خطبة الجمعة

خطبة الجمعة 12 يونيو :  “أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ “للدكتور محروس حفظي .word وpdf

عناصر خطبة الجمعة القادمة 12 يونيو 2026م. بعنوان: أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ، للدكتور محروس حفظي :

(1)  عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ بِالْأُسْرَةِ.

(2) أ َهَمُّ الْأُسُسِ وَالْمَعَايِيرِ الَّتِي تُحَافِظُ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ.

(3)  ضَرُورَةُ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 12 يونيو 2026م بعنوان: أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ، للدكتور محروس حفظي كما يلي: 

 أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ

بتاريخ 26 ذو الحجة 1447ه = الموافق 12 يونيو 2026 م»

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ،،،

(1)  عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ بِالْأُسْرَةِ.

أَوْلَى الْإِسْلَامُ بِالْأُسْرَةِ عِنَايَةً فَائِقَةً، وَاهْتَمَّ بِهَا اهْتِمَامًا خَاصًّا؛ لِمَا تُؤَدِّيهِ مِنْ دَوْرٍ حَيَوِيٍّ فِي بَقَاءِ النَّسْلِ الْبَشَرِيِّ، وَاسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ عَلَى هَذِهِ الْبَسِيطَةِ، وَهِيَ بِمَثَابَةِ اللَّبِنَةِ الْأُولَى فِي إِعْدَادِ الْمُجْتَمَعِ الْقَوِيمِ، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَيْسَتْ صَفْقَةً تِجَارِيَّةً بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، وَلَا ضَرُورَةً لِإِشْبَاعِ رَغَبَاتِ الْجَسَدِ فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَاقَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ جَدِيرَةٌ بِالِاحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ، بَلْ تَمْتَدُّ حَتَّى بَعْدَ الْمَوْتِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَلِذَلِكَ يَكُونُ صَلَاحُ الْأَبْنَاءِ شَفَاعَةً لِلْآبَاءِ، وَقُرَّةَ أَعْيُنٍ لَهُمْ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

بَلْ رُفَقَاءَ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَامْتِنَانِهِ وَلُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَإِحْسَانِهِ، أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ فِي الْإِيمَانِ يُلْحِقُهُمْ بِآبَائِهِمْ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا عَمَلَهُمْ؛ لِتَقَرَّ أَعْيُنُ الْآبَاءِ بِالْأَبْنَاءِ عِنْدَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ بِأَنْ يَرْفَعَ النَّاقِصَ الْعَمَلِ بِكَامِلِ الْعَمَلِ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ وَمَنْزِلَتِهِ لِلتَّسَاوِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَاكَ).

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ فِي دَرَجَتِهِ وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ؛ لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21]. [تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ].

(2) أ َهَمُّ الْأُسُسِ وَالْمَعَايِيرِ الَّتِي تُحَافِظُ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ.

أَوَّلًا: حُسْنُ الِاخْتِيَارِ:

حَدَّدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَمَّ الْأُسُسِ الَّتِي بِهَا يَخْتَارُ الْإِنْسَانُ شَرِيكَ حَيَاتِهِ «الْخُلُقَ، الْمَالَ، الْحَسَبَ، الْجَمَالَ»؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْأَرْبَعُ عَلَيْهَا مَدَارُ طَلَبِ الْإِنْسَانِ وَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا، وَأَخَّرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الدِّينَ»؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَسَاسُ الْمَتِينُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الرَّابِطَةُ الْأُسَرِيَّةُ وَبِهِ تَدُومُ، ثُمَّ تَأْتِي الْمَعَايِيرُ بَعْدَهُ تَبَاعًا، وَلِذَلِكَ ذَمَّ نَبِيُّنَا مَنْ يَرْفُضُ صَاحِبَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالسُّلُوكِ الْقَوِيمِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ].

الْجَمَالُ يَبْلَى مَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ، وَالْمَالُ قَدْ يَذْهَبُ مَعَ تَقَلُّبَاتِ الْأَحْوَالِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ، فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلَأَمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].

قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: (الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ، وَآخِرُهَا عِنْدَهُمْ «ذَاتُ الدِّينِ»، فَاظْفَرْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُسْتَرْشِدُ بِذَاتِ الدِّينِ، لَا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى مُصَاحَبَةِ أَهْلِ الدِّينِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُمْ يَسْتَفِيدُ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَبَرَكَتِهِمْ وَحُسْنِ طَرَائِقِهِمْ وَيَأْمَنُ الْمَفْسَدَةَ مِنْ جِهَتِهِمْ). [شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ].

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: (وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّائِقَ بِذِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَا سِيَّمَا فِيمَا تَطُولُ صُحْبَتُهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْصِيلِ صَاحِبَةِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْبُغْيَةِ). [فَتْحُ الْبَارِي].

مَعَ الْأَخْذِ فِي الِاعْتِبَارِ بِأَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي الزَّوَاجِ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ – وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ – مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَادِّيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَبْقَى لِاسْتِمْرَارِ عُشِّ الزَّوْجِيَّةِ، وَهَنَاءِ الْحَيَاةِ الْأُسَرِيَّةِ.

قَالَ الْمَوْصِلِيُّ الْحَنَفِيُّ: (وَالْكَفَاءَةُ تُعْتَبَرُ فِي النِّكَاحِ فِي النَّسَبِ، وَفِي الدِّينِ وَالتَّقْوَى، وَفِي الصَّنَائِعِ، وَفِي الْحُرِّيَّةِ، وَفِي الْمَالِ، وَإِذَا تَزَوَّجَتْ غَيْرَ كُفْءٍ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا). [الِاخْتِيَارُ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ].

ثانيًا: الحوارُ والمشورةُ:

شاوَرَ فيها رسولُنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجاتِهِ، ولعلَّ مِن أهمِّها مشورةُ أمِّ سلمةَ يومَ الحديبيةِ، إذ جنَّبَتِ المسلمينَ فتنةً عظيمةً، وذلك أنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا صالحَ أهلَ مكةَ قالَ لأصحابِهِ: «قُومُوا، فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا». قالَ: «فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَامَ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ، فَيَحْلِقَكَ، فَقَامَ، فَخَرَجَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ هَدْيَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا» [رواه البخاري].

الحوارُ الجادُّ الراقي، والمناقشةُ البنَّاءةُ، والتزامُ آدابِ الحديثِ مِن خفضِ الصوتِ والإنصاتِ الجيدِ، لهو أقربُ سبيلٍ لحلِّ مشاكلِ الحياةِ الزوجيةِ، أمَّا رفعُ الأصواتِ، والتعالي، والسبابُ، وتراشقُ الألفاظِ، بل قد يصلُ الأمرُ إلى حدِّ الضربِ والاقتتالِ، فهو مذمومٌ شرعًا وطبعًا، وكذا ما يشبهُ الخرسَ الأُسريَّ الذي يقتلُ المشاعرَ والعواطفَ.

ونلمحُ مِن سببِ نزولِ آياتِ سورةِ المجادلةِ كيف سعتِ السيدةُ خولةُ بنتُ ثعلبةَ لإيجادِ حلٍّ لمشكلتِها، ولم تجلسْ في بيتِها، بل حاولتِ التماسَ العذرِ لزوجِها، لقد كانتْ رضي اللهُ عنها حريصةً على عدمِ وقوعِ الطلاقِ حتى لا يضيعَ الأولادُ، ولذا ما تركتْ سبيلًا إلا سلكتْهُ، ولا بابًا إلا طرقتْهُ، إلى أن لجأتْ إلى بابِ ربِّها، فأنزلَ في شأنِها قرآنًا يُتلى إلى يومِ القيامةِ، وفي قصتِها دلالةٌ بالغةٌ على الحرصِ على بذلِ كلِّ جهدٍ ممكنٍ للحلِّ.

فعن عائشةَ قالتْ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1]» [رواه أحمد].

ثالثًا: المصارحةُ والمكاشفةُ:

يجبُ على الزوجينِ أن يُصارحَ كلٌّ منهما الآخرَ بعيوبِهِ كي يمكنَهُما أن يتعايشا معًا، وقد ضربتْ أمُّ المؤمنينَ أمُّ سلمةَ لنا المثلَ حينما ذهبَ إليها رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاطبًا، فقالتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فِيَّ ثَلَاثَ خِصَالٍ: أَنَا امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ، فَقَالَ: أَنَا أَكْبَرُ مِنْكِ، قَالَتْ: وَأَنَا امْرَأَةٌ غَيُورٌ، قَالَ: أَدْعُو اللَّهَ فَيُذْهِبُ عَنْكِ غَيْرَتَكِ، قَالَتْ: وَأَنَا امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ، قَالَ: هُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ»، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [رواه أحمد].

رابعًا: حسنُ الخلقِ واحتمالُ الأذى:

العلاقةُ الزوجيةُ يجبُ أن تكونَ قائمةً على المودةِ والرحمةِ، مصداقًا لقولِهِ تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

فالحياةُ لا تسيرُ على وتيرةٍ واحدةٍ، لذا يجبُ على الزوجينِ أن يتحملَ بعضُهما بعضًا، قالَ تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

وقالَ تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

وعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» أو قالَ: «غَيْرَهُ» [رواه مسلم].

وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ: «ينبغي للرجلِ أن يكونَ في أهلِهِ مثلَ الصبيِّ، فإذا التمسوا ما عندَهُ وجدوهُ رجلًا» [إحياء علوم الدين].

يقولُ الإمامُ الغزاليُّ: (ومن آدابِ المعاشرةِ حُسنُ الخُلُقِ معهنَّ، واحتمالُ الأذى منهنَّ، ترحُّمًا عليهنَّ {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، واعلمْ أنَّهُ ليسَ حُسنُ الخُلُقِ معها كفَّ الأذى عنها، بل احتمالُ الأذى منها، والحِلمُ عن طيشِها وغضبِها، اقتداءً برسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد كانتْ أزواجُهُ يراجعْنَهُ الكلامَ، ومن آدابِ المعاشرةِ -أيضًا- أن يزيدَ على احتمالِ الأذى منها بالمداعبةِ والمزحِ والملاعبةِ، فهي التي تُطيِّبُ قلوبَ النساءِ، وقد كانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمزحُ معهنَّ، وينزلُ إلى درجاتِ عقولِهنَّ في الأعمالِ والأخلاقِ). [إحياء علوم الدين].

إنَّ معيارَ تذكُّرِ الفضلِ عندَ الخلافِ بينَ الزوجينِ يجبُ أن يكونَ حاضرًا، بل هو سيِّدُ الموقفِ، قالَ تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237].

وجاءَ رجلٌ إلى سيدِنا عمرَ بنِ الخطابِ وقالَ: «إنَّني لا أُحِبُّ زوجتي وأريدُ طلاقَها»، فظلَّ عمرُ بنُ الخطابِ يُناقشُ الرجلَ، وفي نهايةِ حوارِهِ معهُ قالَ لهُ: «يا أخا الإسلامِ، وهلْ على الحُبِّ وحدَهُ تُبنَى البيوتُ؟!». [الزواجر لابن حجر].

تأمَّلْ قولَ اللهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]، تجدْ فيهِ دلالةً على أنَّ المرأةَ خُلِقَتْ مِن طينةِ الرجلِ، فيها ما فيهِ مِن ضعفٍ ونقصٍ وخطأٍ، فلا ينبغي أن يُفترَضَ فيها الكمالُ، والأمرُ كذلكَ بالنسبةِ لهُ، إنَّهُما مِن الطينةِ ذاتِها.

تأمَّلْ قولَ اللهِ تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]، تجدْ فيهِ معنًى لطيفًا دقيقًا؛ لما بينَ الرجلِ وزوجِهِ مِن شدَّةِ الاتصالِ والمودَّةِ، واستتارِ كلِّ واحدٍ منهما بصاحبِهِ، فاللباسُ كما يسترُ جسدَ الإنسانِ مِن تقلُّباتِ الحرِّ والبردِ، ومِن نظرِ الناسِ إليهِ، فكذلكَ الزوجُ والزوجةُ، كلاهما سترٌ للآخرِ مِن عواصفِ الحياةِ وأمواجِ الفتنِ.

المتصفِّحُ لسيرةِ خيرِ البريَّةِ يجدُ تجاوزَهُ وتغافلَهُ ومداراتَهُ لأهلِ بيتِهِ، فقد كانَ يخفضُ الجناحَ لهم، ويُلينُ الكلامَ، فتُصوِّرُهُ لنا السيرةُ أنَّهُ كانَ رؤوفًا رحيمًا، لا جبَّارًا عنيدًا.

عن أنسِ بنِ مالكٍ قالَ: كانتْ صفيةُ معَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفرٍ، وكانَ ذلكَ يومَها، فأبطأتْ في المسيرِ، فاستقبلَها رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي تبكي وتقولُ: «حملتني على بعيرٍ بطيءٍ»، فجعلَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسحُ بيديهِ عينيها ويُسكِّتُها. [رواه النسائيُّ في السنن الكبرى].

وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها كانتْ معَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفرٍ، قالتْ: «فسابقتُهُ فسبقتُهُ على رجليَّ، فلمَّا حملتُ اللحمَ سابقتُهُ فسبقني، فقالَ: هذهِ بتلكَ السبقةِ». [رواه أبو داود في سننه].

قَالَتْ عَائِشَةُ: زَارَتْنَا سَوْدَةُ يَوْمًا، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، إِحْدَى رِجْلَيْهِ فِي حِجْرِي، وَالْأُخْرَى فِي حِجْرِهَا، فَعَمِلْتُ لَهَا حَرِيرَةً، أَوْ قَالَ: «خَزِيرَةً»، فَقُلْتُ: كُلِي، فَأَبَتْ، فَقُلْتُ: لَتَأْكُلِي أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ وَجْهَكِ، فَأَبَتْ، فَأَخَذْتُ مِنَ الْقَصْعَةِ شَيْئًا فَلَطَّخْتُ بِهِ وَجْهَهَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجْلَهُ مِنْ حِجْرِهَا تَسْتَقِيدُ مِنِّي، فَأَخَذَتْ مِنَ الْقَصْعَةِ شَيْئًا فَلَطَّخَتْ بِهِ وَجْهِي، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ، فَإِذَا عُمَرُ يَقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُومَا فَاغْسِلَا وُجُوهَكُمَا، فَلَا أَحْسِبُ عُمَرَ إِلَّا دَاخِلًا» [رواه النسائي في “السنن الكبرى”].

خامسًا: حفظُ أسرارِ البيتِ:

أسرارُ العلاقةِ الزوجيةِ بكلِّ أشكالِها وأحوالِها يجبُ ألَّا تخرجَ، بل يحاولَا أن يحلَّا مشاكلَ الأسرةِ بهدوءٍ ورويَّةٍ دونَ أن يشعرَ بهما أحدٌ؛ فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [رواه مسلم].

سادسًا: الالتزامُ والوفاءُ بالحقوقِ الزوجيةِ:

الزواجُ في الإسلامِ ليسَ مجردَ وسيلةٍ مشروعةٍ لقضاءِ شهوةٍ أو رغبةٍ فقط، بل هو رباطٌ مقدسٌ له حقوقٌ وواجباتٌ، حريٌّ بكلِّ شابٍّ وفتاةٍ أن يعيَاها، فيجبُ على الزوجينِ أن يعلما ما لهما وما عليهما؛ لتسودَ المودةُ والمحبةُ بينهما.

ومن هذه الحقوقِ وجوبُ النفقةِ على الزوجِ، قالَ تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7].

ولذا أجازَ الإسلامُ للمرأةِ أن تأخذَ مِن مالِ زوجِها ما يكفيها بالمعروفِ إن كانَ لا يحسنُ النفقةَ عليها، أو يبخلُ عليها مع قدرتِهِ ويُسرِ حالِهِ؛ فعن عائشةَ قالتْ: «جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» [رواه البخاري].

ومن الحقوقِ التي أُسِيءَ فهمُها لدى كثيرٍ مِن الرجالِ «القوامةُ»، حسبما نصَّ قولُهُ تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34].

فالقوامةُ تكليفٌ ومسؤوليةٌ، وليستْ تشريفًا وتكريمًا للرجلِ، وليستْ أداةً للتسلطِ على المرأةِ وإذلالِها، والتقليلِ مِن كرامتِها وشأنِها كما يظنُّ البعضُ.

وعلى المرأةِ أن تحترمَ زوجَها وتطيعَهُ في غيرِ معصيةِ اللهِ؛ فعن أمِّ سلمةَ قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» [رواه ابن ماجه في “سننه”].

(3)  ضَرُورَةُ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ.

أمرَ دينُنا الزوجينِ معًا بالمشاركةِ في إعدادِ وتربيةِ الأولادِ، سواءٌ كانَ ذلكَ خُلقيًّا، أو علميًّا، أو بدنيًّا، أو اجتماعيًّا، ولم يجعلِ المسؤوليةَ ملقاةً على عاتقِ أحدِهما دونَ الآخرِ، قالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].

وعنِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفقٌ عليه].

لذا يجبُ عليهما تنشئةُ الأولادِ على القيمِ الصحيحةِ، وغرسُ المعاني الساميةِ، كما يجبُ أن نوفِّرَ لهم الأمانَ والاستقرارَ الأُسريَّ؛ حتى نُخرجَ منهم شخصيةً نعتزُّ ونفتخرُ بها، وتكونُ طريقًا لنا للفوزِ بخيريِ الدنيا والآخرةِ.

مدُّ جسرِ الحوارِ في التواصلِ مع الأبناءِ من الأساليبِ الإيجابيةِ في التربيةِ، وقد أثبتتِ الدراساتُ النفسيةُ أنَّ الإنسانَ يتمُّ بناءُ شخصيتِهِ بنسبةِ 80% خلالَ السنواتِ السبعِ الأولى، فإنَّهُ لم يبقَ سوى 20% حتى يصلَ إلى ثمانيَ عشرةَ سنةً حيثُ تكتملُ البرمجةُ الإنسانيةُ، وخلالَ الفترةِ الأولى يتلقى معظمُ الأطفالِ الكثيرَ من الرسائلِ السلبيةِ في مقابلِ النسبةِ الأقلِّ من الرسائلِ الإيجابيةِ على وجهِ التقريبِ والتفاوتِ بينَ الناسِ.

التواصلُ الفعَّالُ مع الأولادِ يحتاجُ إلى مهارةٍ خاصةٍ حتى يستطيعَ الآباءُ كسرَ الحواجزِ بينهم وبينَ أبنائِهم، فهذا المعلِّمُ الأولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعالجُ في جلسةٍ نفسيةٍ واحدةٍ فقط مشكلةً عميقةً لشابٍّ مندفعٍ؛ وصلَ بهِ الأمرُ إلى أن يجاهرَ برغبتِهِ في الزنا أمامَ جمعٍ من الصحابةِ.

فعن أبي أمامةَ قالَ: «إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لَا، وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ» [رواه أحمدُ في مسنده].

هذا يعقوبُ وابنُهُ يوسفُ – عليهما السلامُ – مثالٌ واقعيٌّ لما يجبُ أن تكونَ عليهِ هذهِ العلاقةُ، فيوسفُ – عليهِ السلامُ – حينَ رأى الرؤيا في المنامِ بادرَ إلى استشارةِ أبيهِ وطلبِ نصحِهِ، ممَّا يدلُّ على قوةِ العلاقةِ بينهما، قالَ تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].

ولعلَّ في هذا إشارةً أيضًا إلى أنَّهُ – عليهِ السلامُ – قد اعتادَ التواصلَ مع أبيهِ في كلِّ ما يعرضُ لهُ طالبًا مشورتَهُ ونصحَهُ.

وتأمَّلْ جوابَ يعقوبَ – عليهِ السلامُ – لابنِهِ، حيثُ اشتملَ على عدةِ تحذيراتٍ ومحفزاتٍ:

{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: 5-6].

نسألُ اللهَ أن يرزقَنا حسنَ العملِ، وفضلَ القبولِ، إنَّهُ أكرمُ مسؤولٍ، وأعظمُ مأمولٍ، وأن يجعلَ بلدَنا مِصرَ سخاءً رخاءً، أمنًا أمانًا، سلمًا سلامًا، وسائرَ بلادِ العالمينَ، ووفِّقْ ولاةَ أمورِنا لما فيهِ نفعُ البلادِ والعبادِ.

كتبه: الفقير إلى عفو ربه الحنان المنان   د / محروس رمضان حفظي عبد العال

مدرس التفسير وعلوم القرآن – كلية أصول الدين والدعوة – أسيوط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى