُ التي تحطمُ السلاحَ”. (معالمُ السننِ للخطابيِّ).
وقد تزوجتْ سيدتُنا أمُّ سليمٍ زوجَها طلحةَ وجعلتْ مهرَها إسلامَهُ، فما أعظمَها وأكرمَ مهرَها، فعن أنسٍ قالَ: «خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا»، قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ: الْإِسْلَامَ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ. (النسائي في السنن الكبرى بسند صحيح).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:” جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فقال: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَار، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ «عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟»، قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَل، مَا عَنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ»، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فيهم”. (مسلم). قالَ النوويُّ: “معنى هذا الكلامِ: كراهةُ إكثارِ المهرِ بالنسبةِ إلى حالِ الزوجِ”. (شرحُ مسلمٍ). وقالَ القرطبيُّ: “هو إنكارٌ بالنسبةِ إلى هذا الرجلِ، فإنَّهُ كانَ فقيرًا في تلكَ الحالةِ، وأدخلَ نفسَهُ في مشقَّةٍ تُعرِّضُ للسؤالِ بسببِها، ولهذا قالَ: «ما عندَنا ما نُعطيكَ»، ثم إنَّهُ ﷺ لكرمِ أخلاقِهِ، جبرَ انكسارَ قلبِهِ بقولِهِ: «ولكن عسى أن نبعثَكَ في بعثٍ – أي سريةٍ للغزوِ – فتصيبَ منهُ فبعثَهُ»”. (المفهمُ لما أشكلَ من تلخيصِ كتابِ مسلمٍ – أبو العباسِ القرطبيُّ).
أختمُ هذهِ الصورَ بقصةِ التابعيِّ الجليلِ سعيدِ بنِ المسيبِ، والذي زوَّجَ ابنتَهُ لطالبِ علمٍ في مجلسِهِ، ورفضَ تزويجَ ابنتِهِ في قصرِ الملكِ. وأتركُ المجالَ لأبي وداعةَ نفسِهِ يروي القصةَ بقولِهِ: “كنتُ أُجالسُ سعيدَ بنَ المسيبِ ففقدني أيامًا، فلما جئتُهُ قالَ: أينَ كنتَ؟ قلتُ: توفيتْ أهلي فاشتغلتُ بها، فقالَ: هلا أخبرتنا فشهدناها. قالَ: ثم أردتُ أن أقومَ فقالَ: هلا أحدثتَ امرأةً غيرَها. فقلتُ: يرحمُكَ اللهُ ومن يزوجني وما أملكُ إلا درهمينِ أو ثلاثةً. فقالَ: إن أنا فعلتُ تفعلُ؟ قلتُ: نعم، ثم حمدَ اللهَ تعالى وصلى على النبيِّ ﷺ وزوجني على درهمينِ أو قالَ على ثلاثةٍ، قالَ: فقمتُ وما أدري ما أصنعُ من الفرحِ، فصرتُ إلى منزلي، وجعلتُ أتفكرُ ممن آخذُ وأستدينُ، وصليتُ المغربَ، وكنتُ صائمًا، فقدمتُ عشاي لأفطرَ، وكان خبزًا وزيتًا، وإذا بالبابِ يُقرعُ، فقلتُ: من هذا؟ قالَ: سعيدٌ، ففكرتُ في كلِّ إنسانٍ اسمُهُ سعيدٌ إلا سعيدَ بنَ المسيبِ، فإنهُ لم يُرَ منذُ أربعينَ سنةً إلا ما بينَ بيتِهِ والمسجدِ، فقمتُ وخرجتُ، وإذا بسعيدِ بنِ المسيبِ، فظننتُ أنهُ قد بدا لهُ، فقلتُ: يا أبا محمدٍ، هلا أرسلتَ إليَّ فآتيكَ؟ قالَ: لا، أنتَ أحقُّ أن تُؤتى، قلتُ: فما تأمرُني؟ قالَ: رأيتُكَ رجلًا عزبًا قد تزوجتَ فكرهتُ أن تبيتَ الليلةَ وحدكَ، وهذهِ امرأتُكَ، فإذا هي قائمةٌ خلفَهُ في طولِهِ، ثم دفعَها في البابِ وردَّ البابَ، فسقطتِ المرأةُ من الحياءِ، فاستوثقتُ من البابِ، ثم صعدتُ إلى السطحِ، فناديتُ الجيرانَ، فجاءوني وقالوا: ما شأنُكَ؟ فقلتُ: زوجني سعيدُ بنُ المسيبِ اليومَ ابنتَهُ وقد جاءَ بها على غفلةٍ، وها هي في الدارِ، فنزلوا إليها، وبلغَ أمي فجاءتْ وقالتْ: وجهي من وجهِكَ حرامٌ إن مسستَها قبلَ أن أُصلحَها ثلاثةَ أيامٍ، فأقمتُ ثلاثًا ثم دخلتُ بها، فإذا هي من أجملِ الناسِ وأحفظِهم لكتابِ اللهِ تعالى وأعلمِهم بسنةِ رسولِ اللهِ ﷺ وأعرفِهم بحقِّ الزوجِ؛ قالَ: فمكثتُ شهرًا لا يأتيني ولا آتيهِ، ثم أتيتُهُ بعدَ شهرٍ وهو في حلقتِهِ، فسلمتُ عليهِ، فردَّ عليَّ ولم يكلمني حتى انفضَّ من في المسجدِ، فلما لم يبقَ غيري، قالَ: ما حالُ ذلكَ الإنسانِ؟ قلتُ: هو على ما يحبُّ الصديقُ ويكرهُ العدوُّ، قالَ: إن رابَكَ شيءٌ فالعصا، فانصرفتُ إلى منزلي. وكانتْ بنتُ سعيدٍ خطبَها عبدُ الملكِ بنُ مروانَ لابنِهِ الوليدِ حين ولاهُ العهدَ، فأبى سعيدٌ أن يزوجهُ، فلم يزلْ عبدُ الملكِ يحتالُ على سعيدٍ حتى ضربَهُ في يومٍ باردٍ وصبَّ عليهِ الماءَ”. (وفياتُ الأعيانِ لابنِ خلكانَ).هذه صور مشرقة ونماذج من تيسير الزواج ،كانت طريقا للبركة والسعادة، ونيل خيري الدنيا والآخرة.
ثالثًا: آثارُ المغالاةِ في تكاليفِ الزواجِ على الفردِ والمجتمعِ.
لِلمُغَالاةِ في المهورِ وتكاليفِ الزواجِ آثارٌ سيئةٌ وأضرارٌ جسيمةٌ وعواقبُ وخيمةٌ تعودُ على الفردِ والمجتمعِ منها:
أنَّ المغالاةَ إسرافٌ وتبذيرٌ: قالَ تعالى في ذمِّ الإسرافِ: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. (الأنعام: ١٤١)، وقالَ تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}. (الإسراء: ٢٦-٢٧). قالَ الزمخشريُّ: “التبذيرُ: تفريقُ المالِ فيما لا ينبغي، وإنفاقُهُ على وجهِ الإسرافِ، وكانتِ الجاهليةُ تنحرُ إبلَها وتتياسرُ عليها وتبذرُ أموالَها في الفخرِ والسمعةِ، وتذكرُ ذلكَ في أشعارِها، فأمرَ اللهُ بالنفقةِ في وجوهِها مما يقرِّبُ منهُ ويزلفُ، “إخوانَ الشياطينِ”: أي أمثالُهم في الشرارةِ وهي غايةُ المذمَّةِ، لأنَّهُ لا شرَّ من الشيطانِ، أو هم إخوانُهم وأصدقاؤُهم لأنَّهم يطيعونَهم فيما يأمرونَهم بهِ من الإسرافِ، أو هم قرناؤُهم في النارِ على سبيلِ الوعيدِ”. (الكشافُ).
وخيرُ الأمورِ الوسطُ من غيرِ إسرافٍ أو تقتيرٍ. قالَ تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}. (الفرقان: ٦٧). قالَ الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: “أي: ليسوا بمبذرينَ في إنفاقِهم فيصرفونَ فوقَ الحاجةِ، ولا بخلاءَ على أهليهم فيقصِّرونَ في حقِّهم فلا يكفونَهم، بل عدلًا خيارًا، وخيرُ الأمورِ أوسطُها، لا هذا ولا هذا، كما قالَ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}. (الإسراء: ٢٩)”. (تفسيرُ ابنِ كثيرٍ). ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، في غيرِ إسرافٍ ولا مخيلةٍ». (البخاريُّ).
أنَّ المغالاةَ تكليفٌ للزوجينِ بما لا يطيقانِ.: والإسلامُ لا يكلِّفُنا إلا بما نطيقُ وما في وسعِنا.
قالَ عمرُ بنُ الخطابِ: “إنَّ الرجلَ ليثقِّلُ صدقةَ امرأتِهِ حتى يكونَ لها عداوةٌ في نفسِهِ، ويقولُ: قد كلِّفتُ إليكِ علقَ القربةِ، أو عرقَ القربةِ”. (أحمدُ وابنُ ماجةَ بسندٍ صحيحٍ). (كلِّفتُ) أي تحمَّلتُ. (علقُ القربةِ): حبلٌ تعلَّقُ بهِ. أي تحمَّلتُ لأجلِكِ كلَّ شيءٍ حتى علقَ القربةِ وهو حبلُها الذي تعلَّقُ بهِ. و(عرقُ القربةِ): أي تحمَّلتُ كلَّ شيءٍ حتى عرقتُ كعرقِ القربةِ وهو سيلانُ مائِها. والمرادُ أنَّهُ تحمَّلَ الأمرَ الشديدَ الشبيهَ بها”. (تعليقُ محمدِ فؤادِ عبدِ الباقي).
أنَّ المغالاةَ من نصيبِ الشيطان: فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ». (مسلم). قال النووي: “قالَ العلماءُ: معناهُ أنَّ ما زادَ على الحاجةِ فاتخاذُهُ إنما هو للمباهاةِ والاختيالِ والالتهاءِ بزينةِ الدنيا، وما كانَ بهذهِ الصفةِ فهو مذمومٌ، وكلُّ مذمومٍ يُضافُ إلى الشيطانِ؛ لأنَّهُ يرتضيهِ، ويوسوسُ بهِ ويحسِّنهُ ويساعدُ عليهِ”. (شرحُ النوويِّ على مسلمٍ).
أنَّ المغالاةَ تعاسةُ وشقاءُ: فالحياةُ الزوجيةُ تكونُ في تعاسةٍ وشقاءٍ جراءَ الديونِ المتراكمةِ على الزوجينِ والأهلِ فتراتٍ طويلةً، كما في واقعِنا المعاصرِ جراءَ التقليدِ الأعمى والمباهاةِ الزائفةِ. وكما قيلَ: الدينُ همٌّ بالليلِ مذلَّةٌ بالنهارِ.
أنَّ المغالاةَ عائقٌ في طريقِ الزواجِ.: وترفع نسبة العنوسة، وتعمل على عزوف الشباب عن الزواج الشرعي.
أنَّ المغالاةَ تعملُ على كثرةِ الجرائمِ في المجتمعِ.: فالشابُ الذي يعجزُ عن تكاليفِ الزواجِ قد يؤدي إلى إنهاءِ حياتِهِ (الانتحارِ)، أو يسلكُ طريقَ الحرامِ بارتكابِهِ الفاحشةَ، وكلُّها جرائمُ محرَّمةٌ تهدِّدُ أمنَ المجتمعِ وتُقوِّضُ أركانَهُ.
فعليكم بالتيسيرِ في تكاليفِ الزواجِ تخفيفًا على الشبابِ والفتياتِ والأهلِ، لتفوزوا بسعادةِ العاجلِ والآجلِ.
نسألُ اللهَ أن يحفظَ شبابَنا وبناتَنا من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ؛ وأن يُيسِّرَ طرقَ الزواجِ للجميعِ.
الدعاء،،،،،،، وأقم الصلاة،،،،، كتبه : خادم الدعوة الإسلامية
د / خالد بدير بدوي
نقلا عن موقع صوت الدعاة الاخبارى

