خطبة الجمعة القادمة : إتقان العمل واجب ديني وحضاري ” احمد ألـ دياب بتاريخ 13 ذو القعدة 1447هـ ، الموافق 1 مايو 2026م.

الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ للهِ الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه، وَأَتْقَنَ كُلَّ مَا صَنَعَه، وَأَوْدَعَ فِي مَلَكُوتِهِ مِنْ عَجَائِبِ حِكْمَتِهِ مَا أَوْدَعَه، وَبَسَطَ الأَرْضَ لِلأَنَامِ وَفَجَّرَ فِيهَا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ مَنْبَعَه. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمٍ مُتَتَابِعَة، وَآلَاءٍ مُتَدَافِعَة.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه،تعالتْ عظمتهُ في كُلِّ ما أبدعَه.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، الَّذِي بَلَّغَ الحَقَّ وَأَسْمَعَه. اللهمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَا تَلَا تَالٍ لِلْقُرْآنِ وَرَتَّلَه.
أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللهِ.. أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي يَرَى مَا فِي القَلْبِ وَمَا جَمَعَه، وَيَسْمَعُ سِرَّ العَبْدِ وَنَجْوَاهُ مَهْمَا رَفَعَه. فَاتَّقُوا اللهَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَه، يَخِيبُ فِيهِ مَنْ ضَيَّعَ أَمْرَ اللهِ وَأَهْمَلَه.
وَاتَّقُوا اللهَ: فَمَا فَازَ مَنْ فَازَ إِلَّا بِتَقْوَاه، وَمَا خَابَ مَنْ خَابَ إِلَّا حِينَ تَبِعَ هَوَاه. فَالسَّعِيدُ مَنْ رَاقَبَ رَبَّهُ وَأَطَاعَه، وَالشَّقِيُّ مَنْ نَسِيَ مَعَادَهُ وَأَضَاعَه. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:
إِنَّ مَنْ يَتَدَبَّرُ الحَيَاةَ وَيُرَاجِعُ السِّيَرَ وَيَتَأَمَّلُ الوَاقِعَ، يَجِدُ أَنَّهُ مَا يَكُونُ لِحَضَارَةٍ أَنْ تَنْهَضَ، وَلَا لِمُجْتَمَعٍ أَنْ يَنْجَحَ، وَلَا لِأُسْرَةٍ أَنْ تَرْقَى، وَلَا لِفَرْدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، مَا لَمْ يُعْلِ مِنْ قَدْرِ هَذِهِ القِيمَةِ النَّبِيلَةِ؛ أَلَا وَهِيَ: “الإِتْقَــــانُ”.
فَمَا هُوَ الإِتْقَانُ؟ إِنَّ إِتْقَانَ العَمَلِ هُوَ: أَدَاءُ العَمَلِ دُونَ خَلَلٍ فِيهِ، وَالِالْتِزَامُ بِمُتَطَلَّبَاتِ ذَلِكَ العَمَلِ مِنَ التَّقَيُّدِ بِضَوَابِطَ وَتِقْنِيَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَأَدَاؤُهُ فِي الوَقْتِ المُحَدَّدِ دُونَ تَأْخِيرٍ.
وَالمُتَدَبِّرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ يَجِدُ أَنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ خُلِقَ بِإِتْقَانٍ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الإِتْقَانِ وَعُلُوِّ مَكَانَتِهِ وَرِفْعَةِ شَأْنِهِ، قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً).
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون) أَيْ أَحْسَنَهُ وَجَوَّدَهُ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) فَكُلَّمَا تَدَبَّرْتَ الخَلْقَ تَرَى التَّقْدِيرَ بِمِيزَانٍ، وَالحِسَابَ بِإِتْقَانٍ، قَالَ تَعَالَى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).
إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَثَّ عَلَى الإِتْقَانِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. هَذَا الإِحْسَانُ، هُوَ الإِتْقَانُ وَالإِحْكَامُ، وَهَذِهِ القَضِيَّةُ وَهِيَ تَجْوِيدُ شَيْءٍ وَإِحْسَانُهُ وَإِتْقَانُهُ مِنَ المَطَالِبِ الشَّرْعِيَّةِ العَظِيمَةِ فِي دِينِنَا، وَالمُتَأَمِّلُ فِي التَّكَالِيفِ وَالفَرَائِضِ وَالأَوَامِرِ يَجِدُهَا مَبْنِيَّةً عَلَى أَسَاسٍ مُحْكَمٍ أَلَا وَهُوَ الإِتْقَانُ الَّذِي هُوَ سِمَةُ أَهْلِ الإِيمَانِ.
وَفِي فَضْلِ هَذَا الإِتْقَانِ يَقُولُ حَبِيبُنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ”.
فَمَنْ يَنْظُرِ القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ يَجِدْ أَنَّ أَهْلَ الإِتْقَانِ فِي العِبَادَاتِ قَدْ فَازُوا بِالخَيْرَاتِ، فَفِي الوُضُوءِ يَقُولُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ”. وَفِي الصَّلَاةِ يَقُولُ اللهُ (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى): (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ).
نَجِدُ كَذَلِكَ الإِتْقَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى وَأَنْتَ تَقُومُ بِالذَّبْحِ، فَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصْلَتَيْنِ، قَالَ: “إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ”.
وَكَذَلِكَ فِي الدَّفْنِ فَعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ أَبِي جَنَازَةً شَهِدَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا غُلَامٌ أَعْقِلُ وَأَفْهَمُ، فَانْتُهِيَ بِالجَنَازَةِ إِلَى القَبْرِ وَلَمْ يُمَكَّنْ لَهَا. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((سَوُّوا لَحْدَ هَذَا)). حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ المَيِّتَ وَلَا يَضُرُّهُ، وَلَكِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنَ العَامِلِ إِذَا عَمِلَ أَنْ يُحْسِنَ)) وَفِي لَفْظٍ ((وَلَكِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ)).
إِذَا عَمِلَ المَرْءُ المُكَلَّفُ مَرَّةً *** عَمَلًا فَإِنَّ العَيْبَ أَلَّا يُحْسِنَهْ
فَقَدْ ذَكَرَ المُخْتَارُ أَنَّ إِلَهَنَا *** يُحِبُّ لِعَبْدٍ خَافَهُ أَنْ يُتْقِنَهْ.
وَلَقَدْ حَكَى لَنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ أَنَّ الِالْتِزَامَ بِالإِتْقَانِ مِنْ شِيَمِ وَسِمَاتِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، فَهَذَا نَبِيُّ اللهِ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَمَّا تَعَاقَدَ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ عَلَى عَمَلٍ مُحَدَّدٍ بِزَمَنٍ مُحَدَّدٍ، إِذْ يَقُولُ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ): (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا). لَمْ يُقَصِّرْ فِي مُهِمَّتِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَظِيفَتَهُ، وَلَمْ يُغَادِرْ مَوْقِعَ عَمَلِهِ حَتَّى قَضَى الأَجَلَ زَمَانًا وَمَكَانًا، فَلَمَّا انْقَضَى الأَجَلُ غَادَرَ مَحْمُودَ السِّيرَةِ.
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ القُرْآنَ لَمَّا حَثَّ عَلَى العَمَلِ وَدَعَا إِلَيْهِ حَثَّ عَلَى أَنْ يَكُونَ الإِتْقَانُ مَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ، فَاللهُ مُطَّلِعٌ عَلَى الأَعْمَالِ؛ يَعْلَمُ مَنْ يَخَافُهُ فِي عَمَلِهِ مِمَّنْ يُقَصِّرُ وَيُهْمِلُ؛ قَالَ تَعَالَى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ للهِ المُتَفَرِّدِ بِالبَقَاءِ، المُتَفَضِّلِ بِالعَطَاءِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاءَ، وَأَجْرَى النُّورَ وَالضِّيَاءَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الأَتْقِيَاءِ وَسَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ. اللهمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الأَوْفِيَاء.
أَمَّا بَعْدُ:
إِنَّ الإِسْلَامَ حِينَمَا دَعَا إِلَى إِتْقَانِ العَمَلِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ رِزْقُهُ حَلَالًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَقَدْ نَهَى الإِسْلَامُ عَنِ الرِّزْقِ الحَرَامِ. وَلَقَدِ ابْتُلِيَتْ مُجْتَمَعَاتُنَا فِي السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ بِظَاهِرَةٍ خَطِيرَةٍ، بِمُشْكِلَةٍ مِنْ أَخْطَرِ المُشْكِلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، أَلَا وَهِيَ الِاحْتِيَالُ المَالِيُّ، الَّذِي يُعْرَفُ بَيْنَ النَّاسِ بِاسْمِ مُشْكِلَةِ “المُسْتَرِيحِ”، حَيْثُ يَظْهَرُ بَعْضُ النَّاسِ بِمَظْهَرِ النَّاصِحِ الأَمِينِ، يَعِدُونَ النَّاسَ بِأَرْبَاحٍ خَيَالِيَّةٍ، وَيُغْرُونَهُمْ بِاسْتِثْمَارَاتٍ مَوْهُومَةٍ، حَتَّى يَجْمَعُوا أَمْوَالَهُمْ، وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ ضِيَاعُ مُدَّخَرَاتِ بَعْضِ الأُسَرِ وَفَقْرُهُمْ بَعْدَ غِنَاهُمْ؛ فَكَمْ مِنْ أُسَرٍ تَشَرَّدَتْ، وَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ خَرِبَتْ، وَكَمْ مِنْ نُفُوسٍ تَحَطَّمَتْ، وَكَمْ مِنْ أُنَاسٍ أَصَابَتْهُمُ الهُمُومُ وَالأَحْزَانُ بِسَبَبِ ضِيَاعِ أَمْوَالِهِمْ.
وَمَا عَلِمَ هَذَا المُحْتَالُ أَنَّ اللهَ (عَزَّ وَجَلَّ) سَائِلُهُ عَنْ هَذَا المَالِ مِنْ أَيْنَ جَمَعَهُ، حَيْثُ قَالَ سَيِّدُنَا الحَبِيبُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ”.
إِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ يُعْمِي البَصِيرَةَ، وَيُوهِنُ الدِّينَ، وَيُقَسِّي القَلْبَ، وَيُظْلِمُ الفِكْرَ، وَيُقْعِدُ الجَوَارِحَ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَيُوقِعُ فِي حَبَائِلِ الدُّنْيَا وَغَوَائِلِهَا، وَيَكُونُ سَبَبَ تَعَاسَةِ صَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ”.
وَهَا هِيَ إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِمُوَاجَهَةِ مُشْكِلَةِ المُسْتَرِيحِ:
أَوَّلًا: التَّرَوِّي قَبْلَ اتِّخَاذِ أَيِّ قَرَارٍ مَالِيٍّ، وَعَدَمُ الِانْدِفَاعِ وَرَاءَ العُرُوضِ المُغْرِيَةِ أَوِ الرِّبْحِ السَّرِيعِ، وَإِعْطَاءُ النَّفْسِ وَقْتًا لِلتَّفْكِيرِ وَالمُرَاجَعَةِ.
ثَانِيًا: التَّحَقُّقُ مِنَ الجِهَةِ أَوِ الشَّخْصِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ التَّأَكُّدِ مِنَ التَّرْخِيصِ وَالسِّجِلِّ التِّجَارِيِّ وَالسُّمْعَةِ الفِعْلِيَّةِ.
ثَالِثًا: عَدَمُ تَسْلِيمِ الأَمْوَالِ دُونَ مُسْتَنَدٍ رَسْمِيٍّ، فَأَيُّ تَعَامُلٍ مَالِيٍّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعَقْدٍ مَكْتُوبٍ وَاضِحِ البُنُودِ.
رَابِعًا: اسْتِشَارَةُ أَهْلِ الخِبْرَةِ، قَبْلَ الدُّخُولِ فِي أَيِّ اسْتِثْمَارٍ أَوْ شَرَاكَةٍ؛ فَالنَّظْرَةُ الخَارِجِيَّةُ تَكْشِفُ مَا قَدْ يَغِيبُ عَنِ المُتَحَمِّسِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَأَطِيبُوا مَطَاعِمَكُمْ، وَأَتْقِنُوا أَعْمَالَكُمْ، وَاحْذَرُوا سُبُلَ الطَّمَعِ وَالوَهْمِ؛ فَإِنَّ البَرَكَةَ فِي الحَلَالِ وَإِنْ قَلَّ، وَالمَحْقُ فِي الحَرَامِ وَإِنْ كَثُرَ.
اللهمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.
اللهمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا، وَاجْعَلْ كَسْبَنَا حَلَالًا طَيِّبًا، وَبَاعِدْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الحَرَامِ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ.
اللهمَّ وَفِّقْنَا لِإِتْقَانِ العَمَلِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَخَافُكَ وَيَتَّقِيكَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ.
اللهمَّ احْفَظْ أَمْوَالَنَا وَأَعْرَاضَنَا، وَقِنَا شَرَّ النَّصَّابِينَ وَالمُحْتَالِينَ، وَاشْفِ صُدُورَ مَنْ نُكِبُوا فِي أَمْوَالِهِمْ، وَرُدَّ كَيْدَ الكَائِدِينَ فِي نُحُورِهِمْ.
اللهمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ.. (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.



