خطبة الجمعة

خطبة الأوقاف الجمعة القادمة : بعنوان “البيئة نعمة ربانية ومسئولية إنسانية ” 13 ربيع الآخر 1448هـ 25-9-2026م PDF

خطبة الجمعة: البيئة نعمة ربانية ومسئولية إنسانية

تفاصيل المحتوى

الأهداف والعناصر

الهدف المراد توصيله إلى جمهور المسجد:

ترسيخ الوعي بأن حماية البيئة مسئولية دينية وأخلاقية ومجتمعية، وأن الحفاظ عليها من الإفساد والتلوث أحد أبواب شكرِ نعمةِ الله وحفظِ الأمانة وإسعادِ الإنسان، علمًا بأن الخطبة الثانية تهدف إلى التأكيدِ على حُرمةِ الخصوصيةِ الإنسانيةِ (من صيانةِ المكانِ إلى صيانةِ الإنسانِ).

العناصر:

  1. التأملُ في آياتِ اللهِ في الكونِ سبيلُ الشكرِ وحفظِ الأمانةِ.
  2. الأمانةُ في حمايةِ البيئةِ سبيلُ العبادةِ وحفظِ  الوطنِ.
  3. ترشيدُ الاستهلاكِ سبيلُ صيانةِ البيئةِ وشكرِ النعمةِ.
  4. الأمنُ البيئيُّ المستدامُ سبيلُ الاستقرارِ والعمرانِ وشكرِ النعمةِ.
  5. صيانةُ خصوصيةِ الإنسانِ من الإيذاءِ وحفظُ حُرمةِ العِبادِ.
  6. مراقبةُ اللهِ وحفظُ حُرمةِ الإنسانِ في العصرِ الرقميِّ.

الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية

الأدلة من القرآن الكريم:

  1. قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾.
  2. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ ‌إِصۡلَٰحِهَا﴾.
  3. قوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِی ‌لَشَدِید﴾.
  4. قوله تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾.

الأدلة من السنة النبوية:

  1. حديث: «لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
  2. حديث: «ما هَذَا السَّرَفُ يا سَعْدُ؟» قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ».
  3. حديث: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».

الخطبة الأولى: البيئةُ نعمةٌ ربانيةٌ ومسئوليةٌ إنسانيةٌ

الحمدُ للهِ الذي خلقَ فسوَّى، والذي قدَّرَ فهدَى، والذي أخرجَ المرْعَى فجعلهُ غثاءً أحْوَى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، أبدعَ الكونَ بنظامٍ دقيقٍ، وجعلَ لكلِّ شيءٍ قدرًا ومِقدارًا، وأشهدُ أن سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ، فكانَ خيرَ مَنْ مشى على الأرضِ، وأكثرَهم رِفقًا بمخلوقاتِها، صلَّى اللهُ عليهِ وعلَى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، وبعدُ، فيا عبدَ اللهِ:

١- اعلمْ أن البيئةَ نعمةٌ إلهيةٌ وهي كتابٌ مفتوحٌ زاخرٌ بآياتِ اللهِ: فتأمل الكونَ من حولِك، من خلالِ سماءٍ رُفعت، وأرضٍ سُطحت، وجبالٍ أُرسِيَت، وبحارٍ سُخرت، كل ذلك شاهدٌ على عظمةِ قدرةِ القديرِ، وبديعِ حكمةِ الحكيمِ، فالكونُ يشهدُ بجلالِه، ويقرُّ بكمالِه، ويسبحُ بحمدِه، ولا يغفلُ عن شكرِه، فحقيقةُ بقائِك على هذه البسيطةِ تقومُ على استقرارِ هذا النظامِ الكونيِّ المبدعِ الذي أتقنَه الخالقُ سبحانَهُ وتعالى بحكمةٍ وميزانٍ دقيقٍ، فأحسنْ إلى البيئةِ من حولِك، فقد جعلَها اللهُ طوعَ أمرِك، واعلم أنَّ حسنَ شكرِ هذا الإبداعِ الإلهيِّ، يستوجبُ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ وحفظَ توازنِه البديعِ من كلِّ أشكالِ العبثِ والإفسادِ، لتغدوَ قيمُ الحفاظِ والترشيدِ خُلُقًا متأصلًا في سلوكِك، ولتحملَ أمانةَ استخلافِك، وتفوزَ بسعادةِ الدارينِ تقديرًا لمحافظتِك على نعمةِ ربِّك، واستجابةً لقولِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾.

٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِك في صيانةِ مكوناتِ البيئةِ: فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على المواردِ مسئوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِه، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّه، وواجبٌ يحمي به استقرارَ بلادِه وأمنَها، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الكرامِ في صونِ النعمِ، وتعلمْ فضلَ الاقتصادِ في استخدامِ النعمِ، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حين جعلَ اللهُ تعالى إماطةَ الأذى عن الطريق وإحياءَ الأرضِ وإصلاحَها أسبابًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ من يفسدُ أو يهدرُ المواردَ بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِك البيئيِّ وحفظُ استقرارِه هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، مصداقًا لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ ‌إِصۡلَٰحِهَا﴾.

٣- احذرِ الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ البيئيةِ: واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ طبعَك؛ إذْ لم يكتفِ القرآنُ الكريمُ بالحثِّ على الإصلاحِ، بل جاءَ بنهيٍ صريحٍ قاطعٍ عن الإفسادِ، فاغرسْ هذه الثقافةَ في نفوسِ أبنائِك، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ والمظاهرَ المضرةَ بالمرافقِ العامةِ والطرقاتِ، مستمسكًا بما أصَّلَهُ النبيُّ ﷺ في هذا الشأنِ، حيثُ قالَ: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ»، مبينًا أن الحفاظَ على البيئةِ ليس شأنًا فرديًّا بل هو مسئوليةٌ مجتمعيةٌ يشتركُ فيها الجميعُ، واعلمْ أن هدرَ المواردِ ليس مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بل هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحولُ بينكَ وبينَ شكرِ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَك اليوميَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عن النعيمِ، مقتديًا بهديِ نبيِّك ﷺ في حفظِ الأماكنِ العامةِ والمرافقِ والنهيِ عن الإفسادِ والتبذيرِ في كلِّ شأنٍ من شؤونِ الحياةِ، امتثالًا لقولِ الجنابِ المكرَّمِ ﷺ حينما مَرَّ بِسَعْدٍ رضيَ اللهُ عنهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: «ما هَذَا السَّرَفُ يا سَعْدُ؟» قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ».

٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ البيئيِّ المُستدامِ: واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ؛ فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ البيئةَ والمصادرَ من التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الوطنِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليك حينئذٍ صونُ الموارد البيئيَّةِ بتركِ الاعتداءِ عليها، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في استخدامِهَا، واحذر الإسرافَ فإنه ممحِقٌ للنعمِ والخيراتِ، وكنْ واعيًا مصلِحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ من خلالِ الممارساتِ العمليةِ النافعةِ، كمحافظتِك على النظافةِ العامةِ، وترشيدِ استهلاكِ الماءِ والطاقةِ، وترشيدِ استهلاكِ الطعامِ والحدِّ من هدرِه، وغرسِ الأشجارِ والمحافظةِ عليها، وإعادةِ التدويرِ وتقليلِ النفاياتِ، والمشاركةِ الفاعلةِ في المبادراتِ المجتمعيةِ، ورحمتِكَ بالكائناتِ من حولِكَ، فبالأمنِ البيئيِّ تُبنى الحضاراتُ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌ ربانيةٌ، ومِنَّةٌ إلهيَّةٌ، تستوجِبُ الشكرَ؛ إذْ يقولُ سبحانه وتعالى: ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِی ‌لَشَدِید﴾.

***

الخطبة الثانية: حرمة تصوير الأفراد بدون إذن

الحمدُ للهِ على إحسانِه، والشكرُ لهُ على توفيقِه وامتنانِه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وبعدُ:

فاحذرْ أن تخترقَ خصوصيةَ الناسِ وأن تقومَ بتصويرِهِم بغيرِ إذنٍ: فإنَّ حرمةَ الخصوصيةِ لا تقفُ عندَ حدودِ المكانِ الملموسِ الذي تطؤُه قدمَاك، بل تمتدُّ بكلِّ ثقلِها ومسئوليتِها إلى كلِّ فضاءٍ معنويٍّ أو رقميٍّ، فكما نُهيتَ عن الإفسادِ في الأرضِ بالحسِّ والمعاينةِ، نُهيتَ كذلك عن الإضرارِ بالناسِ في حياتِهم الرقميةِ والافتراضيةِ، وكما حُفظت حرمةُ البيوتِ والأعراضِ في الواقعِ، وجبَ حتمًا أن تُحفظَ حرمةُ الصورِ والمعلوماتِ والخصوصياتِ خلفَ الشاشاتِ، فليستِ الشاشةُ حاجزًا وهميًّا يُسقطُ عنك المسئوليةَ، ولا يعتبرُ حرصُكَ على سرعةِ النشرِ عذرًا مقبولًا في انتهاكِ حقوقِ العبادِ، إذ قد تكونُ ضغطةُ زرٍّ عابرةٌ أثرًا باقيًا في صحيفةِ أعمالِك، وتتحولُ صورةٌ فوتوغرافيةٌ التُقطتْ في غفلةٍ إلى جرحٍ بليغٍ يطولُ أثرُه في حياةِ صاحبِه، وقد تفتحُ كلمةٌ رديئةٌ كُتبتْ بلا رويَّةٍ ولا تدبرٍ بابًا عظيمًا من الأذى والفتنةِ لا يُغلقُ بسهولةٍ، فلا تكنْ سببًا بسببِ هذا الفعلِ في هدمِ حياةِ إنسانٍ، أو خرابِ بيتٍ، أو ضياعِ مستقبلِ أسرةٍ، وتدبرْ هذا النهيَ الإلهيَّ ﴿‌وَلَا ‌تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾.

اعلمْ أن اللهَ شاهدٌ ومطلعٌ ورقيبٌ على فعلِك: فقد جعلَ اللهُ بصرَك موضعَ مساءلةٍ وحسابٍ، وهو أصلٌ بديعٌ وعظيمُ الشأنِ في بابِ التصويرِ والتوثيقِ، إذِ العدسةُ اليومَ ما هيَ إلا امتدادٌ مباشرٌ لعينِك التي ستُسألُ عنها، وحين حذَّركَ النبيُّ ﷺ أشدَّ التحذيرِ من تتبعِ العوراتِ واقتحامِ الخصوصياتِ، فقد قرنَ عِرضَ الإنسانِ بدَمِه ومالِه في مشهدٍ مهيبٍ، محذرًا إياكَ من إيذاءِ المؤمنينَ والمؤمناتِ بغيرِ ما اكتسبوا، فاحذرْ كلَّ الحذرِ أن تكونَ شريكًا خفيًّا في إشاعةِ الفاحشةِ أو هدمِ بيوتِ الآمنينَ بنشرِ صورةٍ أو تداولِ مقطعٍ دونَ إذنٍ أو استئذانٍ، واجعلْ نُصْبَ عينيكَ دائمًا الميزانَ النبويَّ الجامعَ الذي يحفظُ لكَ دينَك وأخلاقَك، وليكنْ هديُكَ في التعاملِ مع الخلقِ والتقنيةِ الرقميةِ قولَ النبيِّ ﷺ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».

حفظَ اللهُ مصرَ وأهلَها من كلِّ مكروهٍ وسوءٍ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى