خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة 8 مايو 2026 بعنوان : دعوة الإسلام إلى التراحم، للشيخ خالد القط

دَعْوَةُ الإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ

بتاريخ 20 ذو القعدة 1447هـ – 8 مايو 2026م

الحمدُ للهِ حمدًا يُوافِي نِعَمَهُ، ويُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لكَ الحمدُ كما ينبغي لجلالِ وجهِكَ، ولعظيمِ سلطانِكَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ يُحيي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، القائلُ في كتابِهِ العزيزِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وصفيُّهُ من خلقِهِ وحبيبُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وزِد وبارك عليهِ، وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمعينَ، حقَّ قدرِهِ ومقدارِهِ العظيمِ.

أمَّا بعدُ:

أيُّها المسلمونَ، فإنَّ الرحمةَ هي شعارُ الإسلامِ وجوهرُهُ، فإنَّكَ تلمسُ رحماتِ اللهِ تترا في كلِّ تفاصيلِ هذا الدينِ، فالرحمةُ لا تُغادِرُ تشريعاتِهِ ولا أحكامَهُ، بل تكادُ تلمسُها بيديكَ، بل وتعيشُ داخلَ هذهِ الرحمةِ حياةً حقيقيةً، حيثُ تنعمُ فيها بعميمِ رحمةِ اللهِ.

أيُّها المسلمونَ، ومِمَّ العجبُ؟ وربُّنا رحيمٌ، ورسولُنا رحيمٌ، والقرآنُ الكريمُ كتابُ رحمةٍ، والتشريعُ الإسلاميُّ كلُّهُ منهجٌ مبنيٌّ على الرحمةِ والتسامحِ والتيسيرِ على الناسِ.

أمَّا عن رحمةِ اللهِ، فحدِّثْ ولا حرجَ عن سعةِ رحمتِهِ سبحانهُ وتعالى، وما أكثرَ آياتِ القرآنِ الكريمِ التي تتحدَّثُ عن رحمةِ اللهِ؛ فعلى سبيلِ المثالِ، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، وقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 156]، وقال أيضًا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7].

والمتأمِّلُ في آياتِ القرآنِ الكريمِ يجدُ أنَّهُ سبحانهُ وتعالى قد وصفَ نفسَهُ كثيرًا بالرحمةِ، سواءٌ وصفَهُ بالرحمنِ، أو الرحيمِ، أو الرحمةِ عمومًا، فهو القائلُ عن نفسِهِ، كما في الحديثِ الصحيحِ من حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي».

أيُّها المسلمونَ، وسيِّدُنا مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ رحمةً تمشي على الأرضِ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بل إنْ شئتَ فقلْ: إنَّ الرحمةَ تَجَسَّدَتْ في شخصِهِ الكريمِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقد تضافرتِ الآياتُ القرآنيَّةُ التي تُثبِتُ وتُؤكِّدُ على أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ رحمةً تمشي على الأرضِ؛ قالَ تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، وقالَ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]، وقالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

وفي هذا السياقِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إنَّما أنا رحمةٌ مُهداةٌ»، ولذلك فإنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رحمةٌ في الدنيا والآخرةِ، حتَّى من لم يؤمنْ بهِ سينتفعُ ببعضِ رحمتِهِ، قالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].

والقرآنُ الكريمُ كتابٌ كلُّهُ رحمةٌ، قالَ تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: 2-3].

أيُّها المسلمونَ، وكذلك فإنَّ المنهجَ والتشريعاتِ الإسلاميَّةَ ليشعُّ منها نورُ الرحمةِ، وتتَفجَّرُ منها رحماتُ اللهِ في كلِّ مجالٍ من مجالاتِ الحياةِ، فأصحابُ القلوبِ الرحيمةِ الرقيقةِ هم أهلٌ لينالوا رحمةَ اللهِ تعالى في الآخرةِ، الذين يرحمونَ الناسَ ويرحمونَ ضعفَهم وحاجتَهم؛ ففي الحديثِ الثابتِ عندَ أحمدَ وغيرهِ، من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرو، أنَّهُ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ».

وتجلَّتْ مظاهرُ الرحمةِ في الإسلامِ خاصَّةً لدى الضُّعفاءِ من اليتامى والنساءِ والأطفالِ والفقراءِ، ولذلكَ دائمًا ما كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُوصي بالرحمةِ بهم؛ فمن ذلكَ ما أخرجهُ البخاريُّ في صحيحِهِ، من حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ، أنَّهُ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «أنا وكافلُ اليتيمِ في الجنةِ هكذا»، وقالَ بإصبعيهِ السبابةِ والوسطى.

وعندَ ابنِ ماجهَ وغيرهِ بسندٍ صحيحٍ، من حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «إنِّي أُحرِّجُ حقَّ الضعيفينِ: اليتيمِ والمرأةِ».

بل انظروا إليهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بأبي هو وأمِّي، وهو على قدرِهِ ومقدارِهِ العظيمِ، يحملُ حفيدتَهُ أُمامةَ بنتَ زينبَ أثناءَ صلاتِهِ؛ فهذا أبو قتادةَ الحارثُ بنُ ربعيٍّ يُحدِّثُ – وأصلُ الحديثِ في الصحيحينِ –: «أنَّهُ رأى رسولَ اللهِ ﷺ يحملُ أُمامةَ بنتَ أبي العاصِ، وهو قائمٌ يُصلِّي، يحملُها إذا قامَ، ويضعُها إذا ركعَ حتى فرغَ».

وفي الصحيحينِ من حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «قبَّلَ النبيُّ ﷺ الحسنَ بنَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهما، وعندهُ الأقرعُ بنُ حابسٍ، فقالَ الأقرعُ: إنَّ لي عشرةً من الولدِ ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظرَ إليهِ رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: مَن لا يَرحمْ لا يُرحمْ».

وفي روايةٍ متفقٍ عليها أيضًا قالَ لهُ: «أوَأملكُ إنْ كانَ اللهُ نزعَ من قلوبِكم الرحمةَ»، وفي روايةٍ أخرى: «مَن لا يَرحمِ الناسَ لا يرحمهُ اللهُ».

أيُّها المسلمونَ، كذلكَ من دعوةِ الإسلامِ إلى التراحمِ: التيسيرُ على الناسِ، وعدمُ التشدُّدِ في تطبيقِ الممارساتِ والعباداتِ والشعائرِ الدينيَّةِ؛ ففي الصحيحينِ من حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا صلَّى أحدُكم للناسِ فليُخفِّفْ، فإنَّ فيهمُ الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، وإذا صلَّى أحدُكم لنفسِهِ فليُطوِّلْ ما شاءَ»، وفي روايةٍ: «وذَا الحاجةِ».

أيُّها المسلمونَ، بل شملتْ رحمةُ الإسلامِ حتَّى غيرَ المسلمينَ؛ قالَ تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

كذلكَ عمَّتْ رحمةُ الإسلامِ غيرَ البشرِ لتشملَ الحيواناتِ، وبيَّنَ لنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّ رجلًا دخلَ الجنةَ لأنَّهُ في يومٍ ما رحمَ كلبًا إذ سقاهُ شربةَ ماءٍ، فكانَ الجزاءُ مغفرةَ اللهِ عزَّ وجلَّ، وعلى الجانبِ الآخرِ أنَّ امرأةً دخلتِ النارَ في هِرَّةٍ؛ ففي الصحيحينِ من حديثِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما أنَّهُ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «عُذِّبَتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ سجنتْها حتَّى ماتتْ، فدخلتْ فيها النارَ؛ لا هي أطعمتْها ولا سقتْها إذ حبستْها، ولا هي تركتْها تأكلُ من خشاشِ الأرضِ».

الخطبةُ الثانيةُ

“”””””””””””

أيُّها المسلمونَ، ونحنُ في هذهِ الأيَّامِ إذ نحنُ على موعدٍ مع موسمِ حصادِ بعضِ المحاصيلِ الزراعيَّةِ كالقمحِ والشعيرِ والفولِ وغيرِها، وهنا ينبغي علينا أن لا ننسى حقَّ الفقراءِ والمحتاجينَ من هذهِ الحبوبِ؛ فإنَّ لهم فيها حقوقًا، قالَ تعالى في صفاتِ الناجينَ من النارِ يومَ القيامةِ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25].

ويومُ الحصادِ هو يومُ فرحةٍ للذينَ يحصدونَ زرعَهم، ومن عظمةِ الإسلامِ أنَّهُ يريدُ أن تعمَّ الفرحةُ الجميعَ، فلا ننسى المحتاجينَ والفقراءَ يومَ الحصادِ من حقِّهم؛ قالَ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141].

وليحذرْ كلُّ مسلمٍ من منعِ الزكاةِ المفروضةِ عليهِ، وليحذرْ غضبَ اللهِ وانتقامَه في الدنيا قبلَ الآخرةِ؛ ففي الحديثِ يقولُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «ما منعَ قومٌ الزكاةَ إلَّا حبسَ اللهُ عنهمُ القطرَ»، وفي روايةٍ صحيحةٍ: «إلَّا ابتلاهمُ اللهُ بالسنينَ»؛ والقطرُ هو المطرُ، والسنونَ هي الفقرُ.

نسألُ اللهَ سبحانهُ وتعالى أن يحفظَ مصرَ وأهلَها من كلِّ سوءٍ وشرٍّ.

بقلم: الشيخ خالد القط

نقلا عن موقع صوت الدعاة الإخباري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى