خطبة الجمعة

خطبة الأوقاف الجمعة القادمة : “الإحسان إلى المحتاجين بين صدق العبودية وجمال السلوك” الجمعة ١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ ١٤-٠٨-٢٠٢٦م

خطبة الجمعة: الإحسان إلى المحتاجين بين صدق العبودية وجمال السلوك

تفاصيل المحتوى

 الأهداف والعناصر

تصحيح السلوكيات الخاطئة في تقديم المساعدات المجتمعية، ومنها: التشهير بالمحتاج أو المن عليه أو إيذاء مشاعره، وبيان أن الإحسان الحقيقي يكون بحفظ كرامة الإنسان.

 العناصر:

  1.  اجعلْ إحسانَكَ إلى المحتاجينَ دليلَ رُقِيِّكَ.
  2.   تنسَّمْ عبيرَ الهدى النبويِّ في جودِ العطاءِ.
  3.   أعطِ الصدقةَ حقَّها واحفظْ كرامةَ المحتاجِ.
  4. كنْ حذرًا من مظاهرِ التعدِّي بالمنِّ والأذى.
  5. احرصْ على أن تكونَ صدقتُكَ رسالةَ رحمةٍ تحفظُ للإنسانِ إنسانيتَهُ.
  6.  إخفاءُ الصدقةِ وحفظُ كرامةِ المتعفِّفينَ خيرٌ لكَ في دينك ودنياكَ.

 الأدلة من القرآن والسنة

الأدلة من القرآن الكريم:

  1. قوله تعالى: ﴿وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤئِلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ﴾.
  2. قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَیۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُوا۟ بُهۡتَٰنࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا﴾.
  3. قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبۡطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾.

 الأدلة من السنة النبوية:

  1.   حديث: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ – يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ – شَهْرًا».
  2. حديث: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
  3.  حديث: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ».

 الخطبة الأولى: الإحسان إلى المحتاجين بين صدق العبودية وجمال السلوك

الحمدُ للهِ الذي جعلَ الاستقامةَ على شرعِهِ سلامًا وأمانًا، وشرعَ الآدابَ للناسِ صيانةً وإعظامًا، وشَيَّدَ للمكارمِ صرحًا ومقامًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ الطريقَ لمن سلكَهُ بالخيرِ ممرًّا إلى الجنانِ وإحسانًا، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ، أعظمُ الناسِ أدبًا، وأحرصُهم على إعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّهُ تعظيمًا وإكرامًا، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ، أمَّا بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:

١- اجعلْ إحسانَكَ إلى المحتاجينَ دليلَ رُقِيِّكَ: وانشر بذورَ الرحمةِ والإحسانِ في غُدُوِّكَ ورَواحِكَ، فالإحسانُ إلى الفقراءِ والمحتاجينَ هو الأساسُ في بناءِ مجتمعٍ تكافليٍّ آمنٍ، يحميهِ من عوارضِ الفقرِ والأنانيةِ المدمِّرةِ، فالمؤمنُ الحقُّ مَن يلزمُ البذلَ في سائرِ أحوالِهِ، ويُحسنُ إلى المساكينِ في مقامِهِ وترحالِهِ، ليستشعرَ متعةَ العطاءِ في حركاتِهِ وسكناتِهِ، ولينالَ الأجرَ العظيمَ في غُدُوِّهِ وإيابِهِ، فإطعامُ الجائعِ وتفريجُ الكُرَبِ، وإطعامُ الطعامِ، وقضاءُ الدَّيْنِ من شُعَبِ الإيمانِ، فاجعلْ يدَكَ ممدودةً بالإحسانِ، وتعاملاتِكَ مقرونةً بالإكرامِ؛ فإنَّ الإحسانَ هو أصدقُ ترجمةٍ لصدقِ العبوديةِ للهِ، وبهِ تدومُ العطايا، وتُستحفظُ النِّعَمُ من الزوالِ، مصداقًا لقول اللهِ جلَّ وعلا: ﴿وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤئِلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ﴾.

٢- تنسَّمْ عبيرَ الهدى النبويِّ في جودِ العطاءِ: واقتبسْ من هديِ النبيِّ ﷺ أكرمَ الصفاتِ في البذلِ، فقد كان ﷺ مظهرًا للنبلِ والشهامةِ، فلم يكنْ عطاؤُهُ تمنُّنًا، ولا مروءتُهُ تكبُّرًا، بل كان غِياثًا ورحمةً وإعانةً لكلِّ محتاجٍ، وانظرْ كيف وجَّهَ الجنابُ المعظَّمُ ﷺ إلى قضاءِ الحاجاتِ وكشفِ الكُرُباتِ، فكان يتفقَّدُ الضعفاءَ، ويغمرُهم بلطفِهِ وعنايتِهِ، ويجعلُ من مجتمعاتِ المسلمينَ ساحاتٍ للأمنِ والرحمةِ والخيرِ والتكافلِ، فهكذا كان طبعُهُ الشريفُ، شهامةً في إغاثةِ الملهوفِ، وبشاشةً في وجوهِ العالمينَ، فاحتشدت القلوبُ حولَ نُبلِهِ، وانقادت النفوسُ للطفِهِ، فاقض للناس حوائجَهم، وكنْ عونًا لهم في فقرِهم وعُسرِهم، وتتبَّعْ هذا النهجَ النبويَّ الشريفَ الذي بيَّنَ عِظَمَ الإنفاقِ ومضاعفةَ الأجرِ، فقد أرشدَنا النبيُّ ﷺ إلى فضلِ البذلِ والجودِ، وضربَ أروعَ الأمثلةِ في العطاءِ المستمرِّ، فقد سَأَلَ رجلٌ النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناسِ أحبُّ إلى اللهِ، وأيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ سرورٌ تُدخِلُهُ على مسلمٍ، أو تكشفُ عنهُ كُربةً، أو تقضي عنهُ دَيْنًا، أو تطردُ عنهُ جوعًا، ولأنْ أمشيَ مع أخٍ لي في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ -يعني مسجدَ المدينةِ- شهرًا».

٣- أعطِ الصدقةَ حقَّها واحفظْ كرامةَ المحتاجِ: واعلمْ أنَّ الإحسانَ الخالصَ واحترامَ مشاعرِ الضعفاءِ يعكسانِ نقاءَ باطنِكَ وصفاءَ معدنِكَ، فالأدبُ في العطاءِ ثمرةُ نفسٍ راضيةٍ، وعقلٍ حكيمٍ، يمنعُ الضررَ قبلَ وقوعِهِ، وينشرُ البهجةَ في نفوسِ السائرينَ، فامسحْ بيمينِ وعيِكَ كلَّ مظاهرِ المنِّ والأذى، وترفَّعْ عن التشهيرِ والاستعراضِ، فالقلبُ المستنيرُ يرى العطاءَ أمانةً يجبُ حفظُها، فاستمسكْ بهذا الخُلُقِ الإسلاميِّ الراقي، لتسلكَ في المجتمعِ أوضحَ سبيلٍ، فما كان الأدبُ في عطاءٍ إلا زانَهُ ورفعَهُ، وما فارقَ مسلكًا إلا شانَهُ ووضعَهُ، وإنَّ إلحاقَ الأذى بمعايش الخلْق جرمٌ عظيمٌ، توعَّدَ اللهُ فاعلَهُ بقولِهِ سبحانهُ: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَیۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُوا۟ بُهۡتَٰنࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا﴾.

٤- كنْ حذرًا من مظاهرِ التعدِّي بالمنِّ والأذى: وأعط أصحابَ الحقوق حقوقَهم دونَ إهانةٍ، بل بحفظِ ماءِ وجوهِهم وصيانةِ عفَّتِهم، وإنَّ ممَّا يُدمي القلبَ وينافي أدبَ الإسلامِ ما نراهُ من سلوكياتٍ طائشةٍ تهدِّدُ كرامةَ الضعفاءِ، كالتشهيرِ بالمحتاجينَ، وتصويرِهم أثناءَ تسلُّمِ المساعداتِ، ونشرِ صورِ التبرعاتِ عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ بغرضِ الاستعراضِ، وإذلالِ المحتاجِ أثناءَ تسليمِ العطاءِ، وكلُّ هذهِ أفعالٌ تُعَدُّ تجاوزًا للانضباطِ الإيمانيِّ وماحقةً للأجرِ والثوابِ، واعلمْ أنَّ دينَنا جعلَ كفَّ الأذى عن الناسِ أصلًا عظيمًا، فكنْ حافظًا لحقِّ الضعفاءِ، ولِنْ في تعاملِكَ مع أسبابِ العطاءِ، وأصلحْ بوعيِكَ سلوكَ المخطئينَ، فالمؤمنُ الواثقُ يعلمُ أنَّ كفَّ الأذى يُعمِّرُ الديارَ، ويوسِّعُ الأرزاقَ، وعليكَ بالبعدِ التامِّ عن المنِّ الذي يُحبطُ الأعمالَ ويطمسُ آثارَها، واحرصْ أشدَّ الحرصِ على كفِّ الأذى وصيانةِ العطاءِ من كلِّ ما يشينُهُ، امتثالًا لقولِهِ تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبۡطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾.

 الخطبة الثانية: احرص عند توصيل الصدقة على حسن إعطائها وتقديمها بما لا يجرح شعور أخيك المحتاج

الحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبادِهِ الذينَ اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أمَّا بعدُ:

٥- فالصدقةُ لا تُسقطُ كرامةَ المحتاجِ: فاحرصْ على أن تكونَ صدقتُكَ رسالةَ رحمةٍ تحفظُ للإنسانِ إنسانيتَهُ، وتصونُ لهُ كرامتَهُ، وتداوي حاجتَهُ دونَ أن تجرحَ عزَّتَهُ؛ فالفقرُ وإن أضعفَ قدرةَ الإنسانِ على بعضِ شؤونِ الحياةِ، فإنَّهُ لا ينقصُ من قدرِهِ، ولا يسلبُهُ كرامتَهُ، إذِ الكرامةُ الإنسانيةُ أصلٌ ثابتٌ لا يتغيَّرُ بتغيُّرِ الحالِ، وقد أحاطت الشريعةُ بابَ الإحسانِ بضوابطَ تجعلُ العطاءَ جبرًا للخواطرِ لا كسرًا لها، ومواساةً لا مِنَّةً، وتكافلًا لا استعلاءً، فنهتْ عن المنِّ والأذى، ودعتْ إلى طيبِ القولِ وسترِ المحتاجِ وحفظِ ماءِ وجهِهِ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، تطبيقًا لقولهِ ﷺ: «اتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبةٍ».

٦- أيُّها المتصدِّقُ: اعلمْ أنَّ إخفاءَ الصدقةِ وحفظَ كرامةِ المتعفِّفينَ خيرٌ لكَ في دينك ودنياكَ؛ فالإخلاصُ يصونُ عملَكَ من الرياءِ، وسترُكَ للمحتاجِ يُبعدُهُ عن ألمِ التشهيرِ والاستعراضِ، فاجعلْ عطاءَكَ أمانةً عظيمةً تحفظُ بها القلوبَ، وتكتسبُ بها الدعواتِ، وتؤكِّدُ بها معاني الرحمةِ والتكافلِ بينَ الناسِ، واجتنبْ مظاهرَ الرياءِ التي تطعنُ في الكرامةِ وتفسدُ الأجرَ والثوابَ، عملًا بقولِهِ ﷺ: «ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها، حتَّى لا تعلمَ شمالُهُ ما تُنفقُ يمينُهُ»

حفظَ اللهُ مصرَ وأهلَها منْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى