من سلسة زاد الأئمة والخطباء الإصدار(69):.. “نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم” الجمعة 15 ربيع الأول 1448هـ 28-8-2026م

الإصدار التاسع والستون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم
الهدف: التعريف بشمائل النبي ﷺ ومظاهر رحمته الشاملة، واستلهام القيم النبوية الراقية وتطبيقها في واقعنا المعاصر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فقد أشرقت آفاقُ الكون بأنوار الهداية، وتفتّحت للإنسانية أبوابٌ جديدة من الرحمة والرجاء بمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أطلّ على الدنيا خيرُ من وطئت قدمُه الثرى، وأكرمُ من حمَل رسالة السماء، الرحمةُ المهداة، والسراجُ المنير، والنبيُّ الذي بدّد بنور الوحي ظلمات الجاهلية، وأحيا بالهداية قلوبًا أنهكها الضلال.
كان مولده ﷺ إيذانًا بفجرٍ جديد، وإطلالةً مباركةً لرسالةٍ غيّرت وجه التاريخ، وأعادت للإنسان كرامته، وللعدل مكانته، وللرحمة حضورها في حياة الناس.
ومن خلال المحاور التالية، نقف مع شمائله ﷺ وقفةَ محبٍّ متأمل، نستحضر جمال خُلقه، وسموّ خصاله، وعظيم خصائصه، ونستنير من سيرته العطرة بما يوقظ في النفوس معاني الرحمة، ويعيد إلى القلوب دفء الأخلاق النبوية الكريمة.
تفاصيل المحتوى
- الرحمة جوهر رسالته ﷺ
- رحمته ﷺ بأهل بيته وقرابته
- رحمته ﷺ بالأطفال والضعفاء
- رحمته ﷺ بالنساء
- رحمته ﷺ بالحيوان والبيئة
- رحمته ﷺ بالعصاة والمذنبين
- رحمته ﷺ في الحرب والسلم
- رحمته ﷺ بأعدائه
- أثر رحمته ﷺ في بناء الحضارة الإسلامية
- كيف نستلهم رحمته ﷺ اليوم؟
الرحمة جوهر رسالته ﷺ
قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةً لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾، فكانت هذه الآية الكريمة كاشفةً عن حقيقة الرسالة المحمدية وجوهرها، ومبيّنةً أن الرحمة لم تكن خُلُقًا عارضًا في شخصية النبي ﷺ، ولا خصلةً تظهر في بعض مواقفه ثم تغيب، وإنما كانت روح رسالته، وغاية بعثته، وأثرًا ممتدًّا في كل ما جاء به من هدي وتشريع.
يقول الطبري: “يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية، أجميع العالم الذي أرسل إليهم سيدنا محمد أريد بها مؤمنهم وكافرهم؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر؟ فقال بعضهم: عني بها جميع العالم المؤمن والكافر.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كُتِبَ لَهُ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ مِمَّا أَصَابَ الْأُمَمَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ” [جامع البيان].
ويقول ابن جُزَي: “هذا خطاب لسيدنا محمد ﷺ، وفيه تشريف عظيم… والمعنى: أن الله رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلمهم بعد الجهالة وهداهم بعد الضلالة” [التسهيل لعلوم التنزيل].
وقد جاءت رحمته ﷺ أوسع من أن تحدّها دائرة أو يقيّدها انتماء؛ فلم تكن رحمةً لفئة دون أخرى، ولا لقوم دون قوم، بل كانت رحمةً للعالمين، شملت المؤمن والمخالف، والقريب والبعيد، والصغير والكبير، والصديق والعدو، وامتدت حتى إلى الحيوان وسائر المخلوقات، فكان ﷺ رحمةً تمشي بين الناس، يرقّ للضعيف، ويواسي الحزين، ويعطف على المحتاج، ويصفح عمّن أساء، ويحرص على هداية مَن خالفه، حتى غدت الرحمة في سيرته منهجًا أصيلًا لا موقفًا استثنائيًا.
ولم تقف رحمته ﷺ عند حدود المشاعر والعواطف، بل تحوّلت إلى منهج حياة متكامل تجلّى في أقواله وأفعاله، وفي عباداته ومعاملاته، وفي بيته ومجتمعه، وفي حال السلم والحرب، وفي تعامله مع أصحابه ومخالفيه، فكان يعلّم الرحمة قولًا، ويجسّدها فعلًا، ويغرسها في النفوس خُلقًا وسلوكًا.
قال الأستاذ الدكتور محمد الطيب النجار: ” وكان عليه الصلاة والسلام يُؤلف الناس ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبًا حتى لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، مَن جالسه أو قاربه لحاجة صابَرَه حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا وصاروا عنده في الحق سواء، وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظٍ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ ولا فحَّاشٍ ولا سبَّابٍ” [القول المبين].
رحمته ﷺ بأهل بيته وقرابته
قال الشيخ محمد أبو زهرة: “وإن شفقته الشخصية على المتصلين به لتبدو في معاملته لأهله من أزواج وأقارب، سواء أكانوا أقربين أم كانوا غير ذلك ممن لهم رحم موصولة.
ولقد امتنع عليه النوم عندما أسِر عمه العباس بن عبد المطلب في غزوة بدر، فكان يبكي لأنينه، وهنا في هذه القضية، يبدو أمران يظهران متناقضين:
أولهما: ألمه لأن عمه وحبيبه العباس قد أسر، ويذوق مرارة الأسر يشفق عليه، ويشتد الأسى عليه.
وثانيهما: العدالة المقررة الثابتة التي تسوى بين الناس في النتائج، إذا تساووا في الأسباب الموجبة لهذه النتائج المؤدية إليها…” [خاتم النبيين].
رحمته ﷺ بالأطفال والضعفاء
كان النبي ﷺ، على علوّ مكانته وعظيم شأنه، قريبًا من الصغار، يملأ قلوبهم أُنسًا ومحبة، ويعاملهم بعطفٍ يفيض رحمةً وحنانًا، فكان يحمل الأطفال ويقبّلهم ويداعبهم، ويخصّ الحسن والحسين رضي الله عنهما بعنايةٍ ظاهرة، فيلاطفهما أمام أصحابه دون أن يرى في ذلك ما ينقص من هيبته أو مكانته، وحين استنكر البعض تقبيله للصبيان، بيّن ﷺ أن الرحمة هي التي تمنح القلب إنسانيته، فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» [متفق عليه]؛ وستبقى هذه الكلمة منهجًا خالدًا في تربية النفوس، ودليلًا على أن إظهار الحنان والرفق ليس ضعفًا، بل هو من كمال الشخصية ونبل الخلق.
قال ابن بطال: “دل أن تقبيل الولد الصغير وحمله والتحفي به مما يستحق به رحمة الله، ألا ترى حمل النبي عليه السلام أُمامةَ ابنة أبي العاص على عنقه في الصلاة، والصلاة أفضل الأعمال عند الله، وقد أُمر عليه السلام بلزوم الخشوع فيها والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها في الصلاة، وفي فعله عليه السلام ذلك أعظم أسوة لنا فينبغي الاقتداء به في رحمته صغار الولد وكبارهم والرفق بهم” [شرح صحيح البخاري].
ويقول ابن رسلان الشافعي: “وحكمة هذِه الرحمة تسخير القوي للضعيف، والكبير للصغير، والغني للفقير، حتى يحفظ نوعه وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير، فمن خلق اللَّه في قلبه الرحمة الحاملة على الرفق فذلك علامة على رحمة اللَّه له في تلك الحال والمآل، ومن سلب اللَّه الرحمة من قلبه وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظة فلم يرفق بضعيف ولا رحم صغيرًا فذلك علم على شقوته في تلك الحال والمآل” [شرح سنن أبي داود].
كانت رحمته ﷺ بالصغار منهجًا تربويًا واجتماعيًا أراد أن يغرسه في أمته، فحثّ على رعاية اليتيم، والعناية بالضعفاء، وإكرام المساكين وأهل الحاجة، وربط الإحسان إلى هؤلاء بأعظم أبواب الأجر والثواب، وأخبر ﷺ عن منزلة كافل اليتيم، فقال: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وأشار بالسبابة والوسطى، في صورة بليغة تجسد قرب أهل الرحمة والإحسان من رسول الله ﷺ في الجنة.
وكان ﷺ يراعي أحوال الصغار حتى في أعظم العبادات؛ فكان إذا سمع بكاء الصبي في الصلاة خفّف فيها، مراعاةً لمشاعر أمه وشفقةً عليها، فعن أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ، أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» [متفق عليه].
ومن جميل رحمته ﷺ أنه كان يلتفت إلى الأطفال في الطريق، فيسلّم عليهم ويلاطفهم، ويمنحهم من وقته واهتمامه ما يشعرهم بقيمتهم ومكانتهم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقالَ: “كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ” [رواه البخاري].
قال شيخ الإسلام ابن حجر: “قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ تَدْرِيبُهُمْ عَلَى آدَابِ الشَّرِيعَةِ، وَفِيهِ طَرْحُ الْأَكَابِرِ رِدَاءَ الْكِبْرِ وَسُلُوكُ التَّوَاضُعِ وَلِينُ الْجَانِبِ” [فتح الباري].
كما كان ﷺ يتفقد اليتامى، ويمسح على رؤوسهم، ويحث أصحابه على الإحسان إليهم، حتى لا يشعر من فقد أباه أنه فقد الرحمة والاحتواء.
رحمته ﷺ بالنساء
جاء النبي ﷺ برسالةٍ رفعت عن المرأة صورًا من الظلم والامتهان، وأكدت كرامتها وحقوقها، وجعلت الإحسان إليها من دلائل حسن الخلق، فقال ﷺ: «استْوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» [متفق عليه]، وقال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» [رواه ابن ماجه]، وكان ﷺ قدوةً في حسن معاشرة زوجاته، رفيقًا بهن، يستمع إليهن ويكرمهن، كما رفع مكانة الأم وأكَّد عظيم حقها، فقال لمن سأله عن أحق الناس بحسن صحبته: «أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» [رواه مسلم].
كما حفظ ﷺ للمرأة مكانتها الاجتماعية والإنسانية، فأقرّ لها حقوقها، وحثّ على الإحسان إلى البنات ورعايتهن، وجعل القيام عليهن بابًا عظيمًا من أبواب الأجر، فقال ﷺ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ» [رواه مسلم].
وكانت النساء في عهده يسألن عن شئونهن ويعرضن قضاياهن، فيستمع إليهن ويجيبهن ويصون حقوقهن؛ فكانت رحمته بهن تطبيقًا عمليًا للعدل والكرامة، وتجسيدًا لرسالته ﷺ في رفع الظلم وإقامة الرحمة في المجتمع.
رحمته ﷺ بالحيوان والبيئة
امتدت رحمة النبي ﷺ لتشمل كل كائن حيّ يدبّ على هذه الأرض، فجاءت أحاديثه الشريفة تنهى عن تعذيب الحيوان وإيذائه أشد النهي، حتى أخبر ﷺ «أن امرأة دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ؛ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» [متفق عليه]، في حين أخبر أن رجلًا سقى كلبًا أشرف على الهلاك من العطش فغفر الله له فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» [متفق عليه].
ومن مواقفه ﷺ: أنه نهى أصحابه عن اتخاذ الحيوان غرضًا يُرمى بالسهام، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيه الرُّوحُ غَرَضًا» [صحيح مسلم].
ونهى عن الجلوس على ظهور الدواب وهي واقفة عبثًا دون حاجة، وأوصى بالإحسان في الذبح وشحذ الشفرة حتى لا تتعذب الذبيحة، بل ورد أنه ﷺ دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟»، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» [رواه أبو داود].
رحمته ﷺ بالعصاة والمذنبين
كان النبي ﷺ يفرّق دائمًا بين الذَّنب وصاحبه، فيمقت المعصية ويرحم المذنب، ويسعى إلى تقويمه لا إلى فضحه وتحطيمه، فكان أسلوبه في التربية قائمًا على الستر والتلطف، لا على التشهير والتجريح، حتى قال لأصحابه حين قالوا لرجل ارتكب ذنبًا: أَخْزَاكَ اللَّهُ، فقَالَ: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ»، مؤسسًا بذلك منهجًا نبويًا في الإصلاح يقوم على معالجة الخطأ، مع حفظ كرامة المخطئ.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» [رواه البخاري].
رحمته ﷺ في الحرب والسلم
على الرغم مما تفرضه الحرب من قسوة وشدة، ظلت رحمة النبي ﷺ حاضرة حتى في أشد المواطن التي يُظن أنها بعيدة عن الرأفة، فكان يوصي قادة جيوشه قبل انطلاقهم بوصايا تُقيِّد سطوة السلاح بضوابط أخلاقية صارمة: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً وَلَا تَغُلُّوا» [رواه ابن أبي شيبة]، فجعل ﷺ ميدان القتال – على قسوته – محكومًا بميثاق أخلاقي يحفظ للإنسانية كرامتها حتى في أوج الصراع، فلم تكن الحرب عنده وسيلة انتقام أو إفناء، بل ضرورة تُقاس بمقدار الحاجة، لا تتجاوزها إلى عبث أو تشفٍّ.
وكان حرصه ﷺ على تجنّب سفك الدماء ظاهرًا في أدق تفاصيل سيرته، فما دخل حربًا إلا مضطرًا، وما وجَد فرصة للصلح إلا آثرها على القتال، حتى في صلح الحديبية، حين قبِل ﷺ شروطًا بدت في ظاهرها مجحفة بحق المسلمين، آثر السلم وحقن الدماء على الاعتداد بالنصر العسكري، فكان ذلك الصلح – كما وصفه القرآن – فتحًا مبينًا، لأنه جنّب الطرفين حربًا كانت ستزهق فيها أرواح كثيرة، مؤكدًا أن السلم عند النبي ﷺ ليس ضعفًا، بل هو الخيار الأول الذي لا يُستبدل به القتال إلا حين تُغلق كل أبوابه.
أما في تعامله مع غير المسلمين، فقد أرسى ﷺ مبادئ العهد والوفاء التي لا تُنقض بتغيّر الأحوال، فعقد مع يهود المدينة وثيقة تكفل لهم حرية العقيدة والأمان على أنفسهم وأموالهم ما داموا قد وفوا بعهدهم، وأوصى بأهل الذمة خيرًا، وحذّر من ظلمهم أو الانتقاص من حقوقهم، حتى قال: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه أبو داود].
رحمته ﷺ بأعدائه
يوم دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا، بعد سنوات من الأذى والحصار الذي لاقاه من قريش، وقف أمام صناديدها الذين آذوه وأخرجوه وقاتلوه، وهم ينتظرون حكمه فيهم خاضعين منكسرين، فلم ينطق بكلمة انتقام، بل قال قولته الخالدة: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» [رواه البيهقي]، فكان عفوه ﷺ في أوج قوته وتمكينه أعظم دليل على أن الرحمة عنده ليست ضعفًا يُبدى عند العجز، بل خُلقًا ثابتًا لا يتغيّر بتغيّر الأحوال، فحوّل بهذا العفو قلوب أعدائه إلى قلوب مسلمة موالية، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وقد خلّد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]
وقبل ذلك بسنوات، حين ذهب ﷺ إلى الطائف يلتمس النصرة، قابله أهلها بالسخرية والإيذاء، وأغروا به سفهاءهم حتى أدموا قدميه الشريفتين، فناداه جبريل عليه السلام، فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ الله إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ، لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [متفق عليه]، فما دعا عليهم بالهلاك، بل دعا لهم بالهداية، مؤثرًا مستقبل الدعوة على راحة نفسه ونزوة الانتقام.
أثر رحمته ﷺ في بناء الحضارة الإسلامية
كانت رحمة النبي ﷺ بمثابة بذرةً غرسها في قلوب أصحابه فأثمرت قيمًا حضارية امتدت عبر القرون، إذ تجسدت في حال بنائه للإنسان المسلم الواعي، فتربّى الصحابة على عينه ﷺ حتى تشرّبوا رحمته سلوكًا وممارسة، فتحوّلت من موقف نبوي فردي إلى سلوك اجتماعي يلتزم به الجميع؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الذي عُرف بشدته، تلين نفسه للرحمة حتى يطعم الصبي اليتيم بيده، ويحمل الطعام على ظهره لأرملة في ظلام الليل، لِمَ لا وقد غرست فيه مدرسة النبوة الرحمة سلوكًا عمليًا لا شعارًا نظريًا.
ومن غرس النبوة، نشأت في الحضارة الإسلامية مؤسسات ما كانت الإنسانية قد عرفت لها مثيلًا في ذلك العصر؛ فقامت “الأوقاف” لرعاية الفقراء والأيتام وابن السبيل، وأُنشئت “البيمارستانات” لعلاج المرضى مجانًا مهما كانت ديانتهم أو أصلهم، وسُنّت الأحكام التي تكفل حقوق الأسير والمرأة والطفل والحيوان، حتى غدت الرحمة معيارًا تُقاس به سياسات الحكام وأحكام القضاة.
وتجلّى أثر هذه الرحمة في تعامل المسلمين خلال الفتوحات؛ فلم يفرضوا الدين إكراهًا، بل ضمنوا لأهل الذمة حرية عقيدتهم وحماية كنائسهم ومعابدهم، اقتداءً بعهود النبي ﷺ ومواثيقه، حتى شهد المؤرخون – من غير المسلمين – بعدل هذه الفتوحات ورحمتها، مقارنة بما عرفته الشعوب من ظلم إمبراطوريات أخرى.
وعلى مرّ العصور، ظلت هذه الروح النبوية حاضرة في وجدان الأمة، تتجدد كلما احتاج المجتمع إلى نجدة، فتُبنى دور الإحسان، وتُقام جمعيات كفالة الأيتام، وتنتشر ثقافة التكافل الاجتماعي التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد، تنبع كلها من ذلك المعين الذي لا ينضب: رحمة النبي ﷺ التي كانت أساسًا حضاريًا شُيّدت عليه قيم العدل والرأفة والتكافل، لتبقى شاهدة على أن أعظم الحضارات تلك التي تُبنى على الرحمة، لا على القوة وحدها.
كيف نستلهم رحمته ﷺ اليوم؟
كلما انتشرت المادية وأضفت على الحياة ظلالها زادت حاجة الإنسان المعاصر إلى استعادة معالم الرحمة النبوية وتطبيقها في تفاصيل حياته اليومية.
ففي الأسرة، يمكن للمرء أن يستلهم رحمته ﷺ بأن يكون كما كان مع أهله؛ رفيقًا في القول، عادلًا بين أبنائه، صبورًا على تقصير زوجه، متجاوزًا عن هفوات أفراد بيته، فقد كان ﷺ في مَهنة أهله، يخدم نفسه ويرفُق بمن حوله، حتى قال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ» [رواه الترمذي]، فالرحمة تبدأ بأقرب الناس قبل أن تمتد إلى الغرباء.
وفي ميدان العمل، تتجلى الرحمة النبوية في إنصاف الموظف والعامل، وعدم تحميله فوق طاقته، ومراعاة ظروفه، اقتداءً بوصيته ﷺ: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْل أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» [رواه ابن ماجه]، فالرحمة في العمل ليست تراخيًا أو تهاونًا، بل عدلًا يحفظ كرامة الإنسان العامل ويصون حقوقه.
أما في التعامل مع المخالف، سواء كان مخالفًا في الرأي أو الدين أو المذهب، فإن رحمته ﷺ تعلّمنا أن الاختلاف لا يستدعي العداء، وأن الحوار الهادئ أجدى من الإقصاء والتخوين، فقد جالس ﷺ اليهود والنصارى، وأنصف المخالف قبل الموافق، وعامل الناس بمقتضى إنسانيتهم لا بمقتضى عقيدتهم فحسب.
ومن أهم ما ينبغي استلهامه اليوم أن الرحمة كانت عند النبي ﷺ طريقًا للدعوة لا وسيلة للإكراه، فقد أرسله الله رحمة لا نقمة، وداعيًا لا مسيطرًا، يخاطب القرآن الكريم نفسه الشريفة قائلاً: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فكان لِينُ قلبه الشريف سببًا في اجتماع القلوب حوله لا سببًا في ضعف موقفه، ليبقى هذا الدرس شاهدًا خالدًا على أن الدعوة إلى الحق تُبنى بالرحمة والحكمة، لا بالقسوة والإجبار، وأن من أراد أن يُقرّب الناس إلى الخير، فليبدأ بالرحمة التي قادت قلوب العالمين إلى أنوار النبوة.
قال العلامة الغزي:
أَرْحَمُ النَّاسِ بِالأَنامِ نَبِيٌّ * * * وَصَفَ اللهُ بِالرَّؤُوفِ الرَّحِيمِ
وَالَّذِي يَقْتَدِي بِهِ فِي هُداهُ * * * فَهْوَ أَوْلَى الوَرَى بِوَصْفِ العَلِيمِ
كُنْ رَؤُوفًا بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * * * تَلْقَ رُحْمَى مِنَ الرَّحِيمِ العَظِيمِ
وَقُساةُ القُلُوبِ أَحْرى مِنَ اللـ * * * ـــه بِبُعْدٍ عَنِ الْمَقامِ الكَرِيمِ
وَذَوو الرَّحْمَةِ الكِرامُ حَرِيُّو * * * نَ بِها وَهْيَ عَيْنُ دارِ النَّعِيمِ
[حسن التنبه].
فاللهم صل وسلم على باب الرحمة الأعظم، سيدنا ومولانا محمد
وحققنا بأخلاقه الشريفة، وارزقنا حسن التأسي به، والاقتداء بجميل خصاله
وارزقنا رحمة في قلوبنا نتعامل بها بين خلقك، وترحمنا بها يوم القيامة
بفضلك يا كريم، آمــــــين

