خطبة الجمعة القادمة: “حق الطريق ” الجمعة 3 صفر 1448هـ 17-7-2026م الشيخ محمد طلعت القطاوي

عَنَاصِرُ الخُطْبَةِ:
العنصر الأول: المفهوم الإيماني والشرعي للطريق
العنصر الثاني: التوجيهات النبوية والآداب الـمُحمَّدية في رعاية حقِّ الطَّريق
العنصر الثالث: كَفُّ الأذى وإمَاطتُه شُعبةٌ من شُعبِ الإيمان
العنصر الرابع: آفاتُ الطَّريقِ في العصر الحاضر
العنصر الخامس: كَيْفَ نَرقى بالطَّريقِ إلى مَقاماتِ الإحسان؟
الخطبة الثانية: اغتنام الأجازة الصيفية
الخطبة الأولى: (حقُّ الطَّريقِ)
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَجَلَّى لِقُلُوبِ العَارِفِينَ فَأَنَارَهَا، وَأَفَاضَ عَلَى أَرْوَاحِ السَّالِكِينَ أَسْرَارَهَا، وَسَبَّحَتْ بِحَمْدِهِ الخَلَائِقُ لَيْلَهَا وَنَهَارَهَا. سُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ عَظِيمٍ تَفَرَّدَ بِالبَقَاءِ، وَتَوَحَّدَ بِالكِبْرِيَاءِ، وَتَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ بِجَزِيلِ العَطَاءِ. نَحْمَدُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ عَلَى نِعَمٍ لَا تَغِيبُ، وَنَشْكُرُهُ تَعَالَى فِي المَحْبُوبِ وَالمَهِيبِ، وَنُسَبِّحُهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا تَقْرِيبًا وَتَحْبِيبًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَشْرَحُ الصُّدُورَ، وَتَغْمُرُ القُلُوبَ بِالنُّورِ، وَتَبْقَى ذُخْرًا لِيَوْمِ النُّشُورِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، بَدْرُ التَّمَامِ، وَمِسْكُ الخِتَامِ، وَمَجْلَى الرَّحْمَةِ لِلْأَنَامِ. بَعَثَهُ اللَّهُ بِالهُدَى وَاليَقِينِ، فَهَدَى بِهِ القُلُوبَ الحَائِرَةَ، وَأَنَارَ بِهِ البَصَائِرَ السَّائِرَةَ، وَجَعَلَهُ إِمَامًا لِلْمُتَّقِينَ، وَمَلَاذًا لِلْمُذْنِبِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ وَعَظِّمْ وَتَرَحَّمْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الأَمِينِ، صَلَاةً تَدُومُ بِدَوَامِكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ الأَبْرَارِ، وَأَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ الأَطْهَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَتَسْبِيحٍ وَاسْتِغْفَارٍ، مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَأَشْرَقَتْ أَنْوَارُ الأَسْحَارِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الوُجُودَ كُلَّهُ حَرَكَةٌ دَائِبَةٌ وَسَيْرٌ مُسْتَمِرٌّ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَالعَبْدُ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ مُسَافِرٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا عَلَى تُرَابِ الأَرْضِ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ قُرْبَةٌ أَوْ بُعْدٌ، نُورٌ أَوْ ظُلْمَةٌ. وَإِنَّ شَرِيعَتَنَا الغَرَّاءَ لَمْ تَأْتِ فَقَطْ لِتُنَظِّمَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ دَاخِلَ الجُدْرَانِ، بَلْ جَاءَتْ لِتَنْثُرَ أَرِيجَ الإِيمَانِ فِي السَّاحَاتِ وَالطُّرُقَاتِ، وَتَجْعَلَ مِنْ كُلِّ مَسْلَكٍ حِسِّيٍّ يَمْشِيهِ الإِنْسَانُ مِعْرَاجًا رُوحِيًّا يَرْتَقِي بِهِ إِلَى مَنَازِلِ الـمُقَرَّبِينَ.
إِنَّ لِلطَّريقِ فِي الإِسْلَامِ لُغَةً تَفْهَمُهَا القُلُوبُ الوَاعِيَةُ؛ فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَجَرٍ وَمَدَرٍ، بَلْ هُوَ مَوْطِنُ خُطُوَاتِ عِبَادِ اللَّهِ، وَمَمَرُّ أَرْزَاقِهِمْ، وَمَجَالُ تَعَايُشِهِمْ، فَمَنْ رَعَى حَقَّهُ، فَقَدْ رَعَى حَقَّ خَالِقِ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
فَأَعِيرُونِي قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَسْمَاعِكُمْ لِنُبْحِرَ سَوِيًّا فِي حَقِّ الطَّرِيقِ وَآدَابِهِ الَّتِي غَرَسَهَا فِينَا سَيِّدُنَا المَعْصُومُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عَنَاصِرُ الخُطْبَةِ:
العنصر الأول: المفهوم الإيماني والشرعي للطريق
العنصر الثاني: التوجيهات النبوية والآداب الـمُحمَّدية في رعاية حقِّ الطَّريق
العنصر الثالث: كَفُّ الأذى وإمَاطتُه شُعبةٌ من شُعبِ الإيمان
العنصر الرابع: آفاتُ الطَّريقِ في العصر الحاضر
العنصر الخامس: كَيْفَ نَرقى بالطَّريقِ إلى مَقاماتِ الإحسان؟
الخطبة الثانية: اغتنام الأجازة الصيفية
أولا : المفهوم الإيماني والشرعي للطريق (بين عبادة الحِسّ وصفاء الـمَعنى)
إِخْوَةَ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ: إِنَّ الطَّرِيقَ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَ مُجَرَّدَ مِسَاحَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ مَفْرُوشَةٍ بِالحَجَرِ، أَوْ دَرْبٍ مَادِّيٍّ مَسْلُوكٍ بَيْنَ الدُّورِ وَالـمَنَازِلِ، بَلْ هُوَ مَيْدَانٌ لِتَطْبِيقِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، وَعُنْوَانٌ يَعْكِسُ صَفَاءَ نَفْسِ الـمُؤْمِنِ وَطَهَارَتَهَا. إِنَّ العَبْدَ الـمُرْتَبِطَ بِرَبِّهِ يَرَى فِي كُلِّ شَارِعٍ يَمُرُّ بِهِ فُرْصَةً لِكَسْبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ، وَيَرَى فِي كُلِّ رَصِيفٍ أَمَانَةً وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَحْفَظَهَا.
فَالحِسُّ فِي الطَّرِيقِ هُوَ حَرَكَةُ الأَبْدَانِ لِقَضَاءِ الـمَعَايِشِ، أَمَّا الـمَعْنَى فَهُوَ حَرَكَةُ القَلْبِ بِالـمُرَاقَبَةِ وَالتَّقْوَى. فَبَيْنَمَا يَمْشِي جَسَدُكَ لِيَقْضِيَ حَاجَةً دُنْيَوِيَّةً، يَرْتَقِي قَلْبُكَ فِي مَقَامَاتِ الآخِرَةِ إِذَا رَعَيْتَ حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ خَلْقِهِ فِي هَذَا الـمَمَرِّ.
فَالطَّرِيقُ نِعْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ مَمْدُودَةٌ، وَفُسْحَةٌ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تُيَسِّرُ لِلنَّاسِ وِصَالَ بَعْضِهِمْ، وَتُقَرِّبُ مَسَافَاتِ مَعَايِشِهِمْ. وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ١٩-٢٠].
يَقُولُ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا: “يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نُوحٍ لِقَوْمِهِ، مُذَكِّرَهُمْ نِعَمَ رَبِّهِ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهَا وَتَمْتَهِدُونَهَا. وَقَوْلُهُ: ﴿لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾، يَقُولُ: لِتَسْلُكُوا مِنْهَا طُرُقًا شِعَابًا مُتَفَرِّقَةً. وَالفِجَاجُ جَمْعُ فَجٍّ، وَهُوَ الطَّرِيقُ” [جامع البيان].وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه: ٥٣].
وَالطَّرِيقُ اليَوْمَ فِي عَصْرِنَا يَتَّسِعُ مَعْنَاهُ لِيَشْمَلَ كُلَّ مَرْفَقٍ عَامٍّ؛ مِنْ طُرُقٍ سَرِيعَةٍ، وَجُسُورٍ، وَمَحَطَّاتٍ، وَمَطَارَاتٍ، بَلْ يَمْتَدُّ بِرُوحِهِ لِيَشْمَلَ “الطَّرِيقَ الرَّقْمِيَّ” الاِفْتِرَاضِيَّ الَّذِي نَسْلُكُهُ عَبْرَ شَبَكَاتِ التَّوَاصُلِ. فَكُلُّ مِسَاحَةٍ يَلْتَقِي فِيهَا النَّاسُ هِيَ طَرِيقٌ يَجِبُ أَنْ يَفُوحَ فِيهِ عِطْرُ الصِّدْقِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَحِفْظُ الغَيْبِ، كَيْ لَا يَتَأَذَّى سَالِكٌ.
سَلِ الطَّرِيقَ عَنِ الأَقْدَامِ هَلْ رَحَلَتْ … إِلَّا وَقَدْ تَرَكَتْ أَثَـرًا يُوَاسِيهَا
فَاجْعَلْ مَسِيرَكَ فِي الدُّنْيَا بِلَا ضَرَرٍ … إِنَّ الـمَسَالِكَ تَبْكِي مَنْ يُؤَذِّيهَا
فَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ احْتِرَامَ الطَّرِيقِ هُوَ تَعْظِيمٌ لِلْخَالِقِ الَّذِي مَهَّدَهُ، وَتَوْقِيرٌ لِلْـمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْلُكُونَهُ وَيَعْبُرُونَهُ. وَمَنْ مَشَى فِي طُرُقِ النَّاسِ بِالتَّكَبُّرِ، أَوْ الجَفَاءِ، أَوْ بَثِّ الأَذَى، فَقَدْ نَقَضَ عَهْدَ الأَمَانِ الَّذِي أَمَرَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الغَرَّاءُ.
وَفِي هَذَا الـمَعْنَى الرَّفِيعِ أَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الأَدَبِ:
وَامْشِ الهُوَيْنَا فَوْقَ تُرْبِكَ خَاشِعًا … فَعَسَى ثَرَى المَسْعَى يَكُونُ طَهُورَا
لَا تُؤْذِ نَفْسًا فِي مَـمَرِّكَ يَا أَخِي … وَاجْعَلْ عُبُورَكَ فِي الحَيَاةِ عُطُورَا
كَيْفَ رَعَى الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ حَقَّ الطَّريقِ؟ لَمْ يَكُنِ احْتِرَامُ الطَّرِيقِ عِنْدَ رِجَالِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ شِعَارًا يُقَالُ، بَلْ كَانَ خَوْفًا وَمُرَاقَبَةً تَهْتَزُّ لَهَا النُّفُوسُ رَهْبَةً مِنَ الـمُحَاسَبَةِ يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ.
فَفِي قِصَّةِ بِشْرٍ الحَافِي.. يَتَجَلَّى تَوْقِيرُ اسْمِ اللَّهِ فِي مَـمَرِّ النَّاسِ. وَفِي تَرَاجِمِ النُّبَلَاءِ، كَمَا سَاقَهَا الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي “سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ”، تُرْوَى قِصَّةُ الإِمَامِ التَّائِبِ بِشْرِ بْنِ الحَارِثِ (الـمَعْرُوفِ بِالحَافِي)، حَيْثُ كَانَ فِي بِدَايَةِ أَمْرِهِ غَافِلًا، وَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ ذَاتَ يَوْمٍ، وَجَدَ رُقْعَةً (وَرَقَةً) مَكْتُوبًا فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ سَقَطَتْ عَلَى الأَرْضِ وَتَوَاطَأَتْهَا الأَقْدَامُ وَأَصَابَهَا التُّرَابُ.
فَوَقَفَ وَقَلْبُهُ يَعْتَصِرُ أَلَمًا وَتَعْظِيمًا لِجَلَالِ رَبِّهِ، فَأَخَذَ الوَرَقَةَ وَرَفَعَهَا مِنَ الأَرْضِ بِكُلِّ إِجْلَالٍ، ثُمَّ اشْتَرَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ دَرَاهِمَ قَلِيلَةٍ مَاءَ وَرْدٍ وَعِطْرًا، فَغَسَلَ تِلْكَ الرُّقْعَةَ وَطَيَّبَهَا وَرَفَعَهَا فِي جِدَارٍ. فَلَمَّا نَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، رَأَى فِي مَنَامِهِ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: “يَا بِشْرُ، طَيَّبْتَ اسْمَنَا لَنُطَيِّبَنَّ اسْمَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ”. فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَتَحَوَّلَ مِنْ طَرِيقِ الغَفْلَةِ إِلَى طَرِيقِ الـمُقَرَّبِينَ وَالأَبْرَارِ. إِنَّ احْتِرَامَهُ لِـمَا فِي الطَّرِيقِ وَتَعْظِيمَهُ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ كَانَ سَبَبَ هِدَايَتِهِ العُظْمَى.
وَلَقَدْ كَانَ الصَّالِحُونَ مِنْ سَلَفِ الأُمَّةِ إِذَا مَشَوْا فِي الطَّرِيقِ، لَزِمُوا السَّكِينَةَ، وَحَرِصُوا أَشَدَّ الحِرْصِ أَلَّا يَنَالَ النَّاسَ مِنْهُمْ أَذًى حَتَّى العَابِرِينَ. يُرْوَى عَنِ الإِمَامِ التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَبْصُقُ فِي مَمَرِّ النَّاسِ، فَلَمَّا مَضَى الرَّجُلُ، ذَهَبَ الحَسَنُ بِنَفْسِهِ وَحَكَّ الأَذَى بِثَوْبِهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهِ مُسْلِمٌ يَمُرُّ مِنْ بَعْدِهِ.
وَهَذَا تَرْجَمَةٌ عَمَلِيَّةٌ لِلْقَاعِدَةِ النَّبَوِيَّةِ العُظْمَى الَّتِي تَحْكُمُ كُلَّ حَرَكَةٍ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الأَرْضِ، حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه].
تَمَشَّى بِرِفْقٍ فِي التُّرَابِ وَكُنْ بِهِ … نَقِيَّ الخُطَا فَالنَّاسُ مِثْلُكَ تَعْبُرُ
وَكُنْ رَحْمَةً لِلسَّائِرِينَ وَمَنْ يَمُرُّ … فَمَنْ يَرْحَمِ الخَلْقَ الإِلَهُ لَهُ يَبَرُّ
المَفْهُومُ الـمُعَاصِرُ لِلطَّرِيقِ (الطَّرِيقُ الرَّقَمِيُّ) إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ بِشُمُولِهَا لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الشَّوَارِعِ الحِسِّيَّةِ، بَلْ تَمْتَدُّ اليَوْمَ لِتَشْمَلَ “طُرُقَ التَّوَاصُلِ الرَّقْمِيِّ” وَعَالَمَ الإِنْتَرْنِتِ. فَمَنْ جَلَسَ خَلْفَ شَاشَتِهِ يَكْتُبُ تَعْلِيقًا، أَوْ يُرْسِلُ رِسَالَةً، أَوْ يَنْشُرُ مَنْشُورًا، فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ جَالِسٌ عَلَى “طَرِيقِ النَّاسِ الاِفْتِرَاضِيِّ”.
فَإِنْ نَثَرَ كَلِمَةً طَيِّبَةً وَعِلْمًا نَافِعًا، فَكَأَنَّمَا غَرَسَ شَجَرَةً طَيِّبَةً يَسْتَظِلُّ بِهَا العَابِرُونَ. وَإِنْ نَشَرَ شَائِعَةً، أَوْ تَنَمَّرَ، أَوْ خَدَشَ حَيَاءً، فَكَأَنَّمَا أَلْقَى شَوْكًا وَزُجَاجًا فِي صُدُورِ الـمُؤْمِنِينَ. وَحَقُّ الطَّرِيقِ هُنَا أَعْظَمُ وَمَسْؤُولِيَّتُهُ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ الأَذَى فِيهِ يَعْبُرُ القَارَّاتِ وَيَبْقَى مَكْتُوبًا فِي صَحِيفَةِ العَبْدِ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ.
فَيَا أَيُّهَا السَّادَةُ الأَجِلَّاءُ: إِنَّ الطَّرِيقَ نِعْمَةٌ كُبْرَى وَمَظْهَرٌ لِلْوِصَالِ بَيْنَ الخَلْقِ وهوحِسٌّ وَمَعْنًى؛ فحِسُّهُ أَنْ تَكُفَّ أَذَاكَ عَنِ الـمَارَّةِ، وَتَحْتَرِمَ قَوَانِينَ الـمُرُورِ، وَتُمَهِّدَ الدَّرْبَ لِلْعَابِرِينَ. وَمَعْنَاهُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا هِيَ مَسِيرٌ يُقَرِّبُكَ أَوْ يُبْعِدُكَ عَنِ اللَّهِ، فَطَهِّرْ مَشْيَكَ مِنَ الخُيَلَاءِ، وَامْلأْ قَلْبَكَ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّقَابَةِ إِلَهِيَّةِ، كَيْ تُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الـمُحْسِنِينَ الرَّاحِمِينَ.
وَلِتَعْلَمُوا جَيِّدًا أَنَّ الطَّرِيقَ ، وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِ السَّالِكِينَ فِي دُرُوبِهِ، وَرِعَايَتُهُ دَلِيلٌ عَلَى يَقَظَةِ القَلْبِ وَطَهَارَةِ السَّرِيرَةِ.
العنصر الثاني: التوجيهات النبوية والآداب الـمُحمَّدية في رعاية حقِّ الطَّريق
أَوَّلًا: عَظَمَةُ الـمَنهَجِ النَّبَوِيِّ فِي صِنَاعَةِ السُّلُوكِ العَامِّ إِنَّ الـمُتأَمِّلَ فِي الهَدْيِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ يَجِدُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ الغَرَّاءَ لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى تَنْظِيمِ عَلَاقَةِ العَبْدِ بِرَبِّهِ دَاخِلَ الـمَحَارِيبِ وَالـمَسَاجِدِ فَحَسْبُ، بَلْ صَاغَتْ مَنْظُومَةً أَخْلَاقِيَّةً وَمُجْتَمَعِيَّةً فَرِيدَةً تَضْبِطُ حَرَكَةَ الإِنْسَانِ فِي الـمَجَالِسِ وَالطُّرُقَاتِ وَالأَسْوَاقِ. لَقَدْ جَاءَ الرَّسُولُ القُدْوَةُ ﷺ لِيَبْنِيَ أُمَّةً تَتَعَبَّدُ لِلَّهِ بِحُسْنِ الخُلُقِ فِي الفَضَاءِ العَامِّ، كَمَا تَتَعَبَّدُ لَهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِيَتَحَوَّلَ الـمُجْتَمَعُ الـمُسْلِمُ إِلَى وَاحَةٍ مِنَ الأَمَانِ وَالنَّقَاءِ الَّذِي تَرْتَاحُ لَهُ النُّفُوسُ.
وَحِينَ بَحَثَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ مِسَاحَاتٍ يَلْتَقُونَ فِيهَا لِتَدَبُّرِ شُؤُونِهِمْ وَالتَّحَدُّثِ فِي مَعَايِشِهِمْ، لَمْ يَمْنَعْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَنْعًا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا وَضَعَ لَهُمْ “دُسْتُورًا أَخْلَاقِيًّا” يَحْمِي حُرْمَةَ الطَّرِيقِ وَيَصُونُ كَرَامَةَ العَابِرِينَ.
فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» [متفق عليه: رواه البخاري برقم (٦٢٢٩)، ومسلم برقم (٢١٢١)].
ثَانِيًا: رَكَائِزُ الدُّسْتُورِ النَّبَوِيِّ الخَمْسَةُ لِسَلَامَةِ الطَّرِيقِ تَأَمَّلُوا -يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ- كَيْفَ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ أُصُولَ السُّلُوكِ الـحَضَارِيِّ وَالإِيمَانِيِّ فِي خَمْسِ رَكَائِزَ عُرِفَتْ بِـ”حُقُوقِ الطَّرِيقِ”، وَهِيَ تُمَثِّلُ قِمَّةَ التَّزْكِيَةِ النَّفْسِيَّةِ:
غَضُّ البَصَرِ: وَهُوَ كَفُّ النَّظَرِ عَنِ العَوْرَاتِ وَالـمُحَرَّمَاتِ، وَعَدَمُ تَتَبُّعِ أَحْوَالِ الـمَارَّةِ بِتَحْدِيقٍ يُؤْذِيهِمْ أَوْ يَخْدِشُ حَيَاءَهُمْ. فَالـمُؤْمِنُ يَسِيرُ وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِرَبِّهِ، يَمْتَثِلُ أَمْرَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. إِنَّ غَضَّ البَصَرِ فِي الطَّرِيقِ طَهَارَةٌ لِلنَّفْسِ وَحِفْظٌ لِبَصِيرَةِ الـمُؤْمِنِ وَيَقَظَتِهِ.
كَفُّ الأَذَى: وَهِيَ قَاعِدَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ شَرٍّ حِسِّيٍّ أَوْ مَعْنُوِيٍّ. فَلَا يُضَيِّقُ الـجَالِسُ أَوْ السَّائِرُ عَلَى النَّاسِ مَمَرَّاتِهِمْ، وَلَا يُلْقِي الـمُخَلَّفَاتِ، وَلَا يَنْطِقُ بِالفُحْشِ أَوْ السُّخْرِيَّةِ، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِمَا يُزْعِجُ السَّاكِنِينَ وَالـمَارَّةَ.
رَدُّ السَّلَامِ: وَهُوَ بَثُّ الأَمَانِ وَالنَّمَاءِ فِي الـمُجْتَمَعِ. فَإِذَا أَلْقَى العَابِرُ السَّلَامَ، وَجَبَ عَلَى الجَالِسِ أَنْ يَرُدَّ التَّحِيَّةَ بِأَحْسَنَ مِنْهَا لِتَزُولَ الضَّغَائِنُ وَتَحِلَّ الـمَحَبَّةُ، كَمَا قَالَ ﷺ: «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ تَحَابُّوا» [رواه مسلم].
الأَمْرُ بِالـمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ: لِيَظَلَّ الفَضَاءُ العَامُّ مَحْمِيًّا بِقِيَمِ الفَضِيلَةِ وَالأَخْلَاقِ، فَيُعَانُ فِيهِ صَاحِبُ الحَقِّ، وَيُؤْخَذُ عَلَى يَدِ صَاحِبِ البَاطِلِ بِالرِّفْقِ وَالـحِكْمَةِ.
ثَالِثًا: الأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَدَبًا النَّبَوِيَّةَ كَمَا جَمَعَهَا الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لَمْ تَقْتَصِرِ السُّنَّةُ الـمُطَهَّرَةُ عَلَى هَذِهِ الخَمْسِ فَحَسْبُ، بَلْ جَاءَتْ رِوَايَاتٌ أُخْرَى بِمَزِيدٍ مِنَ الآدَابِ الَّتِي تُبَيِّنُ مَدَى جَمَالِ الدِّينِ الإِسْلَامِيِّ وَرَحْمَتِهِ. وَقَدْ شَمَّرَ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ فِي جَمْعِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، وَمِنْ أَجَلِّ ذَلِكَ مَا صَنَعَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ الـحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الـمَشْهُورِ “فَتْحُ البَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ”؛ حَيْثُ تَتَبَّعَ آدَابَ الطَّرِيقِ فِي جَمِيعِ سُنَنِ الـمُصْطَفَى ﷺ فَوَجَدَهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَدَبًا عَالِيًا.
وَلِكَيْ تَسْهُلَ كِتَابَتُهَا وَحِفْظُهَا وَتَطْبِيقُهَا، نَظَمَهَا الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَبْيَاتٍ شِعْرِيَّةٍ بَدِيعَةٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، حَيْثُ يَقُولُ:
جَمَعْتُ آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الطَّـ … ـرِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانَا
أَفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَمِّـ … ـتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا
فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِثْ … لَهْفَانَ اهْدِ سَبِيلًا وَاهْدِ حَيْرَانَا
بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى … وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا
تَأَمَّلُوا كَيْفَ تُوَسِّعُ هَذِهِ الأَبْيَاتُ الـمَفْهُومَ الأَخْلَاقِيَّ لِلطَّرِيقِ فِي الإِسْلَامِ:
فِيهَا إِحْسَانُ الكَلَامِ وَطِيبُ الخَاطِرِ لِلْغَرِيبِ وَالعَابِرِ وَفِيهَا مُعَاوَنَةُ الـمُحْتَاجِ فِي حَمْلِ مَتَاعِهِ وَدَابَّتِهِ، وَنُصْرَةُ الـمَظْلُومِ وَفِيهَا إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ (وَهُوَ الـمُسْتَغِيثُ الـمَكْرُوبُ) وَإِرْشَادُ ابْنِ السَّبِيلِ وَالـحَيْرَانِ لِيَصِلَ إِلَى مَقْصِدِهِ آمِنًا وَفِيهَا إِكْثَارُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِيَكُونَ لِسَانُ الـمُؤْمِنِ رَطْبًا بِالتَّسْبِيحِ وَالاِسْتِغْفَارِ وَهُوَ يَمْشِي أَوْ يَجْلِسُ، فَتَتَطَهَّرَ البِقَاعُ بِذِكْرِ مَوْلَاهَا.
إِنَّ تِلْكَ الآدَابَ الـمُحَمَّدِيَّةَ لَا تَدَعُ مَجَالًا لِلْفَوْضَى أَوِ الأَنَانِيَّةِ فِي طُرُقِ الـمُسْلِمِينَ، بَلْ تَبْنِي مُجْتَمَعًا مُتَرَاحِمًا يَتَسَابَقُ فِيهِ الأَفْرَادُ لِخِدْمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
رَابِعًا: تَحْوِيلُ العَادَاتِ إِلَى عِبَادَاتٍ زَاكِيَةٍ إِنَّ سِرَّ التَّزْكِيَةِ فِي امْتِثَالِ هَذِهِ السُّنَّةِ الـمُبَارَكَةِ هُوَ أَنَّ الإِسْلَامَ نَقَلَ “العَادَاتِ اليَوْمِيَّةَ” الَّتِي يَفْعَلُهَا كُلُّ النَّاسِ (كَالـمَشْيِ فِي الشَّوَارِعِ أَوْ النَّظَرِ أَوْ الـمُرُورِ) لِيَجْعَلَ مِنْهَا “عِبَادَاتٍ إِيمَانِيَّةً” كُبْرَى يُؤْجَرُ عَلَيْهَا الـمُسْلِمُ إِذَا صَدَقَتْ نِيَّتُهُ.
فَالـمُؤْمِنُ الحَقُّ لَا يَسِيرُ فِي طُرُقِ النَّاسِ غَافِلًا لَاهِيًا، بَلْ يَسِيرُ وَقَلْبُهُ مُسْتَيْقِظٌ يَبْحَثُ عَنْ أَعْمَالِ البِرِّ؛ فَيَبْتَسِمُ فِي وَجْهِ هَذَا، وَيَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى ذَاكَ، وَيَرْفَعُ حَجَرًا عَنِ الدَّرْبِ، وَيُفْسِحُ لِـمَرْكَبَةٍ أَوْ عَابِرٍ طَرِيقَهُ؛ فَيَنْقَلِبُ مَشْيُهُ كُلُّهُ إِلَى صَحِيفَةِ حَسَنَاتٍ لَا تَنْفَدُ.
وَالحَقَّ أَقُولُ: إِنَّ التَّوْجِيهَاتِ النَّبَوِيَّةَ فِي آدَابِ الطَّرِيقِ هِيَ مِعْيَارُ صِدْقِ الاِتِّبَاعِ لِسُنَّةِ الـمُصْطَفَى ﷺ؛ فَلَيْسَ الـمُسْلِمُ مَنْ حَفِظَ النُّصُوصَ وَضَيَّعَ تَطْبِيقَهَا، بَلِ الـمُسْلِمُ الحَقُّ هُوَ الـمُمْتَثِلُ لِهَدْيِ نَبِيِّهِ فِي غَضِّ بَصَرِهِ، وَكَفِّ أَذَاهُ، وَبَذْلِ نَفْعِهِ لِلْعَابِرِينَ، لِيَكُونَ مَشْيُهُ عَلَى الأَرْضِ نُورًا، وَعُبُورُهُ فِي الحَيَاةِ خَيْرًا وَبَرَكَةً.
العنصر الثالث: كَفُّ الأذى وإمَاطتُه شُعبةٌ من شُعبِ الحُبِّ والإيمان
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ رَفْعَ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ عِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ تَنْبَعُ مِنْ رَحْمَةِ العَبْدِ بِالخَلْقِ.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» [متفق عليه، رواه البخاري (٩) ومسلم (٣٥)].
وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ. قَالَ: «اعْزِلِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» [رواه مسلم (٢٦١٨)].
وَإِظْهَارًا لِعَظَمَةِ حَقِّ الطَّرِيقِ وَأَهَمِّيَّةِ التَّمَسُّكِ بِآدَابِهِ وَفَضْلِ إِمَاطَةِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ السَّالِكِينَ فِيهِ، يَسُوقُ لَنَا الـمُصْطَفَى ﷺ قِصَّةً تَهْتَزُّ لَهَا أَرْكَانُ القُلُوبِ مَحَبَّةً وَرَجَاءً؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» [متفق عليه، رواه البخاري (٦٥٢) ومسلم (١٩١٤)].
يَقُولُ القَاضِي عِيَاضٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “وَفِيهِ بَيَانُ عَظِيمِ أَجْرِ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى سَلَامَةِ الطَّرِيقِ وَنَظَافَتِهِ… وَمَعْنَى فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، أَيْ: أَحَبَّهُ مِنْهُ وَرَضِيَ فِعْلَهُ، ثُمَّ جَازَاهُ عَلَيْهِ” [إكمال المعلم بفوائد مسلم] وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَتَقَلَّبُ فِي ظِلِّهَا فِي الْجَنَّةِ» [رواه أحمد في مسنده (١٠١٦٧)].
سُبْحَانَ اللَّهِ! غُصْنُ شَوْكٍ يُزَاحُ بِرِفْقٍ وَرَحْمَةٍ، فَيَتَحَوَّلُ العَبْدُ بِسَبَبِهِ إِلَى النَّعِيمِ مُتَقَلِّبًا تَحْتَ ظِلَالِ أَشْجَارِ الجَنَّةِ الوَارِفَةِ! إِنَّهَا النَّفْحَةُ الإِلَهِيَّةُ الَّتِي تُبَارِكُ القَلِيلَ وَتُعَظِّمُ الأَثَرَ إِذَا صَدَقَتِ النِّيَّةُ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا رَجُلًا أَمَاطَ الأَذَى وَأَبْعَدَهُ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ وَنَحَّاهُ جَانِبًا بِنِيَّةٍ مُخْلِصَةٍ صَادِقَةٍ لَا يَبْتَغِي مِنْهَا لَقْطَةً مُصَوَّرَةً أَوْ شُهْرَةً زَائِفَةً وَإِنَّمَا فَعَلَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ فَكَافَأَهُ اللَّهُ بِأَعْظَمِ مُكَافَأَةٍ، وَهَلْ بَعْدَ تَقَلُّبِهِ فِي الجَنَّةِ فِي ظِلِّ أَشْجَارِهَا مُكَافَأَةٌ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَكَيْفَ بِمَنْ أَمَاطَ الأَذَى عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَحَيَاتِهِمْ وَلَمْ يَتَسَبَّبْ فِي دَمَعَاتِهِمْ وَلَا قَهْرِ قُلُوبِهِمْ؟ فَهَنِيئًا لَنَا بِدِينٍ يَنْشُرُ السَّلَامَ وَالأَمَانَ بَيْنَ أَفْرَادِهِ، وَيَجْعَلُ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنِ النَّاسِ فِي طَرِيقِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ وَتَعَامُلَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ عِشْقًا سَارِيًا فِي مَدَارِجِ الخِدْمَةِ؛ وَيَجْعَلُ مَنْ تَلَطَّفَ بِعِبَادِ اللَّهِ تَحْتَ لَهِيبِ الشَّمْسِ بِإِزَالَةِ عَقَبَةٍ مِنْ طَرِيقِهِمْ، أَهْلًا لِظِلِّهِ فَيُظِلُّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ العَظِيمِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ.
العنصر الرابع: آفاتُ الطَّريقِ في العصر الحاضر
إِخْوَةَ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ: عَلَى نَقِيضِ السُّلُوكِ الرَّاقِي وَالآدَابِ النَّبَوِيَّةِ العَالِيَةِ، يَعْصِفُ بِمُجْتَمَعَاتِنَا اليَوْمَ جَفَافٌ رُوحِيٌّ مَخُوفٌ، وَتَرَاجُعٌ أَخْلَاقِيٌّ نَرَاهُ رَأْيَ العَيْنِ فِي طُرُقَاتِنَا وَشَوَارِعِنَا. إِنَّ مَظْهَرَ الشَّارِعِ العَامِّ اليَوْمَ لَمْ يَعُدْ يَعْكِسُ -فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ- طَهَارَةَ القُلُوبِ وَيَقَظَتَ النُّفُوسِ؛ بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى مَيْدَانٍ لِلتَّسَابُقِ وَالأَنَانِيَّةِ وَالتَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الآخَرِينَ.
إِنَّ هَذَا الجَفَافَ السُّلُوكِيَّ يُوجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ أَنْ يَقِفَ طَوِيلًا مَعَ نَفْسِهِ لِلْمُحَاسَبَةِ، مُتأَمِّلًا كَيْفَ تَحَوَّلَتْ مَمَاشِي النَّاسِ وَسُبُلُ عَيْشِهِمْ إِلَى مَظَاهِرَ تُؤْذِي الأَبْصَارَ وَتُكَدِّرُ النُّفُوسُ.
وَلَقَدْ تَنَوَّعَتْ صُوَرُ الأَذَى فِي عَصْرِنَا الحَاضِرِ، وَظَهَرَتْ آفَاتٌ جَدِيدَةٌ تُهَدِّدُ أَمْنَ النَّاسِ وَأَرْوَاحَهُمْ وَصِحَّتَهُمْ، وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الصُّوَرِ الـمُؤْلِمَةِ:
١. مُخَالَفَةُ أَنْظِمَةِ الـمُرُورِ وَتَجَاوُزُ القَوَانِينِ الـمُنَظِّمَةِ: إِنَّ القِيَادَةَ بِتَهَوُّرٍ وَرَعُونَةٍ، وَقَطْعَ الإِشَارَاتِ الضَّوْئِيَّةِ، وَالسَّيْرَ عَكْسَ الاِتِّجَاهِ الـمُحَدَّدِ؛ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُخَالَفَاتٍ إِدَارِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هِيَ صُوَرٌ صَارِخَةٌ مِنْ كَسْرِ الأَمَانَةِ وَإِهْلَاكِ النُّفُوسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَهَا أَوْ تَعْرِيضَهَا لِالتَّلَفِ. إِنَّ الشَّرْعَ الـمُطَهَّرَ جَاءَ لِحِفْظِ الأَرْوَاحِ، وَمَنْ يَتَجَاسَرُ عَلَى قَوَانِينَ الـمُرُورِ يَرْتَكِبُ جِنَايَةً فِي حَقِّ الـمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، وَهُوَ عَيْنُ التَّسَبُّبِ فِي الضَّرَرِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ الـمُصْطَفَى ﷺ بِقَوْلِهِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجه].
٢. رَشْقُ القِطَارَاتِ وَالاِعْتِدَاءُ عَلَى وَسَائِلِ النَّقْلِ العَامِّ: وَهِيَ أَفْعَالٌ طَائِشَةٌ يَقُومُ بِهَا بَعْضُ الغَافِلِينَ، وَتَنُمُّ عَنْ تَبَلُّدِ الإِحْسَاسِ بِالـمَسْؤُولِيَّةِ وَغِيَابِ التَّرْبِيَةِ القَوِيمَةِ. إِنَّ رَشْقَ قِطَارٍ يَسِيرُ بِسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ بِالحِجَارَةِ يُؤَدِّي لِتَرْوِيعِ الـمُسَافِرِينَ الآمِنِينَ، وَإِصَابَةِ الرُّكَّابِ بِجُرُوحٍ بَالِغَةٍ، عِلَاوَةً عَلَى تَدْمِيرِ وَتَخْرِيبِ الـمَالِ العَامِّ الـمَمْلُوكِ لِلأُمَّةِ جَمِيعًا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ.
٣. العُبُورُ العَشْوَائِيُّ لِقُضْبَانِ السِّكَكِ الحَدِيدِيَّةِ: إِنَّ إلْقَاءَ الأَنْفُسِ فِي مَوَاطِنِ الـهَلَكَةِ رَغْبَةً فِي اخْتِصَارِ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ لِلْوُصُولِ لِلطَّرَفِ الآخَرِ، هُوَ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ عَنْ قِيمَةِ الحَيَاةِ الَّتِي وَهَبَهَا اللَّهُ لِلإِنْسَانِ. فَكَمْ مِنْ أَرْوَاحٍ أُزْهِقَتْ، وَأُسَرٍ تَيَتَّمَتْ بِسَبَبِ تَجَاوُزِ الـمَحَاذِيرِ وَالعُبُورِ مِنْ غَيْرِ الأَمَاكِنِ الـمُخَصَّصَةِ لِلْـمُشَاةِ، نَاسِينَ قَوْلَ الحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
٤. حَرْقُ الـمُخَلَّفَاتِ وَتَسْرِيبُ الأَدْخِنَةِ الضَّارَّةِ: تَلْجَأُ بَعْضُ النُّفُوسِ الـمُهْمِلَةِ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الـمُخَلَّفَاتِ عَنْ طَرِيقِ حَرْقِهَا فِي الشَّوَارِعِ أَوْ بِالقُرْبِ مِنْ مَسَاكِنِ النَّاسِ، مِمَّا يَتَسَبَّبُ فِي تَصَاعُدِ سُحُبٍ خَانِقَةٍ تَحْجُبُ الرُّؤْيَةَ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَتُسَبِّبُ الـحَوَادِثَ، فَضْلًا عَنْ خَنْقِ أَنْفَاسِ الـمَرْضَى وَالأَطْفَالِ وَالشُّيُوخِ. إِنَّ الـمُؤْمِنَ مَأْمُورٌ بِبَثِّ الرَّيَاحِينِ وَالنَّقَاءِ، لَا بِنَثْرِ السُّمُومِ وَالأَقْذَارِ.
٥. الاِعْتِدَاءُ عَلَى الـمَرَافِقِ العَامَّةِ بِالسَّرِقَةِ وَالتَّخْرِيبِ: كَمَنْ يَمْتَدُّ بِيَدِهِ الآثِمَةِ لِسَرِقَةِ كَابِلٍ كَهْرَبَائِيٍّ لِيَقْطَعَ النُّورَ عَن الشَّوَارِعِ، أَوْ يَعْبَثُ بِعَلَامَةٍ إِرْشَادِيَّةٍ مُرُورِيَّةٍ وُضِعَتْ لِتَحْمِيَ السَّائِرِينَ مِنَ الـهَلَاكِ. إِنَّ هَذَا الصَّنِيعَ هُوَ إِفْسَادٌ صَرِيحٌ فِي الأَرْضِ، وَتَغَافُلٌ عَنْ غَضَبِ الـجَبَّارِ الَّذِي حَذَّرَ مِنَ الإِفْسَادِ بَعْدَ الإِصْلَاحِ.
وَلَقَدْ حَذَّرَ الـمُصْطَفَى ﷺ بِأَشَدِّ العِبَارَاتِ مِنْ أَنْ يَكُونَ العَبْدُ سَبَبًا فِي إِيذَاءِ النَّاسِ فِي مَمَاشِيهِمْ وَمَوَاطِنِ مَنَافِعِهِمْ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ». قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [رواه مسلم (٢٦٩)].
وَيُبَيِّنُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ “شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ” هَذَا المَعْنَى الرَّهِيبَ قَائِلاً: “مَعْنَاهُ: اتَّقُوا فِعْلَ اللَّعَّانَيْنِ، أَيْ: صَاحِبَيِ اللَّعْنِ، وَهُمَا اللَّذَانِ يَلْعَنُهُمَا النَّاسُ فِي العَادَةِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ… لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا ارْتَكَبَ قَبِيحًا يَجْلِبُ لِنَفْسِهِ شَتْمَ النَّاسِ وَدُعَاءَهُمْ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ مِنَ الرَّحْمَةِ”.
تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللَّهِ- كَيْفَ يَجْلِبُ الإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ اللَّعْنَةَ وَالطَّرْدَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ اسْتِهْتَارِهِ بِنَظَافَةِ الطَّرِيقِ أَوْ رَاحَةِ الـمَارَّةِ! إِنَّ كُلَّ مَنْ يُلْقِي القُمَامَةَ، أَوْ يَقْطَعُ الشَّارِعَ بِسَيَّارَتِهِ لِيَسُدَّ الـمَمَرَّ، أَوْ يُلَوِّثُ بِيِئَةَ النَّاسِ؛ يَدْخُلُ دُخُولًا تَبَعِيًّا فِي هَذَا الوَعِيدِ النَّبَوِيِّ، لِأَنَّهُ صَارَ سَبَبًا فِي دُعَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَوَعِيدِهِمْ مِنْ صَنِيعِهِ.
وَفِي هَذَا السُّلُوكِ الـمُنْحَرِفِ عَنْ مَنْهَجِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، أَنْشَدَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ نَاصِحًا:
أَيَا مَنْ يَسِيرُ بِدَرْبِ الأَنَامِ … تَمَشَّ بِنُورِ الهُدَى وَالسَّلَامْ
وَلَا تَجْعَلِ الدَّرْبَ مَيْدَانَ طَيْشٍ … تَبُثُّ الأَذَى فِي مَـمَرِّ الزِّحَامْ
فَإِنَّ الطَّرِيقَ أَمَانَاتُ حَقٍّ … وَمَنْ خَانَهَا بَاءَ يَوْمَ الزِّحَامْ
فَيَا أَيُّهَا المُسْلِمُ: اعْلَمْ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ كُلَّ أَذًى يَقَعُ عَلَى الطَّرِيقِ حِسِّيًّا، أَوْ بِيئِيًّا، أَوْ تَنْظِيمِيًّا، هُوَ خَدْشٌ لِجَمَالِ الإِيمَانِ فِي صَدْرِ صَاحِبِهِ، وَظُلْمَةٌ تَتَرَاكَمُ عَلَى قَلْبِهِ. إِنَّ الإِسْلَامَ دِينُ النَّظَافَةِ وَالنِّظَامِ وَالأَمَانِ، وَمَا تَفَشَّتْ هَذِهِ الآفَاتُ إِلَّا بِسَبَبِ الغَفْلَةِ عَنْ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى. فَالوَاجِبُ عَلَى مَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا أَنْ يُبَادِرَ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، وَالإِصْلَاحِ السَّرِيعِ لِمَا أَفْسَدَ، كَيْ يَعُودَ إِلَى مَوَاكِبِ السَّائِرِينَ الطَّاهِرِينَ الَّذِينَ يَثِقُونَ بِوَعْدِ رَبِّهِمْ، وَيَجْعَلُونَ مِنْ طُرُقِ الأَرْضِ جُسُورًا تُوصِلُهُمْ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
العنصر الخامس: كَيْفَ نَرقى بالطَّريقِ إلى مَقاماتِ الإحسان؟
لِيَتَحَوَّلَ الطَّرِيقُ فِي حَيَاتِنَا إِلَى جَنَّةٍ رُوحَانِيَّةٍ، يَنْبَغِي لَنَا رِعَايَةُ خُطُوَاتٍ جَلِيَّةٍ:
اسْتِشْعَارُ الرَّقَابَةِ الرُّوحَانِيَّةِ (مَقَامُ الـمُرَاقَبَةِ): فَالـمُسْلِمُ يَسِيرُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيْهِ أَسْرَعُ، وَأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ مَرْصُودَةٌ فِي دِيوَانِ الحَقِّ: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
نَشْرُ السَّلَامِ وَالبَسْمَةِ الرَّضِيَّةِ: مَعَ تَمْكِينِ آدَابِ الـمُصْطَفَى عَمَلًا وَخُلُقًا.
رِعَايَةُ الـمَالِ وَالـمَرَافِقِ الع canَّامَةِ كَأَمَانَةٍ غَالِيَةٍ: فَالتَّخْرِيبُ فِيهَا هَتْكٌ لِحُرْمَةِ جَمِيعِ الـمُسْلِمِينَ.
ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ؛ فَإِنَّ خَيْبَةَ السَّائِلِ مَحْقٌ، وَكَرَمَ اللَّهِ بَاقٍ لَا يَزُولُ.
الخطبة الثانية: أَنْفَاسُ الزَّمَانِ وَاغْتِنَامُ الإِجَازَةِ السَّيَّاحِيَّةِ الرُّوحَانِيَّة
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ تَعَاقُبَ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي عِبْرَةً لِذَوِي الأَلْبَابِ، وَمَطِيَّةً لِلْأَرْوَاحِ لِتَبْلُغَ بِهَا مَنَازِلَ القُرْبِ وَالاِقْتِرَابِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ذُو الجَلَالِ وَالكَمَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ العَظِيمُ الخِصَالِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، خَيْرِ مَنِ اغْتَنَمَ الأَوْقَاتَ، وَأَسْرَعَ بِالطَّاعَاتِ، وَعَلَى آلِهِ الكِرَامِ الأَطْهَارِ، وَصَحْبِهِ الكَوَاكِبِ الأَبْرَارِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَاعْلَمُوا -مَعَاشِرَ الأَحْبَابِ- أَنَّ الزَّمَنَ هُوَ مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ، وَالأَنْفَاسَ هِيَ رَأْسُ مَالِ العَبْدِ؛ وَكُلُّ نَفَسٍ يَخْرُجُ مِنِ ابْنِ آدَمَ هُوَ جَوْهَرَةٌ ثَمِينَةٌ لَا قِيمَةَ لَهَا، إِنْ فُقِدَتْ بِلَا طَاعَةٍ فَقَدَ العَبْدُ مِقْدَارَ جَوْهَرَتِهِ فِي الآخِرَةِ.
وَإِذَا كَانَتِ الإِجَازَةُ الصَّيْفِيَّةُ تُقْبِلُ عَلَى شَبَابِنَا وَأُسَرِنَا، فَلَيْسَتِ الإِجَازَةُ فِي مَفْهُومِ العَارِفِينَ سُقُوطًا فِي بَحْرِ الغَفْلَةِ وَالضَّيَاعِ، بَلْ هِيَ “إِجَازَةٌ” لِلرُّوحِ كَيْ تَرْتَاحَ مِنْ رَتَابَةِ الدُّنْيَا لِتُخَلِّقَ مَعَارِجَ جَدِيدَةً مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتَرْتَشِفَ مِنْ نَفَحَاتِ الرَّحَمَاتِ.
الأَحِبَّةُ فِي اللَّهِ: لَقَدْ نَبَّهَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَزْلَقِ الغَفْلَةِ فِي أَوْقَاتِ الفَرَاغِ وَالصِّحَّةِ، لِئَلَّا تَسْتَيْقِظَ القُلُوبُ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ. فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [رواه البخاري (٦٤١٢)].
وَالـمَغْبُونُ هُوَ الخَاسِرُ فِي بَيْعَتِهِ؛ وَمَنْ يَمْلِكُ وَقْتَ الفَرَاغِ فِي الصَّيْفِ وَيَجْعَلُهُ مَيْدَانًا لِلنَّوْمِ الطَّوِيلِ، أَوْ السَّهَرِ عَلَى غَيْرِ طَائِلَةٍ، أَوْ الغَفْلَةِ عَلَى الهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَبِيعُ الآخِرَةَ البَاقِيَةَ بِالدُّنْيَا الفَانِيَةِ بِأَرْخَصِ الأَثْمَانِ!
دَقَّاتُ قَلْبِ الـمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ … إِنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا … فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي
فَالإِجَازَةُ فُرْصَةٌ لِلتَّزَوُّدِ والترويح عن العقل بعد عناء الدراسة طوال العام ، وَالصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ كَنْزَانِ إِنْ لَمْ يُغْتَنَمَا فِي القُرْبَى لَحِقَ العَبْدَ نَدَمٌ لَا يَنْقَطِعُ.
فَكَيْفَ نَقْضِي هَذِهِ الإِجَازَةَ حَتَّى تَفِيضَ بِرُوحِ التَّجَلِّيَاتِ وَالإِحْسَانِ؟ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الأَسْرَارَ العَمَلِيَّةَ:
العِنَايَةُ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ وَالعِبَادَةِ القَلْبِيَّةِ: جَعْلُ نَصِيبٍ يَوْمِيٍّ لِكُلِّ شَابٍّ وَفَتَاةٍ لِحِفْظِ كِتَابِ اللَّهِ وَتِلَاوَتِهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ بِيَقَظَةٍ وَخُشُوعٍ، مَعَ الـمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي جَمَاعَةٍ بِالمَسْجِدِ لِتَتَنَزَّلَ السَّكِينَةُ فِي بُيُوتِنَا.
تَنْمِيَةُ العِلْمِ الـمُنِيرِ وَالـمَهَارَاتِ النَّافِعَةِ: سَوَاءً بِتَعَلُّمِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، أَوْ بِالدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ الحَدِيثَةِ كَالذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ وَاللُّغَاتِ، اسْتِجَابَةً لِالتَّوْجِيهِ النَّبَوِيِّ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رواه مسلم (٢٦٦٤)].
تَقْوِيَةُ الأَوَاصِرِ الرُّوحِيَّةِ وَصِلَةِ الأَرْحَامِ: بِالبِرِّ، وَالصِّلَةِ، وَرَسْمِ البَسْمَةِ عَلَى وُجُوهِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقَارِبِ، فَذَلِكَ غِذَاءُ الرُّوحِ وَنَمَاءُ الرِّزْقِ.
التَّرْوِيحُ الـمُبَاحُ بِضَوَابِطِ الصَّفَاءِ وَالعِفَّةِ: فَالإِسْلَامُ لَا يَمْنَعُ البَهْجَةَ وَالسِّيَاحَةَ النَّقِيَّةَ، بَلْ يَدْعُو إِلَيْهَا لِتَجْدِيدِ النَّشَاطِ وَهِمَّةِ الرُّوحِ، شَرِيطَةَ النَّقَاءِ مِنَ الـمُحَرَّمَاتِ، وَغَضِّ الأَبْصَارِ عَنِ العَوْرَاتِ.
الحَذَرُ مِنْ مَصَّاصِي الأَوْقَاتِ (الأَجْهَزَةِ الرَّقْمِيَّةِ): الَّتِي تَسْرَقُ السَّاعَاتِ، وَتُحَوِّلُ الشَّبَابَ إِلَى جُثَثٍ هَامِدَةٍ خَلْفَ الشَّاشَاتِ بِلَا رُوحٍ أَوْ هِمَّةٍ.
فَالإِجَازَةُ الصَّيْفِيَّةُ الـمُثْمِرَةُ هِيَ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ تَرْوِيحِ البَدَنِ، وَسُمُوِّ الرُّوحِ، وَبِنَاءِ العَقْلِ، لِيَعُودَ العَبْدُ أَقْوَى خُلُقًا وَأَصْفَى قَلْبًا.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ: هَا هِيَ مَعَالِمُ الصِّدْقِ قَدْ بَدَتْ، وَطُرُقُ الرَّشَادِ قَدْ وَضُحَتْ؛ فَرُعَاةُ الطَّرِيقِ فِي حِمَى اللَّهِ، وَمُغْتَنِمُو الأَوْقَاتِ فِي جِوَارِ رَحْمَتِهِ. فَلْنَعْقِدِ العَزْمَ عَلَى سُلُوكِ الـمَحَجَّةِ البَيْضَاءِ بِنِيَّةٍ صَادقَةٍ، وَقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
فَاللَّهُمَّ يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ، يَا فَتَّاحُ يَا وَهَّابُ، يَا مُنَوِّرَ القُلُوبِ بِأَنْوَارِ مَحَبَّتِهِ وَسِرِّ طَاعَتِهِ:
اللَّهُمَّ اجْعَلْ خُطُوَاتِنَا عَلَى الأَرْضِ سَلَامًا، وَأَنْفَاسَنَا ذِكْرًا، وَحَرَكَاتِنَا فِي السَّعْيِ إِحْسَانًا وَرِضْوَانًا.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِرِعَايَةِ حَقِّ الطَّرِيقِ كَمَا يُرْضِيكَ عَنَّا، وَنَقِّ طُرُقَاتِنَا وَمَرَافِقَنَا وَوَسَائِلَ نَقْلِنَا مِنَ الأَذَى وَالعَبَثِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُمَاطُ عَلَى أَيْدِيهِمُ الكَدَرُ وَالسُّوءُ عَنْ عِبَادِكَ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا وَأَعْمَارِنَا، وَاجْعَلْ صَيْفَنَا هَذَا مَوْسِمًا لِتَجَلِّيَاتِ رَحْمَتِكَ، وَصَفَاءِ قُلُوبِنَا بِقُرْآنِكَ، وَنَشَاطِ أَبْنَائِنَا فِي طَاعَتِكَ وَتَحْصِيلِ عُلُومِهِمْ وَمَهَارَاتِهِمْ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ شَبَابَنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الغَفْلَةِ وَالضَّيَاعِ وَفِتَنِ الشَّاشَاتِ وَالـمَسَالِكِ الـمُظْلِمَةِ، وَخُذْ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى مَرَافِئِ الحَقِّ وَالجَمَالِ وَالعِفَّةِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا وَمَوْتَى الـمُسْلِمِينَ، وَعَافِ مَرْضَانَا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الـمُسْلِمِينَ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً، وَاجْمَعْ شَمْلَنَا عَلَى طَاعَتِكَ وَهُدَاكَ.
عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِئْتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
اذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.


