خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة بعنوان : “كنْ راضيًا وإيَّاكَ التباهي” لفضيلة الشيخ محمد القطاوي بتاريخ 19 ذو الحجة 1447هـ ، الموافق 5 يونيو 2026م

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ: «كنْ راضيًا … وإيَّاكَ التباهي »بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ: مُحَمَّد طَلْعَت القَطَاوِي

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ: «كنْ راضيًا … وإيَّاكَ التباهي»

بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ: مُحَمَّد طَلْعَت القَطَاوِي

بتاريخ 19 ذو الحجة 1447هـ ، الموافق 5 يونيو 2026م

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَسَمَ الْأَرْزَاقَ بِحِكْمَتِهِ، وَأَسْبَغَ عَلَى الْخَلَائِقِ مِنْ وَاسِعِ رَحْمَتِهِ، وَأَمَرَنَا بِالرِّضَا بِقَضَائِهِ وَقِسْمَتِهِ، وَحَذَّرَنَا مِنَ التَّبَاهِي وَالْغُرُورِ فِي دُنْيَاهُ وَنِعْمَتِهِ.

فَسُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ عَظِيمٍ، وَسُبْحَانَهُ مِنْ رَبٍّ كَرِيمٍ! سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ اللَّيْلُ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحُ إِذَا تَنَفَّسَ! سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ الْحَصَى فِي الْمَاءِ، وَالطَّيْرُ فِي السَّمَاءِ! سُبْحَانَ مَنْ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَلَا تُغَلِّطُهُ الْمَسَائِلُ، وَلَا يُبْرِمُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ! سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ، سُبْحَانَ اللَّهِ مِلْءَ مَا خَلَقَ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ.

سُبْحَانَ مَنْ يَعْلَمُ جَهْرِي وَسِرِّي .. وَمَنْ إِلَيْهِ مُنْتَهَى كُلِّ أَمْرِي هُوَ الْإِلَهُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ .. بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَبِهِ أَلُوذُ وَأَسْتَجِيرُ

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهٌ وَاحِدٌ أَحَدٌ، فَرْدٌ صَمَدٌ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. تَعَالَى عَنِ الْأَشْبَاهِ وَالْأَنْدَادِ، وَتَنَزَّهَ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ.

إِلَيْكَ إِلَهَ الْخَلْقِ أَرْفَعُ رَغْبَتِي .. وَإِنْ كُنْتُ يَا ذَا الْمَنِّ وَالْجُودِ مُجْرِمَا

وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي .. جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلَّمَا

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَرَائِدَنَا وَسَائِدَنَا وَقُدْوَتَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَيْرُ مَنْ رَضِيَ وَشَكَرَ، وَأَعْظَمُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ وَمَا تَكَبَّرَ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي .. وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقْتَ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ .. كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

أَمَّا بَعْدُ..

فَيَا أَيُّهَا الْمُوَحِّدُونَ… إِنَّ الْقُلُوبَ لَتَتْعَبُ مِنْ رَكْضِهَا فِي مَضَامِيرِ هَذِهِ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ، وَإِنَّ النُّفُوسَ لَتَشْقَى حِينَ تُعَلِّقُ آمَالَهَا بِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَتَنْسَى مَا عِنْدَ رَبِّ النَّاسِ، وَتَلْهَثُ خَلْفَ الْمَظَاهِرِ الْخَادِعَةِ. وَإِنَّ دَوَاءَ هَذَا الشَّقَاءِ، وَبَلْسَمَ هَذَا الْعَنَاءِ، هُوَ الْيَقِينُ بِأَنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ، وَالْعُمُرَ مَحْتُومٌ، وَأَنَّ السَّعَادَةَ كُلَّ السَّعَادَةِ فِي الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ، وَتَرْكِ التَّبَاهِي بِمَا مَنَحَ اللَّهُ، فَأَعِيرُونِي الْقُلُوبَ وَالْأَسْمَاعَ لِنُبْحِرَ سَوِيًّا فِي بِحَارِ هَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمِ،

مِنْ خِلَالِ عَنَاصِرَ أَرْبَعَةٍ :

الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: حَقِيقَةُ الرِّضَا.. بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: عَدَالَةُ الْقِسْمَةِ وَسِرُّ التَّفَاوُتِ فِي الْأَرْزَاقِ

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: خَطَرُ التَّبَاهِي وَكَسْرُ خَوَاطِرِ الْخَلْقِ

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: ثَمَرَاتُ الرِّضَا (جَنَّةُ الدُّنْيَا الَّتِي تَمْحُو كُلَّ هَمٍّ)

وَقْفَةٌ مَعَ خَطَرِ “السُّوشِيَال مِيدْيَا” وَسَرَابِ التَّبَاهِي الْمُعَاصِرِ

الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: حَقِيقَةُ الرِّضَا.. بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ

إِنَّ الرِّضَا لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُلْفَظُ بِاللِّسَانِ عِنْدَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ أَوِ انْقِضَاءِ الْأَمْرِ، بَلْ هُوَ عَقِيدَةٌ رَاسِخَةٌ بِأَنَّ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَكَ هُوَ الْخَيْرُ الْمُطْلَقُ، حَتَّى وَإِنْ خَالَفَ هَوَاكَ. يَقُولُ الْحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. إِنَّهُ التَّسْلِيمُ بِأَنَّ الْمَنْعَ مِنَ اللَّهِ هُوَ عَيْنُ الْعَطَاءِ

فالرِّضَا هُوَ جَنَّةُ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحُ الْعَابِدِينَ، وَبَابُ اللهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ فَقَدْ أَمِنَ مِنْ لَوَاعِجِ الْقَلَقِ وَهُمُومِ التَّدْبِيرِ.

فلنعلم إِنَّ حَقِيقَةَ الرِّضَا لَيْسَتْ عَبَثًا أَوْ عَفْوِيَّةً، بَلْ هِيَ سُكُونُ الْقَلْبِ تَحْتَ مَجَارِي الْأَحْكَامِ، وَاسْتِقْبَالُ أَقْدَارِ اللهِ بِنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ، يَقِينًا بِأَنَّ اختيار اللهِ لِلْعَبْدِ خَيْرٌ مِنْ تدبيره لِنَفْسِهِ.

فحِينَمَا يَرْضَى الْعَبْدُ، يَتَحَوَّلُ الْمُرُّ فِي مَذَاقِهِ إِلَى عَذْبٍ، وَيَنْقَلِبُ الْبَلَاءُ فِي حَقِّهِ إِلَى عَطَاءٍ، لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْفِعْلِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى الْفَاعِلِ سبحانه وتعالى.

والمتأمل في ايات الذكر الحكيم يجد ان الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ جاء لِيُرَسِّخَ هَذَا الْمَفْهُومَ الْعَمِيقَ، وَيَرْبِطَ الرِّضَا بِالْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَمِنْ أَبْرَزِ الْآيَاتِ الَّتِي تُجَلِّي هَذِهِ الْحَقِيقَةَ:

  • قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ:

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]. تَأَمَّلْ كَيْفَ قَالَ “لَنَا” وَلَمْ يَقُلْ “عَلَيْنَا”؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلُطْفٌ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي ظَاهِرِهِ بَلَاءً.

  • ويبين ايضا ان جَزَاءُ أَهْلِ الرِّضَا هو الرضوان والنعيم كما فِي سُورَةِ الْبَيِّنَةِ:

﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8].

وفي السنة المطهرة الكثير من الأحاديث التي تحثنا علي الرضا والقناعة بما قسم الله لنا فلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الْمَعْلَمَ الْأَوَّلَ فِي الرِّضَا، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ طَعْمَ الْإِيمَانِ لَا يُذَاقُ إِلَّا بِهِ، وَأَنَّ الْغِنَى الْحَقِيقِيَّ هُوَ غِنَى النَّفْس: فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا».

 أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ (34

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ».مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ»: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ

وتَأَمَّلوامعي قِصَّةَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حِينَ بُتِرَتْ سَاقُهُ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَحَبُّ أَبْنَائِهِ إِلَيْهِ، فَمَاذَا قَالَ؟ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ بِيَقِينٍ: “اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَعْطَيْتَنِي أَطْرَافًا أَرْبَعَةً فَأَخَذْتَ وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثَةً، وَرَزَقْتَنِي أَبْنَاءً أَرْبَعَةً فَأَخَذْتَ وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثَةً، فَلَئِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ فَلَقَدْ أَبْقَيْتَ، وَلَئِنْ كُنْتَ قَدِ ابْتَلَيْتَ فَلَقَدْ عَافَيْتَ”. هَذَا هُوَ مَقَامُ الرِّضَا الَّذِي يَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَتَذَوَّقُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: “ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا” (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

وهذا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فقدأُصِيبَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالِاسْتِسْقَاءِ، فَظَلَّ مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا يَقُومُ وَلَا يَقْعَدُ، وَقَدْ نُقِرَ لَهُ فِي سَرِيرِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، فَجَعَلَ يَبْكِي لِمَا يَرَى مِنْ حَالِهِ.

فَنَظَرَ إِلَيْهِ عِمْرَانُ وَقَالَ: “لِمَ تَبْكِي؟” قَالَ: “لِمَا أَرَى مِنْ عِظَمِ بَلَائِكَ”، فَقَالَ عِمْرَانُ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ: «لَا تَبْكِ، فَإِنَّ أَحَبَّهُ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَى اللهِ، وَسَأُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ، وَاكْتُمْ عَلَيَّ حَتَّى أَمُوتَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَزُورُنِي فَتُسَلِّمُ عَلَيَّ فَأَسْمَعُ تَسْلِيمَهَا!». فَقَدْ بَدَّلَهُ اللهُ بِرِضَاهُ عَنِ الْأَلَمِ أُنْسًا مَلَائِكِيًّا.

  • فالرِّضَا هُوَ فِرْدَوْسُ الدُّنْيَا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهُ لَمْ يَدْخُلْ فِرْدَوْسَ الْآخِرَةِ.
  • دَعِ الْمَقَادِيرَ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا .. وَلَا تَبِيتَنَّ إِلَّا خَالِيَ الْبَالِ
  • مَا بَيْنَ غَمْضَةِ عَيْنٍ وَانْتِبَاهَتِهَا .. يُغَيِّرُ اللَّهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالِ
  • وختاما أقول إِنَّ النِّهَايَةَ الْمَنْطِقِيَّةَ لِحَقِيقَةِ الرِّضَا هِيَ الْفَرَاجُ النَّفْسِيُّ. فَالرَّاضِي لَا يَعْرِفُ الْحَسَدَ لِأَنَّهُ مُوقِنٌ بِأَنَّ الْأَرْزَاقَ مَقْسُومَةٌ، وَلَا يَعْرِفُ الْهَلَعَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْآجَالَ مَحْتُومَةٌ. الرِّضَا يُحَوِّلُ الْقَلْبَ إِلَى مِحْرَابٍ سَاكِنٍ، لَا تَقْدِرُ زَوَازِعُ الدُّنْيَا عَلَى تَزْلْزُلِهِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْعَبْدُ قَدْ نَالَ أَعْلَى مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ إِلَى اللهِ

الْعُنْصُرُ الثَّانِي: عَدَالَةُ الْقِسْمَةِ وَسِرُّ التَّفَاوُتِ فِي الْأَرْزَاقِ

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَزَّعَ الْأَرْزَاقَ بِقِسْطَاسٍ مُسْتَقِيمٍ، فَأَعْطَى هَذَا مَالًا وَذَاكَ صِحَّةً، وَمَنَحَ هَذَا ذُرِّيَّةً وَعَوَّضَ ذَاكَ بِرَاحَةِ الْبَالِ. وَهَذَا التَّفَاوُتُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْغَنِيِّ وَإِهَانَتِهِ لِلْفَقِيرِ، بَلْ هُوَ امْتِحَانٌ وَتَسْخِيرٌ لِإِعْمَارِ الْكَوْنِ. يَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32]. الْمَقْصُودُ بِـ “سُخْرِيًّا” هُنَا أَيْ: لِيُسَخِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ، فَهَذَا طَبِيبٌ، وَهَذَا بَنَّاءٌ، وَهَذَا خَبَّازٌ، فَتَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ.

فالْقِسْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ لَيْسَتْ حِسَابًا مُجَرَّدًا يَقُومُ عَلَى مَنْحِ النَّاسِ نَفْسَ الْأَعْدَادِ مِنَ الْأَمْوَالِ أَوِ النِّعَمِ، بَلْ هِيَ عَدَالَةٌ مُطْلَقَةٌ تَقُومُ عَلَى الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ. لَقَدْ تَمَيَّزَ الْخَالِقُ جَلَّ وَعَلَا بِأَنَّهُ “الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ”، فَلَمْ يَقْسِمِ الْأَرْزَاقَ عَبَثًا، وَلَمْ يُوزِعْهَا جُزَافًا، بَلْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.

وذلك لِيَتَمَيَّزَ الشَّاكِرُ مِنَ الْجَاحِدِ، وَالصَّابِرُ مِنَ السَّاخِطِ.

ولَقَدْ كَشَفَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَنْ سِرِّ هَذَا التَّفَاوُتِ، وَبَيَّنَ أَنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ لِجَمِيعِ الْبَشَرِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لَهُ مَفَاسِدُ كَبِيرَةٌ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَأَخْلَاقِ النَّاسِ:

  • ففي قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى يقول سبحانه

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: 27]. تَأَمَّلْ خِتَامَ الْآيَةِ بِـ “خَبِيرٌ بَصِيرٌ”؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ قَلْبَ كُلِّ عَبْدٍ.

كما بَيَّنَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ أَنَّ الرِّزْقَ لَا يُقَاسُ بِالْمَالِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ لِلَّهِ فِي تَوْزِيعِ الْأَقْدَارِ حِكَمًا بَالِغَةً.

فعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ».البخاري ومسلم

 يُرْوَى أَنَّ رَجُلًا فَقِيرًا كَانَ يَنَامُ قَرِيرَ الْعَيْنِ هَادِئَ الْبَالِ فِي كُوخِهِ الْمُتَوَاضِعِ، بَيْنَمَا الْمَلِكُ فِي قَصْرِهِ يَتَقَلَّبُ عَلَى فِرَاشِ مِنْ حَرِيرٍ لَا يَذُوقُ طَعْمَ النَّوْمِ مِنْ هُمُومِ الْمُلْكِ، فَعَلِمَ الْمَلِكُ أَنَّ رَاحَةَ الْبَالِ رِزْقٌ لَا يُشْتَرَى بِالْمَالِ! لِذَلِكَ يُوَجِّهُنَا الْحَبِيبُ ﷺ لِلنَّظَرِ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنَّا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا قَائِلًا: “انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

وكَانَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ رَجُلًا فَقِيرًا مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يَلْحَقُ النَّبِيَّ ﷺ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، فَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِرَارًا أَنْ يَدْعُوَ اللهَ أَنْ يَرْزُقَهُ مَالًا، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَهُ: «وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ». لَكِنَّهُ أَلَحَّ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ، حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ، فَخَرَجَ إِلَى وَادٍ، فَصَارَ لَا يَشْهَدُ إِلَّا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، ثُمَّ كَثُرَتْ فَمَنَعَتْهُ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا إِلَّا الْجُمُعَةَ، ثُمَّ كَثُرَتْ فَتَرَكَ الْجُمُعَةَ!

وَلَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جُبَاةَ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ، بَخِلَ وَقَالَ: “مَا هَذِهِ إِلَّا جِزْيَةٌ!”. فَمَاتَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَبُولِ زَكَاتِهِ لِتَمَرُّدِهِ. فَمَا كَانَ فَقْرُهُ الْأَوَّلُ إِلَّا حِمَايَةً لِدِينِهِ، فَلَمَّا طَغَى هَلَكَ.

كما يُرْوَى أَنَّ رَجُلًا صَالِحًا كَانَ مُقْعَدًا فَقِيرًا، وَكَانَ لَا يَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَالرِّضَا بِحَالِهِ. فَجَاءَهُ رَجُلٌ وَقَالَ لَهُ: “لِمَ لَا تَدْعُو اللهَ أَنْ يَشْفِيَكَ وَيُغْنِيَكَ؟ فَقَدْ جَفَّ جَسَدُكَ وَقَلَّ مَالُكَ”. فَقَامَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ وَصَلَّى وَدَعَا اللهَ، فَشُفِيَ فِي الْحَالِ وَرُزِقَ مَالًا.

لَكِنْ مَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا، وَشُغِلَ بِتِجَارَتِهِ عَنِ الْأَوْرَادِ وَالصَّلَوَاتِ، وَذَاتَ لَيْلَةٍ رَأَى فِي مَنَامِهِ هَاتِفًا يَقُولُ لَهُ: «رُدُّوهُ إِلَى سِرِيرِ الْبَلَاءِ، فَإِنَّ صَوْتَهُ فِي الْبَلَاءِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ شُكْرِهِ فِي الرَّخَاءِ». فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ عَادَ إِلَيْهِ الْمَرَضُ، فَسَجَدَ بَاكِيًا فَرَحًا بِأَنَّ اللهَ ارْتَضَاهُ فَقِيرًا مَرِيضًا لِيَبْقَى قَرِيبًا مِنْهُ.

فيا أيها الموحدون ان قِسْمَةُ اللَّهِ عَادِلَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَوْ كُشِفَ لَكَ الْغَيْبُ لَاخْتَرْتَ مَا أَنْتَ فِيهِ. تَوَكَّلْتُ فِي رِزْقِي عَلَى اللَّهِ خَالِقِي .. وَأَيْقَنْتُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَكَّ رَازِقِي

وَمَا يَكُ مِنْ رِزْقِي فَلَيْسَ يَفُوتُنِي .. وَلَوْ كَانَ فِي قَاعِ الْبِحَارِ الْعَوَامِقِ

الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: خَطَرُ التَّبَاهِي وَكَسْرُ خَوَاطِرِ الْخَلْقِ

  • عِنْدَمَا يُسْلَبُ الْإِنْسَانُ نِعْمَةَ الرِّضَا، يَلْجَأُ إِلَى التَّبَاهِي وَالْمُفَاخَرَةِ بِمَا عِنْدَهُ لِيَشْعُرَ بِتَفَوُّقِهِ الْمَوْهُومِ عَلَى غَيْرِهِ. وَالتَّبَاهِي آَفَةٌ تُدَمِّرُ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَتُوقِظُ نَارَ الْحَسَدِ، وَتَكْسِرُ قُلُوبَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَحْرُومِينَ. وَإِذَا تَلَمَّسْنَا الْعِبْرَةَ مِمَّنْ سَبَقَ، نَجِدُ الْعَاقِبَةَ الْمُرْعِبَةَ الَّتِي حَلَّتْ بِأَهْلِ الْخُيَلَاءِ عَبْرَ التَّارِيخِ تَرْهَبُ مِنْهَا النُّفُوسُ؛ فَهَذَا قَارُونُ الَّذِي خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، مُتَبَاهِيًا بِكُنُوزِهِ، مُسْتَعْلِيًا بِثَرْوَتِهِ، قَائِلًا فِي غُرُورٍ: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي»، فَمَاذَا كَانَ مَصِيرُهُ؟ لَمْ يَنْفَعْهُ مَالُهُ، وَلَمْ تَحْمِهِ حَاشِيَتُهُ، بَلْ جَاءَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ الْخَاطِفُ: «فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ»، فَابْتَلَعَتْهُ الْأَعْمَاقُ لِيَكُونَ آيَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ لَقَدْ حَدَّثَنَا الْقُرْآنُ عَنْ قارون كرَمْزِ للتَّبَاهِي فِي التَّارِيخِ (قَارُونَ) الَّذِي اغْتَرَّ بِمَالِهِ فَخَرَجَ يَسْتَعْرِضُ زِينَتَهُ لِيَقْهَرَ الْفُقَرَاءَ بل وصف تباهيه بالنعم تكبرا وبغيا فقال سبحانه ۞ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ فَكَانَتِ النِّهَايَةُ الْمَأْسَاوِيَّةُ كما ذكرنا ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 79-81].. وَمَا قِصَّةُ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ بِبَعِيدٍ، حِينَمَا دَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ لِصَاحِبِهِ مُفَاخِرًا: «أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا»، فَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، وَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا. إِنَّهَا صُوَرٌ حَيَّةٌ تُبَيِّنُ كَيْفَ أَنَّ التَّبَاهِيَ مِمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ،
  • عَـجِـبْتُ لِـمَـنْ يَـزْهُـو بِـصُورَةِ وَجْـهِهِ … وَلَـمْ يَـرَ مَـبْـدَاهُ وَمَا هُـوَ صَـائِرُ
  • فَـلَوْ فَـكَّـرَ الْإِنْـسَـانُ فِـي رِبْـقَـةِ الْفَنَا … لَـمَا كَـانَ مَـغْـرُورًا وَلَا هُـوَ فَاخِرُ
  • فَـأَوَّلُـــهُ نُــطْــفَــةٌ مَــذِرَةٌ … وَآخِـــرُهُ جِــيْــفَــةٌ قَــذِرَةٌ

وَقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذَا الْكِبْرِ وَالِاخْتِيَالِ أَبْلَغَ تَحْذِيرٍ فَقَالَ: “بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ، تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ” (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). إِنَّ اسْتِعْرَاضَ النِّعَمِ أَمَامَ مَنْ يَفْتَقِدُهَا لَيْسَ شُكْرًا، بَلْ هُوَ قَسْوَةُ قَلْبٍ وَتَكَبُّرٌ مَمْقُوتٌ.

  • فمَنْ تَبَاهَى بِنِعْمَةٍ أَوْرَثَهُ اللَّهُ ذُلَّ زَوَالِهَا، وَمَنْ جَبَرَ خَوَاطِرَ الْمَحْرُومِينَ جَبَرَهُ اللَّهُ فِي الدَّارَيْنِ. يَا مَظْهَرَ الْكِبْرِ إِعْجَابًا بِصُورَتِهِ .. أَبْصِرْ خَلَاءَكَ إِنَّ النَّتْنَ تَثْرِيبُ
  • لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِيمَا فِي بُطُونِهِمُ .. مَا اسْتَشْعَرَ الْكِبْرَ شُبَّانٌ وَلَا شِيبُ
  • إنَّ التَّبَاهِيَ وَالْمُفَاخَرَةَ بِالنِّعَمِ مَزْلَقٌ نَفْسِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ وَخِيمٌ، يَسْلُبُ النِّعْمَةَ، وَيُورِثُ النِّقْمَةَ، وَيَجْعَلُ الصَّاحِبَ مَمْقُوتًا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فكَيْفَ يَطِيبُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَسْتَعْرِضَ عَافِيَتَهُ أَمَامَ عَلِيلٍ يَتَأَوَّهُ؟ أَوْ يَخْتَالَ بِمَالِهِ أَمَامَ فَقِيرٍ لَا يَجِدُ قُوتَ عِيَالِهِ؟ أَوْ يَتَبَاهَى بِنِعْمَةِ الْأَوْلَادِ أَمَامَ مَحْرُومٍ يَحْتَرِقُ شَوْقًا لِضَمَّةِ طِفْلٍ؟ إِنَّ هَذَا الِاسْتِعْلَاءَ لَيْسَ مُجَرَّدَ زَلَّةِ لِسَانٍ، بَلْ هُوَ جَرِيمَةٌ نَفْسِيَّةٌ نَكْرَاءُ تُسَمَّى “كَسْرَ الْخَوَاطِرِ”، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَهْلَ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ بِأَشَدِّ الْعِقَابِ زَجْرًا وَتَرْهِيبًا، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا»، وَجَاءَ التَّحْذِيرُ النَّبَوِيُّ الزَّاجِرُ لِيَقْطَعَ دَابِرَ هَذَا الدَّاءِ حَيْثُ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَوَسَلَّمَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». فَيَا حَسْرَةَ الْمُتَبَاهِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَمَا تُبْلَى السَّرَائِرُ، فَيُحْشَرُونَ كَأَمْثَالِ الذَّرِّ تَطَؤُهُمُ الْأَقْدَامُ صَغَارًا وَمَذَلَّةً، جَزَاءً وَفَاقًا لِمَا أَذَاقُوا خَلْقَ اللَّهِ مِنَ الْمَذَلَّةِ وَالِانْكِسَارِ.
  • وَفِي مُقَابِلِ هَذَا التَّحذير، يَأْتِي التَّرْغِيبُ فِي جَبْرِ الْخَوَاطِرِ لِيَفْتَحَ لِلْقُلُوبِ أَبْوَابَ الرَّجَاءِ وَالسُّمُوِّ؛ فَمَا أَعْظَمَ أَنْ يَعِيشَ الْمَرْءُ بَيْنَ النَّاسِ بِجَنَاحٍ خَافِضٍ، مُدَاوِيًا لِجِرَاحِ الْمُنْكَسِرِينَ! إِنَّ جَبْرَ الْخَوَاطِرِ عِبَادَةٌ تَقُودُ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَمَنْ سَارَ بَيْنَ النَّاسِ جَابِرًا لِلْخَوَاطِرِ، أَدْرَكَتهُ عناية اللَّهُ فِي جَوْفِ الْمَخَاطِرِ. وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ الْقُدْوَةِ، حِينَمَا كَانَ يَجْبُرُ خَاطَرَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ؛ فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَرْوِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا». وَيَمُرُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطِفْلٍ صَغِيرٍ مَاتَ عُصْفُورُهُ، فَيَجْلِسُ مَعَهُ وَيُمَازِحُهُ جَبْرًا لِقَلْبِهِ الطَّفُولِيِّ قَائِلًا: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»، وَتَأْتِيهِ الْمَرْأَةُ الْبَسِيطَةُ الَّتِي فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَتَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَيَقُولُ لَهَا بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَلُطْفٍ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ»، فَقَامَ مَعَهَا حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. فَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ، وَمَنْ مَسَحَ دَمْعَةَ مَحْزُونٍ، أَوْ جَبَرَ خَاطَرَ مَكْسُورٍ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَأَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ. فَاحْذَرُوا كَسْرَ الْقُلُوبِ بِالتَّبَاهِي، فَإِنَّ جُرْحَ السِّنانِ لَهُ الْتِئَامٌ، وَلَا يَلْتَئِمُ مَا جَرَحَ اللسان ُ.

الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: ثَمَرَاتُ الرِّضَا (جَنَّةُ الدُّنْيَا الَّتِي تَمْحُو كُلَّ هَمٍّ)

إِذَا امْتَلَأَ الْقَلْبُ بِالرِّضَا، اسْتَحَالَتِ الْحَيَاةُ إِلَى نَعِيمٍ لَا يُوصَفُ. الرَّاضِي لَا يَحْسِدُ، وَلَا يَحْقِدُ، وَلَا يَجْزَعُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ هُنَا كَمَا فَسَّرَهَا كِبَارُ الصَّحَابَةِ هِيَ (الْقَنَاعَةُ وَالرِّضَا). جَاءَ رَجُلٌ إِلَى حَكِيمٍ وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَعْلَمُ أَنِّي رَاضٍ عَنِ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْحَكِيمُ: “إِذَا كُنْتَ تَفْرَحُ بِالْمُصِيبَةِ -عِلْمًا بِمَا فِيهَا مِنْ تَكْفِيرٍ وَأَجْرٍ- كَمَا تَفْرَحُ بِالنِّعْمَةِ، فَأَنْتَ رَاضٍ!”. وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَصَفَ حَالَةَ الْغِنَى الْحَقِيقِيَّةِ بِقَوْلِهِ: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ” (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

  • فالرِّضَا يُحَوِّلُ الْقَلِيلَ إِلَى كَثِيرٍ، وَالضِّيقَ إِلَى سَعَةٍ، وَهُوَ مِفْتَاحُ الْفَلَاحِ. هِيَ الْقَنَاعَةُ فَاحْفَظْهَا تَكُنْ مَلِكًا .. لَوْ لَمْ تَكُنْ لَكَ إِلَّا رَاحَةُ الْبَدَنِ وَانْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا .. هَلْ رَاحَ مِنْهَا بِغَيْرِ الْقُطْنِ وَالْكَفَنِ

وَقْفَةٌ مَعَ خَطَرِ “السُّوشِيَال مِيدْيَا” وَسَرَابِ التَّبَاهِي الْمُعَاصِرِ

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ، لَقَدْ بُلِينَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بِفِتْنَةٍ أَكَلَتِ الْقَنَاعَةَ مِنْ قُلُوبِ الْكَثِيرِينَ، وَهِيَ مَا يُسَمَّى بِـ (وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ – السُّوشِيَال مِيدْيَا). لَقَدْ تَحَوَّلَتْ هَذِهِ الشَّاشَاتُ إِلَى مَنَصَّاتٍ لِلِاسْتِعْرَاضِ وَالتَّبَاهِي الْمَرَضِيِّ؛ فَهَذَا يُصَوِّرُ مَائِدَتَهُ وَطَعَامَهُ، وَتِلْكَ تُصَوِّرُ رِحْلَتَهَا وَمَلَابِسَهَا، وَيَتَنَاسَى الْجَمِيعُ أَنَّ خَلْفَ تِلْكَ الشَّاشَاتِ عُيُونًا تَدْمَعُ، وَقُلُوبًا تَتَوَجَّعُ؛ أَرْمَلَةٌ لَا تَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ يَتَامَاهَا، وَفَقِيرٌ لَا يَجِدُ مَا يَسْتُرُ بِهِ حَالَهُ، وَمَرِيضٌ يَتَمَنَّى نِصْفَ هَذِهِ الْعَافِيَةِ! لَقَدْ أَفْسَدَتْ هَذِهِ الْمَظَاهِرُ الْخَادِعَةُ رِضَا النَّاسِ بِبُيُوتِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ الْمُسْتَقِرَّةِ، حِينَ جَعَلُوهَا فِي مُقَارَنَةٍ ظَالِمَةٍ مَعَ “اللَّحَظَاتِ الْمُنْتَقَاةِ” الَّتِي يَعْرِضُهَا الآخَرُونَ. وَنَسُوا قَوْلَ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]. إِنَّ رَبْطَ قِيمَةِ الْإِنْسَانِ بِعَدَدِ الْإِعْجَابَاتِ (اللَّايْكَات) وَالْمُتَابِعِينَ لَهُوَ انْتِكَاسَةٌ لِلْفِطْرَةِ. كُنْ شَاكِرًا لِلَّهِ فِي سِرِّكَ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ، وَلَا تَكُونُوا خَنَاجِرَ تَغْرِسُونَ حَسْرَةَ الْحِرْمَانِ فِي صُدُورِ الْبُسَطَاءِ مِنْ أَجْلِ لَحْظَةِ غُرُورٍ زَائِفَةٍ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ الرِّضَا قَلْعَةٌ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهَا أَمِنَ، وَالتَّبَاهِيَ وَالْكِبْرَ سَمٌّ مَنْ تَذَوَّقَهُ هَلَكَ. ارْضَوْا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَكُونُوا أَغْنَى النَّاسِ، وَأَخْفُوا نِعَمَكُمْ رَحْمَةً بِالْمَحْرُومِينَ وَوِقَايَةً مِنَ الْحَاسِدِينَ. تَوَاضَعُوا لِلَّهِ يَرْفَعْكُمْ، وَاطْلُبُوا غِنَى النَّفْسِ فَإِنَّهُ الْغِنَى الَّذِي لَا يَبْلَى.

اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، تُؤْمِنُ بِلِقَائِكَ، وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ، وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ. اللَّهُمَّ قَنِّعْنَا بِمَا رَزَقْتَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَاخْلُفْ عَلَى كُلِّ غَائِبَةٍ لَنَا بِخَيْرٍ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ. اللَّهُمَّ نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ لِنِعَمِكَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، الْمُتَوَاضِعِينَ لِعَظَمَتِكَ، الْمُنْكَسِرِينَ بَيْنَ يَدَيْكَ. وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

عِبَادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

كتبها واعدها الشيخ محمد القطاوي 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى