خطبة الجمعة

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القادمة : ” أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ” الجمعة 26 ذو الحجة 1447هـ 12-06-2026م الشَّيْخِ: مُحَمَّد طَلْعَت القَطَاوِي

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ: « أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ» بتاريخ الجمعة 26 ذو الحجة ١٤٤٧هـ 12-06-٢٠٢٦م

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ

  • أولا : وَاقِعُنَا الْمُعَاصِرُ وَتَحَدِّيَاتُ الِاخْتِرَاقِ الرَّقْمِيِّ وَفِتَنِ الشَّاشَاتِ.
  • ثانيا : رَكَائِزُ الِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرِيِّ فِي الْإِسْلَامِ.
  • ثالثا : التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِلرِّفْقِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.
  • رابعا : تَشْخِيصُ آفَةِ الصَّمْتِ الْأُسْرِيِّ فِي عَصْرِ الْعَزْلَةِ الِافْتِرَاضِيَّةِ.
  • خامسا : الْآثَارُ الْمُدَمِّرَةُ لِغِيَابِ الْحِوَارِ وَانْحِرَافِ الْأَبْنَاءِ خَارِجَ الْمَنْزِلِ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا، وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا، سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ سَكَنًا لِيَذُوقَ طَعْمَ الِاسْتِقْرَارِ وَالنَّعِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَنَّانِ الْمَنَّانِ، الَّذِي جَعَلَ الْبُيُوتَ مَأْوًى لِلسَّكِينَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ، وَحِصْنًا لِلْفَضِيلَةِ، وَنَهْرًا تَتَدَفَّقُ مِنْهُ جَدَاوِلُ الرَّحْمَةِ وَالْحَنَانِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ وَتَمَاسُكَهَا آيَةً مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِهِ الْبَاهِرَةِ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْحَكِيمِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].

وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَكَانَ فِي بَيْتِهِ أَكْرَمَ النَّاسِ، وَأَلْيَنَ النَّاسِ، وَأَعْظَمَ النَّاسِ رِفْقًا وَتَحَمُّلًا وَإِحْسَانًا. صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينَ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَهِيَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ لِلْإِنْسَانِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. يَقُولُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَعِزَّاءُ.. حَدِيثُنَا الْيَوْمَ عَنْ أَثَرِ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ، فَأَعِيرُونِي الْقُلُوبَ وَالْأَسْمَاعَ خَاصَّةً، وَإِنَّنَا لَا نَتَحَدَّثُ الْيَوْمَ عَنْ مَوْضُوعٍ هَامِشِيٍّ، بَلْ نَتَحَدَّثُ عَنْ “مَعْرَكَةِ الْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ”، نَتَحَدَّثُ عَنِ اللَّبِنَةِ الْأُولَى الَّتِي إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ وَتَصَدَّعَتْ أَرْكَانُهَا تَهَاوَى الْبُنْيَانُ وَأَصْبَحَ رَكَامًا تَدْرُوهُ الرِّيَاحُ؛ إِنَّهَا الْأُسْرَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، رَحِمُ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَمَحْضَنُ الْفَضِيلَةِ، وَمَدْرَسَةُ الْأَجْيَالِ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ.. إِنَّ النَّاظِرَ بِعَيْنِ الْبَصَرِ وَالْبَصِيرَةِ، مُتَدَبِّرًا لِآيِ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ، يَجِدُ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لَمْ يُسَمِّ الْبَيْتَ مُجَرَّدَ مَأْوًى جُغْرَافِيٍّ؛ فَحِينَمَا أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَنَا بِالْبَيْتِ، لَمْ يَقُلْ عَنْهُ إِنَّهُ جُدْرَانٌ خَرَسَانِيَّةٌ، أَوْ زِينَةٌ مَادِّيَّةٌ، بَلْ صَبَغَهُ بِصِبْغَةٍ نَفْسِيَّةٍ رَائِعَةٍ، فَسَمَّاهُ سَكَنًا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: 80]. تَدَبَّرُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْعَمِيقَةَ: “سَكَنًا”! السَّكَنُ لَيْسَ مَكَانًا لِلنَّوْمِ فَقَطْ، وَلَيْسَ مَطْعَمًا لِلْأَجْسَادِ، بَلْ هُوَ الْمَلَاذُ الَّذِي تَلْجَأُ إِلَيْهِ النَّفْسُ لِتَضَعَ عَنْ كَاهِلِهَا عَنَاءَ الْحَيَاةِ، وَتَجِدَ فِيهِ الرَّاحَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالْأَمْنِ.

يَقُولُ الْعَلَّامَةُ الطَّاهِرُ ابْنُ عَاشُورٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِهِ الْفَذِّ “التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ” مُفَسِّرًا لِأَسْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ: “جَعَلَ فِي ذَلِكَ التَّزَاوُجِ أُنْسًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ تَزَاوُجًا عَنِيفًا أَوْ مُهْلِكًا، وَجَعَلَ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مَوَدَّةً وَمُحَبَّةً؛ فَالزَّوْجَانِ يَكُونَانِ مِنْ قَبْلِ التَّزَاوُجِ مُتَجَاهِلَيْنِ فَيُصْبِحَانِ بَعْدَ التَّزَاوُجِ مُتَحَابَّيْنِ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا رَحْمَةً؛ فَهُمَا قَبْلَ التَّزَاوُجِ لَا عَاطِفَةَ بَيْنَهُمَا فَيُصْبِحَانِ بَعْدَهُ مُتَرَاحِمَيْنِ كَرَحْمَةِ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ”.

إِنَّ هَذَا الرِّبَاطَ الْمُقَدَّسَ هُوَ الَّذِي يَبْنِي الْإِنْسَانَ الصَّالِحَ النَّافِعَ لِنَفْسِهِ وَمُجْتَمَعِهِ وَوَطَنِهِ. لَكِنَّنَا حِينَمَا نَنْظُرُ إِلَى بِيئَةِ الْأُسْرَةِ الْيَوْمَ، نَجِدُ فِجَاجًا وَاسِعًا، وَتَحَدِّيَاتٍ جَسِيمَةً تَقْرَعُ النَّوَافِذَ وَالْأَبْوَابَ.

أولا الْوَاقِعُ الْمُعَاصِرُ وَتَحَدِّيَاتُ الِاخْتِرَاقِ الرَّقْمِيِّ وَفِتَنِ الشَّاشَاتِ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: انْظُرُوا يَمْنَةً وَيَسْرَةً فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ؛ لَقَدْ تَبَدَّلَتِ الْأَحْوَالُ، وَدَخَلَ إِلَى عُمْقِ بُيُوتِنَا غَازٍ صَامِتٌ، ضَيْفٌ لَا يَمْلِكُ جَسَدًا لَكِنَّهُ يَمْلِكُ سُلْطَانًا عَلَى الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ. لَقَدْ دَخَلَ إِلَى بُيُوتِنَا دُونَ اسْتِئْذَانٍ ضَيْفٌ ثَقِيلٌ، فَنَهَبَ الْأَوْقَاتَ، وَشَتَّتَ الْقُلُوبَ، وَهَدَمَ الْجُدْرَانَ الْغَلِيظَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِي خُصُوصِيَّةَ الْعَائِلَةِ. إِنَّهَا وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الْحَدِيثَةِ وَالتِّكْنُولُوجْيَا الرَّقْمِيَّةُ، هَذِهِ التِّكْنُولُوجْيَا الَّتِي كَانَ يُرْجَى مِنْهَا تَقْرِيبُ الْبَعِيدِ، فَقَامَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ بِتَبْعِيدِ الْقَرِيبِ وَزِيَادَةِ الْفَجْوَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ!

لَقَدْ تَحَوَّلَتِ الْبُيُوتُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ إِلَى “فَنَادِقَ” يَجْتَمِعُ فِيهَا النَّاسُ بِأَجْسَادِهِمْ، لَكِنَّ أَرْوَاحَهُمْ مُهَاجِرَةٌ فِي فِضَاءٍ افْتِرَاضِيٍّ سَحِيقٍ! كُلُّ فَرْدٍ مُنْكَبٌّ عَلَى شَاشَتِهِ، يَسْتَقْبِلُ ثَقَافَاتٍ غَرِيبَةً، وَمُقَارَنَاتٍ ظَالِمَةً، تَهْزِمُ الرِّضَا فِي قَلْبِهِ، وَتَزْرَعُ السَّخَطَ فِي نَفْسِهِ.

وَمَا أَجْمَلَ مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ حِينَمَا وَصَفَ حَالَ الْبُيُوتِ الَّتِي فَقَدَتْ رُوحَهَا: بَيْتٌ يُقَامُ عَلَى الْجَفَاءِ حِجَارَةٌ … لَا دِفْءَ فِيهِ وَإِنْ تَسَامَى سَقْفُهُ إِنَّ الْبُيُوتَ إِذَا خَلَتْ مِنْ رَحْمَةٍ … صَارَتْ قُبُورًا وَالْوِدَادُ يُوَفِّهُ

فَكَانَتْ صُورَةُ الْبَيْتِ الْمُعَاصِرِ فِي ظِلِّ هَذَا الِاخْتِرَاقِ شَيْئًا يَنْدَى لَهُ الْجَبِينُ؛ حَيْثُ يَجْلِسُ الزَّوْجُ فِي زَاوِيَةٍ مِنَ الْغُرْفَةِ مُمْسِكًا بِهَاتِفِهِ، وَتَجْلِسُ الزَّوْجَةُ فِي الزَّاوِيَةِ الْأُخْرَى غَارِقَةً فِي عَالَمِهَا الِافْتِرَاضِيِّ، وَيَقْبَعُ الْأَبْنَاءُ خَلْفَ شَاشَاتِهِمْ صَامِتِينَ، لَا كَلَامَ، لَا نِقَاشَ، لَا حِوَارَ، وَلَا اسْتِمَاعَ! لَقَدْ تَحَوَّلَتِ الْبُيُوتُ إِلَى جُزُرٍ مُنْعَزِلَةٍ، وَمَاتَ الدِّفْءُ الْأُسْرِيُّ عَلَى مَذَابِحِ “الْإِعْجَابَاتِ” وَ”الْمُشَاهَدَاتِ”.

وَلَوْ قَلَّبْنَا صَفَحَاتِ الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ لَوَجَدْنَا نَصِيحَةً كُتِبَتْ بِمَاءِ الذَّهَبِ خَطَّهَا النَّبِيُّ بِيَدِهِ فِي عُقُولِ أَصْحَابِهِ؛ فَقَدْ حَذَّرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ مِنَ الِانْشِغَالِ بِالطَّاعَةِ وَالْعَبَادَةِ عَنْ مُتَطَلَّبَاتِ زَوْجَاتِهِمْ وَاحْتِوَاءِ بُيُوتِهِمْ وَأُسَرِهِمْ.

فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَكِنَّهُ اسْتَغْرَقَ كُلِّيًّا فِي الْعَبَادَةِ؛ فَكَانَ يَصُومُ كُلَّ الْأَيَّامِ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَغَفَلَ عَنْ رِعَايَةِ زَوْجَتِهِ وَبِنَاءِ الْوُدِّ مَعَهَا. فَجَاءَ وَالِدُهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ الْبَيْتِ الْجَدِيدِ، فَسَأَلَ كَنَّتَهُ (زَوْجَةَ ابْنِهِ): كَيْفَ تَجِدِينَ زَوْجَكِ؟ فَقَالَتِ الزَّوْجَةُ بِأُسْلُوبٍ رَاقٍ وَبَلِيغٍ لَمْ تَجْرَحْ فِيهِ زَوْجَهَا وَلَكِنَّهَا شَخَّصَتِ الْمُشْكِلَةَ: “نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ! لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا، وَلَمْ يَفْتِشْ لَنَا كَنَفًا مُذْ جِئْنَاهُ” (أَيْ أَنَّهُ مُسْتَغْرَقٌ فِي الْعَبَادَةِ وَلَا يَلْتَفِتُ لِزَوْجَتِهِ). فَلَمْ يُعَنِّفْهَا عَمْرٌو، وَلَمْ يَتَجَاهَلْ شَكْوَاهَا، بَلْ ذَهَبَ فَوْرًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَشَكَا إِلَيْهِ حَالَ ابْنِهِ. فَاسْتَدْعَى النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَقَالَ لَهُ لِيُعِيدَ التَّوَازُنَ إِلَى بَيْتِهِ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

لَقَدْ فَطِنَ النَّبِيُّ هُنَا إِلَى أَهَمِّيَّةِ دَوْرِ الْآبَاءِ فِي مُتَابَعَةِ اسْتِقْرَارِ بُيُوتِ أَبْنَائِهِمْ بِحِكْمَةٍ وَلُطْفٍ، دُونَ التَّدَخُّلِ الْمُفْسِدِ، بَلْ بِالتَّوْجِيهِ السَّدِيدِ الَّذِي يَحْمِي مَشَاعِرَ جَمِيعِ الْأَطْرَافِ.

وَهَلْ أَتَاكُمْ نَبَأُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ الَّذِي أَنْقَذَ بَيْتَ أَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ كَارِثَةِ الِانْهِيَارِ؟ فَعِنْدَمَا آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، زَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي بَيْتِهِ، فَرَأَى زَوْجَتَهُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً (لَابِسَةً ثِيَابًا قَدِيمَةً وَلَا تَهْتَمُّ بِمَظْهَرِهَا)، فَسَأَلَهَا عَنْ حَالِهَا، فَقَالَتْ: “إِنَّ أَخَاكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا؛ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ!” فَلَمْ يَسْكُتْ سَلْمَانُ عَنْ هَذَا الْخَلَلِ الَّذِي يُهَدِّدُ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ وَجِدَارَهَا الْعَاطِفِيَّ. فَلَمَا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: كُلْ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ، فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ، فَنَامَ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا. ثُمَّ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ قَوْلَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ الشَّهِيرَةَ الَّتِي تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ فِي فِقْهِ الْأُسْرَةِ: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ». فَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِصْدَاقًا لِوَعْيِ سَلْمَانَ: «صَدَقَ سَلْمَانُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

فَالْإِسْلَامُ يَا سَادَةُ لَا يَرْضَى بِالتَّدَيُّنِ الَّذِي يَهْدِمُ الْبُيُوتَ أَوْ يُجَفِّفُ الْعَوَاطِفُ، بَلْ إِنَّ إِعْطَاءَ الزَّوْجَةِ وَالْأَبْنَاءِ حَقَّهُمْ مِنَ الْوَقْتِ وَالِاهْتِمَامِ هُوَ عَيْنُ الْعَبَادَةِ وَالْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ.

بَلْ وَالْأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، هُوَ مَا تَبُثُّهُ هَذِهِ الْوَسَائِلُ مِنْ سُمُومٍ تَسْتَهْدِفُ رِضَا الْإِنْسَانِ عَنْ مَعِيشَتِهِ؛ حَيْثُ تُعْرَضُ الْحَيَاةُ عَبْرَ نَوَافِذِ بَعْضِ الْمَشَاهِيرِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا الْمُنْتَقَاةِ، الَّتِي تُخْفِي الْمَتَاعِبَ وَتُظْهِرُ الزِّينَةَ وَالرَّفَاهِيَةَ الْكَاذِبَةَ. فَيَدْخُلُ الطِّفْلُ، وَتَدْخُلُ الزَّوْجَةُ، وَيَدْخُلُ الزَّوْجُ فِي مُقَارَنَاتٍ مُسْتَمِرَّةٍ بَيْنَ وَاقِعِهِمُ الْبَسِيطِ وَبَيْنَ تِلْكَ الصُّوَرِ الْمُزَيَّفَةِ! فَتَضْعُفُ فِي قَلْبِهِ مَشَاعِرُ الرِّضَا، وَيَرْتَفِعُ سَقْفُ تَوَقُّعَاتِهِ، وَيَحِلُّ السَّخَطُ مَحَلَّ الْقَنَاعَةِ، وَيَبْدَأُ النِّزَاعُ وَالْخِصَامُ لِأَجْلِ مَطَالِبَ مَادِّيَّةٍ لَا تَنْتَهِي!

وَهُنَا نَتَذَكَّرُ قَوْلَ الشَّاعِرِ الْحَكِيمِ: رَأَيْتُ قَنَاعَةَ الْإِنْسَانِ حِصْنًا … تَقِيهِ مَذَلَّةَ الطَّمَعِ الْعَنِيفِ وَإِنَّ بَيْتًا يَقُومُ عَلَى الرِّضَا … لَأَجْمَلُ مِنْ مَحَارِيبِ السُّقُوفِ وَكَمْ مِنْ كِسْرَةٍ فِي الْبَيْتِ تَصْفُو … بِحُبٍّ لَيْسَ يُشْرَى بِالْأُلُوفِ

لَقَدْ حَذَّرَنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنْ هَذَا التَّطَلُّعِ الْمُهْلِكِ لِلنُّفُوسِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]. وَيَأْتِي التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ الْحَكِيمُ لِيُعِيدَ لِلْأُسْرَةِ تَوَازُنَهَا وَأَمْنَهَا، إِذْ قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».

ثانيا : رَكَائِزُ الِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرِيِّ فِي الْإِسْلَامِ

وَلَكِنْ كَيْفَ نُحَقِّقُ هَذَا الِاسْتِقْرَارَ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ؟ إِنَّ لِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ رَكَائِزَ وَعَوَامِلَ شَرَعَهَا الدِّينُ الْحَنِيفُ؛ فَلِكَيْ نَحْمِيَ سَفِينَةَ الْأُسْرَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَاجِ الْعَاتِيَةِ، فَقَدْ وَضَعَ لَنَا الشَّرْعُ الْحَنِيفُ خَارِطَةَ طَرِيقٍ وَاضِحَةَ الْمَعَالِمِ، تَقُومُ عَلَى رَكَائِزَ مَتِينَةٍ:

الرَّكِيزَةُ الْأُولَى: حُسْنُ الِاخْتِيَارِ وَالتَّقَارُبُ الْفِكْرِيُّ وَالْكَفَاءَةُ الْبِنَاءُ الصَّحِيحُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَسَاسٍ قَوِيٍّ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْإِسْلَامُ مِعْيَارَ الِاخْتِيَارِ قَائِمًا عَلَى الدِّينِ وَالْخُلُقِ وَصَلَاحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

يَقُولُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: “الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ، وَآخِرُهَا عِنْدَهُمْ “ذَاتُ الدِّينِ”؛ فَاظْفَرْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُسْتَرْشِدُ بِذَاتِ الدِّينِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى مُصَاحَبَةِ أَهْلِ الدِّينِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُمْ يَسْتَفِيدُ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَبَرَكَتِهِمْ وَحُسْنِ طَرَائِقِهِمْ وَيَأْمَنُ الْمَفْسَدَةَ مِنْ جِهَتِهِمْ”.

وَكَذَلِكَ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفسَادٌ عَرِيضٌ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ). وَمَعَ الدِّينِ، لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْكَفَاءَةِ وَالتَّقَارُبِ الْفِكْرِيِّ وَالثَّقَافِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ. فَالزَّوَاجُ لَيْسَ رِحْلَةَ عَاطِفَةٍ مُؤَقَّتَةٍ، بَلْ هُوَ شَرَاكَةُ عُمُرٍ، وَكُلَّمَا تَقَارَبَتْ أَنْمَاطُ التَّفْكِيرِ وَالْبِيئَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، سَهُلَ الْحِوَارُ، وَقَلَّتِ الْفَجَوَاتُ، وَنَشَأَ الْأَبْنَاءُ فِي بِيئَةٍ أُسْرِيَّةٍ هَادِئَةٍ وَمُتَّزِنَةٍ؛ لِأَنَّ زَمَانَنَا هَذَا يَتَطَلَّبُ لُغَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِمُوَاجَهَةِ طُوفَانِ الْأَفْكَارِ الْوَافِدَةِ عَبْرَ الْإِنْتِرْنِتِ.

الرَّكِيزَةُ الثَّانِيَةُ: الْفَهْمُ الصَّحِيحُ لِلْقِوَامَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أُسِيءَ فَهْمُهَا لَدَى كَثِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ فِي عَصْرِنَا، مَفْهُومُ “الْقِوَامَةِ” الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء].

 لَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ مَنْ ادَّعَوُا الْفَهْمَ أَنَّ الْقِوَامَةَ رُخْصَةٌ لِلتَّسَلُّطِ وَالْقَهْرِ، وَالِاسْتِبْدَادِ بِالرَّأْيِ، وَالتَّقْلِيلِ مِنْ كَرَامَةِ الْمَرْأَةِ! وَهَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ هُوَ عَيْنُ الِانْحِرَافِ عَنِ الْجَادَّةِ.

الْقِوَامَةُ فِي الْإِسْلَامِ تَكْلِيفٌ لَا تَشْرِيفٌ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ لَا تَسَلُّطٌ. يَقُولُ الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ سَيِّدُ طَنْطَاوِي -شَيْخُ الْأَزْهَرِ الرَّاحِلُ- فِي تَفْسِيرِهِ: “الرِّجَالُ يَقُومُونَ عَلَى شُئُونِ النِّسَاءِ بِالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالتَّأْدِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَتُهُنَّ”. وَيَقُولُ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ سَعِيدٌ رَمَضَانُ الْبُوطِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: “الْقِوَامَةُ عَلَى الْأُسْرَةِ فِي نِظَامِ الْإِسْلَامِ وَشَرْعِهِ، قِوَامَةُ رِعَايَةٍ وَإِدَارَةٍ وَلَيْسَتْ قِوَامَةَ هَيْمَنَةٍ وَتَسَلُّطٍ.. ثُمَّ إِنَّهَا لَيْسَتْ عُنْوَانًا عَلَى أَفْضَلِيَّةٍ ذَاتِيَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَتَمَيَّزُ بِهَا الْأَمِيرُ أَوِ الْمُدِيرُ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عُنْوَانًا عَلَى كَفَاءَةٍ يَتَمَتَّعُ بِهَا الْقَائِمُ بِأَعْبَاءِ هَذِهِ الْمَسْئُولِيَّةِ”.

الرَّكِيزَةُ الثَّالِثَةُ: حِفْظُ أَسْرَارِ الْبُيُوتِ وَحِمَايَةُ الْخُصُوصِيَّةِ إِنَّ هَدْمَ الْأَسْوَارِ الْمَعْنَوِيَّةِ لِلْبُيُوتِ هُوَ بِدَايَةُ الْخَرَابِ. مِنْ أَكْبَرِ مَصَائِبِ “السُوشْيَال مِيدْيَا” فِي زَمَانِنَا، أَنَّ بَعْضَ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ جَعَلُوا حَيَاتَهُمُ الْخَاصَّةَ كِتَابًا مَفْتُوحًا لِلْقَاصِي وَالدَّانِي! حَتَّى أَصْبَحَ التَّهَاوُنُ فِي حِفْظِ أَسْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ ظَاهِرَةً مُقْلِقَةً فِي ظِلِّ انْتِشَارِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ؛ حَيْثُ يَقُومُ بَعْضُ النَّاسِ بِنَشْرِ جُزْئِيَّاتِ حَيَاتِهِمْ، أَوْ نَقْلِ خِلَافَاتِهِمْ إِلَى مَنَصَّاتِ الْإِنْتِرْنِتِ طَلَبًا لِلْمَشُورَةِ مِنْ مَجَاهِيلَ، أَوْ رَغْبَةً فِي كَسْبِ تَعَاطُفٍ وَهْمِيٍّ، فَتَتَبَدَّدُ الْخُصُوصِيَّةُ وَتَزُولُ الثِّقَةُ.

بَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ أَنَّهُمْ يُصَوِّرُونَ طَعَامَهُمْ، وَخِلَافَاتِهِمْ، وَتَفَاصِيلَ بُيُوتِهِمْ طَمَعًا فِي “إِعْجَابٍ” أَوْ “مُتَابَعَةٍ”. وَهَذَا خَرَابٌ مُسْتَعْجَلٌ؛ فَبُيُوتُكُمْ أَمَانَةٌ، وَأَسْرَارُهَا مُقَدَّسَةٌ، فَلَا تَجْعَلُوهَا كَلَأً مُبَاحًا لِأَعْيُنِ الْحَاسِدِينَ وَالْمُتَرَبِّصِينَ.

اسْمَعُوا إِلَى تَحْذِيرِ الْمُصْطَفَى ﷺ حِينَمَا يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا». الْبُيُوتُ أَمَانَاتٌ، وَالْأَسْرَارُ حُقُوقٌ مُصَانَةٌ، وَمَتَى هُتِكَتْ سُتُورُ الْبُيُوتِ، دَخَلَهَا الشَّيْطَانُ بِالْإِفْسَادِ وَالتَّدْمِيرِ.

ثالثا: التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِلرِّفْقِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَيْسَ لَنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أُسْوَةٌ أَكْمَلُ وَلَا أَجْمَلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَكَيْفَ كَانَ بَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ؟ كَانَ قِمَّةً فِي الرِّفْقِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ» (رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).لَقَدْ كَانَ ﷺ تَجْسِيدًا حَيًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. يَقُولُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِهِ: “أَيْ طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ.. وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ ﷺ أَنَّهُ جَمِيلُ الْعِشْرَةِ، دَائِمُ الْبِشْرِ، يُدَاعِبُ أَهْلَهُ، وَيَتَلَطَّفُ بِهِمْ، وَيُوسِعُهُمْ نَفَقَتَهُ، وَيُضَاحِكُ نِسَاءَهُ”.

فَتَعَالَوْا لِنَسْتَعْرِضْ صُوَرًا وَاقِعِيَّةً مِنْ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، لِنَرَى كَيْفَ يُبْنَى الِاسْتِقْرَارُ بِالرَّحْمَةِ:

  1. التَّلَطُّفُ وَالْمُعَاوَنَةُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قِصَّةِ قُفُولِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ، قَالَ: «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). أَيْنَ رِجَالُ زَمَانِنَا مِنْ هَذَا التَّوَاضُعِ وَالْإِكْرَامِ لِلْمَرْأَةِ؟
  2. الْمُدَاعَبَةُ وَإِدْخَالِ السُّرُورِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، قَالَتْ: «فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).
  3. الِاحْتِوَاءُ عِنْدَ الْبُكَاءِ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَهَا فَأَبْطَأَتْ فِي الْمَسِيرِ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي وَتَقُولُ: حَمَلْتَنِي عَلَى بَعِيرٍ بَطِيءٍ، «فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ عَيْنَيْهَا وَيُسْكِتُهَا» (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).
  4. التَّعْبِيرُ الصَّرِيحُ عَنِ الْحُبِّ: عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ لَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ: «عَائِشَةُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). وَكَانَ ﷺ يَقُولُ لَهَا حِينَمَا تَسْأَلُهُ: كَيْفَ حُبُّكَ لِي؟ يَقُولُ: «كَعُقْدَةِ الْحَبْلِ»، فَتَسْأَلُهُ بَعْدَ زَمَنٍ: كَيْفَ الْعُقْدَةُ؟ فَيَقُولُ: «عَلَى حَالِهَا».

إِنَّ هَذَا الرِّفْقَ هُوَ طَوْقُ النَّجَاةِ لِلْبُيُوتِ؛ فَأَيْنَ هَذَا الرِّفْقُ الْيَوْمَ فِي بُيُوتٍ يُهَدِّدُ فِيهَا الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ لِأَتْفَهِ السَّبَبِ؟ أَيْنَ الرِّفْقُ حِينَمَا نَرَى النَّبِيَّ ﷺ فِي جَلَالَةِ قَدْرِهِ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ لِتَضَعَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ، وَيُسَابِقُ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ فَيَسْبِقُهَا وَتَسْبِقُهُ وَيَقُولُ مُدَاعِبًا: «هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ»؟ هَكَذَا تُبْنَى الْحَيَاةُ، بِالْكَلِمَةِ الطَّايِّبَةِ وَالتَّلَطُّفِ.

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا رُزِقَ أَهْلُ بَيْتٍ الرِّفْقَ إِلَّا نَفَعَهُمْ، وَلَا صُرِفَ عَنْهُمْ إِلَّا ضَرَّهُمْ».

وَمِنْ هُنَا كَانَ التَّغَافُلُ وَالتَّغَافُرُ سَيِّدَ الْأَخْلَاقِ فِي بِنَاءِ الِاسْتِقْرَارِ. يَقُولُ عُثْمَانُ بْنُ زَائِدَةَ: «الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ؛ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ»، فَحَدَّثْتُ بِهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَقَالَ: «الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ؛ كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ». وَمَا أَجْمَلَ التَّوْجِيهَ الرَّبَّانِيَّ الْجَامِعَ عِنْدَ وُقُوعِ الْخِلَافِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237].

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: خُطُورَةُ غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ (الْجِدَارُ الصَّامِتُ)

رابعا: تَشْخِيصُ آفَةِ الصَّمْتِ الْأُسْرِيِّ فِي عَصْرِ الْعَزْلَةِ الِافْتِرَاضِيَّةِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اعْلَمُوا أَنَّ التَّحَدِّيَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يُوَاجِهُ أَوْلَادَنَا فِي هَذَا الْعَصْرِ، لَيْسَ فَقَطْ مَا يَرَوْنَهُ فِي الشَّارِعِ، بَلْ هُوَ ذَلِكَ “الْجِدَارُ الصَّامِتُ” الَّذِي يَرْتَفِعُ كُلَّ يَوْمٍ دَاخِلَ الْبُيُوتِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ! لَقَدْ أُصِيبَتِ الْأُسْرَةُ بِمَا يُسَمَّى بِـ “الْخَرَسِ الْأُسْرِيِّ”؛ حَيْثُ تَمُوتُ الْكَلِمَاتُ، وَتَغِيبُ اللَّقَاءَاتُ، وَيَعِيشُ كُلُّ فَرْدٍ فِي قَوْقَعَتِهِ الرَّقْمِيَّةِ الْمُنْعَزِلَةِ.

إِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ، وَخَاصَّةً نَفْسِيَّةَ الطِّفْلِ أَوِ الشَّابِّ فِي مَرْحَلَةِ النُّمُوِّ، تَحْتَاجُ إِلَى “الْإِنْصَاتِ” أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهَا إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَدْرَسَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، نَجِدُ أَنَّ التَّرْبِيَةَ قَامَتْ عَلَى جُسُورِ الْحِوَارِ الرَّاقِي وَالْمُتَبَادَلِ. تَدَبَّرُوا مَعِي حِوَارَ النَّبِيِّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ؛ حِينَمَا جَاءَهُ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ الثَّقِيلُ بِالذَّبْحِ، لَمْ يَلْجَأْ إِلَى الْقَهْرِ أَوْ فَرْضِ الرَّأْيِ عَنْوَةً، بَلْ بَنَى جِسْرًا مِنَ الْحِوَارِ النَّفْسِيِّ الْعَمِيقِ، فَقَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102]. فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ جَاءَ الرَّدُّ بِيَقِينٍ ثَابِتٍ نَبَعَ مِنْ ذَلِكَ الِاحْتِوَاءِ: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءُ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.

وَتَأَمَّلُوا وَصَايَا لُقْمَانَ الْحَكِيمِ لِابْنِهِ، كَيْفَ يَفْتَحُ قَلْبَ ابْنِهِ بِالنِّدَاءِ الْمَشْحُونِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ الصَّادِقِ: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. ثُمَّ يُكَرِّرُ: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].

يَقُولُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الْآيَاتِ: “وَصَّى ابْنَهُ بِأَعْظَمِ الطَّاعَاتِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَمْتَثِلَ ذَلِكَ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَيَزْدَجِرَ عَنِ الْمُنْكَرِ.. وَقَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ يَقْتَضِي حَضًّا عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ نَالَكَ ضَرَرٌ؛ فَهُوَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُغَيِّرَ يُؤْذَى أَحْيَانًا.. وَقِيلَ: أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الدُّنْيَا كَالْأَمْرَاضِ وَغَيْرِهَا، وَأَلَّا يَخْرُجَ مِنَ الْجَزَعِ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ لِأَنَّهُ يَعُمُّ”.

خامسا : الْآثَارُ الْمُدَمِّرَةُ لِغِيَابِ الْحِوَارِ وَانْحِرَافِ الْأَبْنَاءِ خَارِجَ الْمَنْزِلِ

أَيُّهَا الْآبَاءُ، أَيَّتُهَا الْأُمَّهَاتُ: إِنَّ الْقَاعِدَةَ النَّفْسِيَّةَ وَالْوَاقِعِيَّةَ تَقُولُ: إِنَّ الِابْنَ أَوِ الْبِنْتَ إِذَا لَمْ يَجِدَا أُذُنًا مُصْغِيَةً دَاخِلَ الْبَيْتِ، سَيَبْحَثَانِ عَنْ آذَانٍ أُخْرَى خَارِجَهُ! حِينَمَا يَعُودُ الشَّابُّ إِلَى مَنْزِلِهِ مُثْقَلًا بِأَسْئِلَةِ الْحَيَاةِ، أَوْ بِشُبُهَاتٍ يَطْرَحُهَا أَهْلُ السُّوءِ عَبْرَ الْإِنْتِرْنِتِ، فَيَجِدُ أَبَاهُ مَشْغُولًا بِهَاتِفِهِ أَوْ تِجَارَتِهِ، وَيَجِدُ أُمَّهُ غَارِقَةً فِي شَاشَتِهَا، فَيُقَابَلُ بِالصَّدِّ أَوِ التَّسْفِيهِ، هُنَا تَنْقَطِعُ الْجُسُورُ.

فَأَيْنَا يَذْهَبُ هَذَا الْغُلَامُ؟ وَأَيْنَ تَلْجَأُ هَذِهِ الْفَتَاةُ؟ سَيَلْجَئُونَ إِلَى فِضَاءِ الْإِنْتِرْنِتِ الْمَفْتُوحِ بِلَا رَقَابَةٍ، إِلَى غُرَفِ الدَّرْدَشَةِ الْمَجْهُولَةِ، وَمَجْمُوعَاتِ التِّلِجْرَامِ أَوِ الْفِيسْبُوكِ الْمُشَبَّهَةِ. وَهُنَاكَ يَقْبَعُ صَيَّادُو الْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ! يَتَلَقَّفُهُمْ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَسِيرُوا بِهِمْ فِي دَرْبِ الِانْحِرَافِ الْفِكْرِيِّ وَالشُّبُهَاتِ الَّتِي تَهْدِمُ الْعَقِيدَةً، وَإِمَّا أَنْ يَقَعُوا فِي مُسْتَنْقَعِ الشَّهَوَاتِ، وَالْمُخَدِّرَاتِ، وَالرَّذِيلَةِ.

كَمْ هِيَ مُؤْلِمَةٌ تِلْكَ الْقِصَصُ الْوَاقِعِيَّةُ الَّتِي نَسْمَعُهَا فِي مَحَاكِمِنَا وَمُجْتَمَعَاتِنَا! فَتَاةٌ تَنْزَلِقُ فِي حَبَائِلِ ذِئْبٍ بَشَرِيٍّ خَدَعَهَا بِكَلِمَاتِ غَزَلٍ عَبْرَ الشَّاشَاتِ، فَقَطْ لِأَنَّهَا عَانَتْ مِنْ جَفَاءٍ عَاطِفِيٍّ دَاخِلَ بَيْتِهَا، وَلَمْ تَسْمَعْ يَوْمًا كَلِمَةً حَانِيَةً مِنْ أَبِيهَا أَوْ أُمِّهَا! وَشَابٌّ يَسْقُطُ فِي حُفْرَةِ الْإِدْمَانِ لِأَنَّ بَيْتَهُ كَانَ حَلْبَةً لِلصِّرَاعِ وَالنِّزَاعِ الْمُسْتَمِرِّ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ، فَهَرَبَ مِنَ الْجَحِيمِ الْمَنْزِلِيِّ إِلَى الْهَلَاكِ الْخَارِجِيِّ!

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَّلَنَا الْمَسْؤُولِيَّةَ كَامِلَةً؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا…» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

الرِّعَايَةُ يَا حَضَرَاتِ الْآبَاءِ لَيْسَتْ أَنْ تَكُونَ بَنْكًا لِتَوْفِيرِ الْمَالِ وَشِرَاءِ الْأَجْهَزَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنَّ أَعْظَمَ نَفَقَةٍ تُنْفِقُهَا هِيَ أَنْ تُنْفِقَ مِنْ وَقْتِكَ لِتَجْلِسَ مَعَ أَوْلَادِكَ، تَسْمَعُهُمْ، تَحْتَوِيهِمْ، وَتَكُونَ لَهُمُ الصَّدِيقَ قَبْلَ الرَّقِيبِ. وَكَانَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُدْرِكُ أَنَّ صَلَاحَهُ لَهُ أَثَرٌ فِي حِفْظِ ذُرِّيَّتِهِ، فَكَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ، إِنِّي لَأَزِيدُ فِي صَلَاتِي مِنْ أَجْلِكَ، رَجَاءَ أَنْ أُحْفَظَ فِيكَ»، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82].

وُجُوبُ اسْتِمْرَارِ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ رَغْمَ الْإِسَاءَةِ وَالْخِلَافَاتِ

عِبَادَ اللَّهِ: قَدْ يَقَعُ الْخِلَافُ فِي الْبُيُوتِ، وَهَذَا مِنْ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ، وَقَدْ يُسِيءُ الْأَبُ إِلَى ابْنِهِ فِي لَحْظَةِ غَضَبٍ، أَوْ يَجْفُو الِابْنُ عَلَى أَبِيهِ، لَكِنَّ الشَّرْعَ الْحَنِيفَ وَضَعَ قَانُونًا صَارِمًا: لَا تَقْطَعُوا حِبَالَ الصِّلَةِ، وَلَا تَهْدِمُوا جُسُورَ الْبِرِّ مَهْمَا كَانَتِ الْإِسَاءَةُ!

لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَمُصَاحَبَتِهِمَا بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى وَإِنْ بَذَلَا جُهْدَهُمَا لِيَسُوقَا ابْنَهُمَا إِلَى أَعْظَمِ جَرِيمَةٍ فِي الْوُجُودِ وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. تَدَبَّرُوا لَفْظَةَ: ﴿مَعْرُوفًا﴾! الْمَعْرُوفُ هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ فِعْلٍ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ حُسْنُهُ. أَيْ تَخْفِضُ لَهُمَا الْجَنَاحَ، وَتُحْسِنُ الْكَلَامَ مَعَهُمَا، وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِحَضْرَتِهِمَا، وَتَصِلُهُمَا بِمَالِكَ، وَتَظَلُّ خَادِمًا لَهُمَا مَا حَيِيتَ.

اسْمَعُوا إِلَى هَذَا النَّمُوذَجِ الرَّائِعِ مِنَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ: قَالَتِ السَّيِّدَةُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ).

إِذَنْ، عِبَادَ اللَّهِ، الِاسْتِقْرَارُ الْأُسْرِيُّ هُوَ جِهَادٌ مُسْتَمِرٌّ، يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ، وَحِوَارٍ، وَرِفْقٍ، وَتَغَافُلٍ عَنِ الزَّلَّاتِ. وَمَتَى صَلُحَتْ بُيُوتُنَا، صَلُحَتْ أُمَّتُنَا، وَغَدَا مُجْتَمَعُنَا حِصْنًا مَنِيعًا لَا تَخْتَرِقُهُ الْفِتَنُ وَلَا تُزَعْزِعُهُ الْأَهْوَاءُ.

  • اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا أَمْرَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي بُيُوتِنَا، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ فَيْضِ سَكِينَتِكَ وَرَحْمَتِكَ مَا تَجْمَعُ بِهِ قُلُوبَنَا.
  • اللَّهُمَّ احْفَظْ أُسَرَنَا وَبُيُوتِنَا مِنْ فِتَنِ الشَّاشَاتِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، وَاجْعَلْهَا بُيُوتًا لِلطَّاعَةِ وَالذِّكْرِ وَالْمَحَبَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
  • اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْأَزْوَاجِ وَالزَّوْجَاتِ، وَاجْعَلْ بَيْنَهُمُ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ سَيِّدَةَ الْمَوْقِفِ، وَاعْصِمْهُمْ مِنَ الشِّقَاقِ وَالْفِرَاقِ.
  • اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا، وَاهْدِهِمْ سُبُلَ الرَّشَادِ، وَاعْصِمْهُمْ مِنْ دَعَوَاتِ الِانْحِرَافِ وَالْإِلْحَادِ وَمُسْتَنْقَعَاتِ الرَّذِيلَةِ.
  • اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِأَوْلَادِنَا آذَانًا صَاغِيَةً، وَقُلُوبًا حَانِيَةً، وَوَفِّقْنَا لِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنَّا.
  • اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَنَا الْغَالِيَةَ، وَاجْعَلْهَا رَايَةً لِلْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ، وَوَفِّقْ قَادَتَهَا وَعُلَمَاءَهَا لِمَا فِيهِ خَيْرُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.

عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القادمة : ” أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ” الجمعة 26 ذو الحجة 1447هـ 12-06-2026م الشَّيْخِ: مُحَمَّد طَلْعَت القَطَاوِي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى