خطبة الجمعة

من سلسلة زاد الأئمة والخطباء الإصدار ( 73): ..” البيئة نعمة ربانية ومسئولية إنسانية ” الجمعة 14 ربيع الآخر 1448هـ 25-9-2026م

الإصدار الثالث والسبعون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء.. البيئة نعمة ربانية ومسئولية إنسانية

الخطبة الثانية: حرمة تصوير الأفراد بدون إذن

الهدف: ترسيخ الوعي بأن حماية البيئة مسئولية دينية وأخلاقية ومجتمعية، وأن الحفاظ عليها من الإفساد والتلوث أحد أبواب شكرِ نعمةِ الله وحفظِ الأمانة وإسعادِ الإنسان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن البيئة التي نحيا فيها – فضلا عن كونها مكانًا نسكنه – هي كتابٌ مفتوحٌ زاخرٌ بآيات الله، ومحل ابتلاء واختبار للإنسان: أيُعمر أم يُخرب؟، أيَشكر أم يجحد؟، أيُبقِي لمن بعده أم يستأثر دونهم؟، وقد جاءت الشريعة الغراء بمنظومة متكاملة في هذا المضمار؛ تبدأ من تصحيح التصور، وتنتهي إلى ضبط السلوك، بحيث لا تدع للإنسان عذرًا في إفساد أو إهمال أو تفريط.

تفاصيل المحتوى

البيئة في التصور الإسلامي نعمةٌ وأمانةٌ واستخلاف

أول ما يقرره الإسلام أن هذا الكون لم يُخلق عبثًا، ولم يُترك سدًى، بل جرى على تقدير مُحكَم وميزان دقيق؛ قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِیۤ ‌أَحۡسَنَ ‌كُلَّ شَیۡءٍ خَلَقَهُۥۖ﴾ [السجدة: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنۢبَتۡنَا فِیهَا مِن كُلِّ شَیۡءࣲ ‌مَّوۡزُونࣲ﴾ [الحجر: ١٩]، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَیۡءٍ ‌خَلَقۡنَٰهُ ‌بِقَدَرࣲ﴾ [القمر: ٤٩].

وهذا الإحكامُ الإلهي الكوني لا يجوز للإنسان أن يعبثَ به؛ فقد قال سبحانه: ﴿وَٱلسَّمَاۤءَ رَفَعَهَا ‌وَوَضَعَ ‌ٱلۡمِیزَانَ ۝٧ أَلَّا تَطۡغَوۡا۟ فِی ٱلۡمِیزَانِ﴾ [الرحمن: ٧ – ٨]، فكلُّ تلويثٍ للهواء، وكلُّ استنزافٍ للماء، وكلُّ إخلالٍ بالتوازنِ الحيوي البيئي، هو في حقيقتِه لون من ألوان الطغيان في الميزان.

ثم إنّ هذه الأرضَ سُخِّرت للإنسان تسخيرَ انتفاعٍ لا تسخيرَ تمليكٍ مطلق: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ ‌جَمِیعࣰا ‌مِّنۡهُۚ﴾ [الجاثية: ١٣]، ﴿أَلَمۡ تَرَ ‌أَنَّ ‌ٱللَّهَ ‌سَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الحج: ٦٥]، ﴿وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا ‌لِلۡأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].

والفرقُ بين التصوّرين عظيم: فمن ظنّ نفسَه مالكًا أطلقَ يدَه في الأرضِ بلا ضابط، ومن علِمَ أنه مستخلَفٌ وقفَ عند حدودِ من استخلفه، وقد صرّح القرآنُ بهذه الخلافة: ﴿إِنِّی ‌جَاعِلࣱ ‌فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی جَعَلَكُمۡ ‌خَلَٰۤئِفَ ‌ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقرنَها بالعِمارة لا بالاستهلاك: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١].

وفي الحديثِ ما يجعلُ هذه الخلافةَ اختبارًا مرصودًا؛ قال ﷺ: «إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [رواه مسلم]، فانظر كيف ربطَ حُسنَ العملِ في الأرضِ بالمراقبةِ الإلهية.

فالتأملُ في دقّةِ الخلق، وتنوّعِ الكائنات، وترابطِ النظمِ البيئية، من التربةِ إلى النبات، ومن النبتةِ إلى الحشرة، ومن الحشرةِ إلى الطائر، بابٌ عظيمٌ إلى معرفةِ عظمةِ الخالق وشكرِ نعمته: ﴿‌وَفِی ‌ٱلۡأَرۡضِ ءَایَٰتࣱ لِّلۡمُوقِنِینَ ۝٢٠ وَفِیۤ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١].

العلمُ طريقٌ إلى حُسنِ الانتفاع بالموارد والخيرات

ما نادى دينٌ بالنظرِ في الكونِ كما نادى الإسلام؛ فالقرآنُ يفتحُ للإنسانِ أبوابَ الأرضِ ويقول: ﴿قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ ‌كَیۡفَ ‌بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، ويلفتُه إلى أدقِّ التفاصيل: ﴿أَفَلَا یَنظُرُونَ ‌إِلَى ‌ٱلۡإِبِلِ كَیۡفَ خُلِقَتۡ ۝١٧ وَإِلَى ٱلسَّمَاۤءِ كَیۡفَ رُفِعَتۡ ۝١٨ وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَیۡفَ نُصِبَتۡ ۝١٩ وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَیۡفَ سُطِحَتۡ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٠]، بل يدعوه إلى تأملِ لقمةِ طعامِه ورحلتِها الطويلة: ﴿فَلۡیَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦۤ ۝٢٤ أَنَّا ‌صَبَبۡنَا ٱلۡمَاۤءَ صَبࣰّا ۝٢٥ ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقࣰّا﴾ [عبس: ٢٤-٢٦].

ولهذا النظرِ ثمرتان لا تنفصلان:

  • ثمرةٌ إيمانية، إذ كلما ازدادَ العبدُ علمًا بالكون ازدادَ خشيةً لربه: ﴿إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ ‌مِنۡ ‌عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰۤؤُا۟ۗ﴾ [فاطر: ٢٨].
  • وثمرةٌ عملية، فإن من جهِلَ طبيعةَ المورد أساءَ التصرفَ فيه؛ فمن لم يعلم أن الماءَ العذبَ نسبةٌ ضئيلةٌ من ماءِ الأرض، وأن الحياةَ كلَّها معلقةٌ به، ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ ‌كُلَّ ‌شَیۡءٍ حَیٍّۚ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، لم يُقدِّر قطرتَه حقَّ قدرِها، ومن لم يدرِ أنّ المساحات الخضراء رئةٌ للأرض، ولا أنّ انقراضَ نوعٍ واحد من الحيوانات قد يُربكُ سلسلةً بأكملها، استخفَّ بقطعِ شجرةٍ وقتل الحيوان.

ومن هنا كانت قيمةُ التعليمِ والبحثِ العلمي في معالجةِ قضايا الماءِ والطاقةِ والغذاءِ والتنوّعِ الحيوي ومواجهةِ التغيّراتِ المناخية؛ فالعلمُ هو الذي يحوّلُ النيّةَ الطيبةَ إلى حلٍّ ناجع، ويحوّلُ الشعارَ إلى برنامج.

حمايةُ البيئةِ واجبٌ شرعي

لم يكتفِ القرآنُ بالحثِّ على الإصلاح، بل جاء بنهيٍ صريحٍ قاطعٍ عن الإفساد، وجعله أصلًا جامعًا يندرجُ تحته كلُّ إضرارٍ بالمواردِ والكائناتِ والمرافقِ العامة، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ ‌إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ ‌لَا ‌یُحِبُّ ‌ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَلَا ‌تَعۡثَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ﴾ [البقرة: ٦٠]، ﴿وَٱللَّهُ ‌لَا ‌یُحِبُّ ‌ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [المائدة: ٦٤].

ثم جاءت آيةٌ تكادُ تكونُ تشخيصًا لواقعنا المعاصر؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ ‌ٱلۡفَسَادُ ‌فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، فقد نسبَت الفسادَ إلى كسبِ الأيدي، وجعلَت ما يُصيبُ الناسَ من آثارِه إنذارًا يستدعي الرجوعَ، وليس مجردَ عقوبةٍ صمّاء.

ومن الصور المعاصرة للإفساد: تلويثُ الماءِ والهواء، وإلقاءُ المخلفاتِ في الطرقِ والمجاري المائية، وإحراقُ النفاياتِ على وجهٍ ضار، والإسرافُ في استهلاكِ الموارد، وإتلافُ الأشجارِ والمزروعات، والصيدُ الجائر، والضجيجُ المؤذي، والبناءُ العابثُ بالمَواطنِ والمحميات الطبيعية.

وقد أصّل النبيُّ ﷺ لهذا الباب بقاعدةٍ جامعةٍ هي من جوامعِ كَلِمِه: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجه]، وهي أصلٌ عظيمٌ في منعِ كلِّ سلوكٍ يوقعُ الضررَ بالنفسِ أو بالغيرِ أو بالمصلحةِ العامة، وفصّل ﷺ هذا الأصلَ في صورٍ عملية تُدهشُ بدقّتها، 

  • حيث قال: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [رواه مسلم] وهو نهيٌ عن تلويثِ الأماكنِ العامةِ ومواضعِ ارتفاقِ الناس.
  • ونهى ﷺ أن يبولَ المرء في الماءِ الدائمِ الذي لا يجري ثم يغتسلُ فيه، كما في الصحيحين، وهو أصلٌ في حمايةِ مصادرِ المياهِ من التلوث.
  • ونهى عن قطعِ شجرِ الحرم وتنفيرِ صيدِه، وجعل المدينةَ حرمًا لا يُعضَدُ شجرُها، تأسيسًا لفكرةِ “المحميّاتِ الطبيعية” قبل أن يعرفَها العالم.
  • وقال ﷺ: «مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللهُ رَأْسَه فِي النَّارِ» [رواه أبو داود]، محمولًا عند أهلِ العلمِ على القطعِ عبثًا بغيرِ حاجةٍ ولا مصلحة.

وعلى هذا النهج النبوي القويم سارَ الخلفاءُ؛ فأوصى أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه جيشَه: “لَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلَا تُخَرِّبُوا عَامِراً، وَلَا تَعْقِرُوا شَاةً وَلَا بَعِيراً إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ”، فإذا كان هذا في الحربِ حيث تُستباحُ الأشياء، فكيف بحالِ السلمِ والأمن؟!

المحافظةُ على البيئةِ مسؤوليةُ مجتمعية

الحفاظ على البيئة ليس شأنًا فرديًّا تُحاسَبُ عليه وحدَك وينتهي أثرُه عندك؛ فدخانُ مصنعٍ واحدٍ يتنفّسه حيّ بأكمله، ومخلّفاتُ حي واحد يفسدُ نهرًا يشرب منه الجميع، وبئرٌ تُستنزَفُ اليومَ يعطشُ بها جيلٌ بعد عشرين عامًا، ولذلك كان الأصلُ في هذا البابِ هو التعاون لا الانفراد، انطلاقا من قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ ‌عَلَى ‌ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢].

وقد قال : «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، فالمسؤوليةُ موزّعةٌ على الجميع، كلٌّ في دائرته.

وجعل العملَ البيئيَّ الإيجابي اليسير شعبةً من شُعبِ الإيمان، فقال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً… وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [متفق عليه]، وقال: «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه].

بل إنه ﷺ جعلَ ذلك سببًا لدخولِ الجنة؛ ففي حديثِ الشجرةِ التي كانت تؤذي المارّة: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» [رواه مسلم]، فتأمَّل: عملٌ يستغرقُ دقائق، أثمرَ نعيمًا لا ينقطع؛ لأنَّ صاحبَه نظرَ إلى الناسِ لا إلى نفسه.

وفي المقابل، ورد الوعيدُ الشديدُ بشأن مَن آذى الناسَ في طرقهم ومرافقهم، كما تقدّم في حديثِ «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ».

وهنا يبرزُ دورُ المؤسسات: الأسرةُ، البيئة الأولى، أولُ مدرسةٍ يتعلمُ فيها الطفلُ ألَّا يرميَ الورقةَ في الشارع، وأن يُغلقَ الصنبور، وألا يسرف، والمدرسةُ وهي التي تُحوِّلُ العادةَ إلى معرفةٍ مؤصَّلةٍ ووعيٍ بالأسباب والنتائج، والإعلامُ الذي يصنعُ الذوقَ العامَ ويجعلُ الإفسادَ مستقبَحًا اجتماعيًّا، وسائر الجهاتُ المختصةُ التي تسنُّ النظامَ وتُنفِّذه، فإنَّ «اللهَ ليَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ»، وبهذا التكاملِ تتحوّلُ المحافظةُ على البيئةِ من نصائحَ عابرةٍ إلى ثقافةٍ راسخة وإجراءات نافذة.

سُبُلُ المحافظةِ على البيئةِ في حياةِ الفرد.. من الوعيِ إلى السلوك

لا قيمةَ لمبدأٍ لا ينزلُ إلى بيئة العمل، وهذه جملةٌ من الممارساتِ اليومية التي تُترجِمُ المبادئَ الأخلاقية والقيمية إلى واقع عملي:

١. ترشيدُ استهلاكِ الماءقال تعالى: ﴿وَكُلُوا۟ ‌وَٱشۡرَبُوا۟ ‌وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وكان النبيُّ ﷺ يتوضأ بالمُدّ ويغتسلُ بالصاع كما في الصحيحين، وهو قدرٌ يسيرٌ يُدهشُ من يقيسُه بما نُهدره اليوم، وقد مرّ ﷺ بسيدنا سعدٍ وهو يتوضأ فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟» فقال: أفي الوضوءِ سرف؟ قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» [رواه ابن ماجه]، فانظر كيف نفى أن تكونَ وفرةُ المورد مُبرِّرًا لإهداره.

٢. المحافظةُ على النظافةِ العامةقال : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» [رواه مسلم]، «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» [رواه الترمذي]، فلا يُلقي المسلمُ مخلفاتِه في طريقٍ ولا حديقةٍ ولا مرفق عام، ولا يرى نفسَه نظيفًا وهو لا يحرص على نظافة ما حوله.

٣. ترشيدُ استهلاكِ الطعامِ والحدُّ من هدره: فإنّ النعمةَ أمانة، والإسرافَ مذموم: ﴿وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا * إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ ‌إِخۡوَٰنَ ‌ٱلشَّیَٰطِینِۖ﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧]، وأمر ﷺ بتتبُّعِ اللقمةِ إذا سقطت وإماطةِ الأذى عنها وأكلِها، ونهى أن يمسحَ يدَه حتى يَلعَقَها أو يُلْعِقَهَا [رواه مسلم] تعظيمًا لأثرِ النعمةِ ولو قلَّ.

٤. غرسُ الأشجارِ والمحافظةُ عليها: قال ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه]، وقال: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» [رواه أحمد]، وهي كلمةٌ تختصرُ فلسفةَ العملِ البيئي كلَّها: اغرس وإن لم تكن أنت من يجني.

٥. ترشيدُ استخدامِ الطاقةِ والمواردبإطفاءِ ما لا يُحتاجُ إليه، وتقليلِ الاستهلاكِ الترفي، وتفضيلِ وسائلِ النقلِ المشترك، وتقليلِ الاعتمادِ على ما يُلوِّث؛ فكلُّ ذلك داخلٌ في عمومِ النهي عن الإسراف.

٦. إعادةُ التدويرِ وتقليلُ النفايات: وقد كان من هديه ﷺ إصلاحُ ما يُمكنُ إصلاحه؛ فقد كانت عائشةُ رضي الله عنها تقول إنه ﷺ كان يخصِفُ نعلَه ويرقَعُ ثوبَه، في زمنٍ لم يكن فيه “استهلاكٌ” بالمعنى المعاصر، فكيف بنا اليوم؟

٧. المشاركةُ في المبادراتِ المجتمعية: مثل: حملاتِ النظافةِ والتشجيرِ وحمايةِ الشواطئِ والمحميّات؛ فإنّ اليدَ الواحدةَ لا تُصفِّق، ﴿‌وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾.

وليُدرِك المرءُ أنّ المحافظةَ على البيئةِ ليست سلوكًا موسميًّا يُستدعى في يومٍ عالميٍّ ثم يُنسى، بل هي عبادةٌ أخلاقيةٌ مستمرة متى قصدَ بها الإنسانُ منعَ الضرر، وشكرَ النعمة، وتحقيقَ النفعِ العام، وقد تعلمنا: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدومُها وإن قلّ» [متفق عليه].

٨. رحمةُ الإنسانِ بالكائناتِ من حوله: لم تقصر الشريعةُ الرحمةَ على الإنسان وحده، بل وسّعت دائرتَها حتى شملت كلَّ ذي كبدٍ رطبة، وكلَّ عودٍ أخضر؛ لأنّ الكائناتِ ليست أشياءَ مُهمَلة، بل أممٌ لها وجودُها وحقُّها: ﴿وَمَا مِن دَاۤبَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰۤئِرࣲ یَطِیرُ بِجَنَاحَیۡهِ إِلَّاۤ ‌أُمَمٌ ‌أَمۡثَالُكُمۚ﴾ [الأنعام: ٣٨].

وفي جانبُ الترغيب: قال ﷺ في قصةِ الرجلِ الذي نزلَ بئرًا فسقى كلبًا كان يأكلُ الثرى من العطش: «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْراً؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» [متفق عليه]؛ فتأمّل: مغفرةُ ذنوبٍ كاملةٍ ثمنُها شربةُ ماءٍ لحيوانٍ لا يملكُ أن يشكرَ ولا أن يُكافئ.

وفي جانبُ الترهيب: قال ﷺ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» [متفق عليه]، فما كان ذنبُها قتلًا مباشرًا، بل كان إهمالًا وتقصيرًا، وهذا أبلغُ في الدلالةِ على عِظَمِ الأمر.

٩. ضوابطُ التعامل مع الكائنات:

  • «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [رواه مسلم].
  • «لعنَ اللهُ مَن اتَّخَذَ شيئًا فيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» [متفق عليه]، أي هدفًا للرماية تسليةً وعبثًا.
  • نهى ﷺ عن التحريش بين البهائم، وعن الوسمِ في الوجه، وعن لعنِ الدابّة.
  • لمّا رأى ﷺ قريةَ نملٍ قد أُحرِقت أنكرَ ذلك أشدَّ الإنكار وقال: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» [رواه أبو داود].
  • لمّا أخذَ رجلٌ فرخَي حُمَّرةٍ فجعلت ترفرفُ فوق رؤوسهم، قال ﷺ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا» [رواه أبو داود].

ومن مجموعِ هذه النصوصِ الشريفة يتأسسُ أدبٌ رفيعٌ في التعاملِ مع الكائنات: فلا يُقتَلُ حيوانٌ عبثًا، ولا يُعذَّب، ولا تُتلَفُ نباتاتٌ بغيرِ حاجة، ولا تُفسَدُ المواطنُ الطبيعيةُ للأحياء، ولا شك أن هذه التربية على الرحمةِ بالطيور والدواب تثمر إنسانًا رحيمًا بكل خلق الله؛ فمن رقَّ قلبُه لهرّةٍ وعصفور، فهو بالناسِ أرحم.

البيئةُ مجالٌ لشكرِ النعمةِ وحفظِ حقِّ الأجيال

يتبيَّن مما سبق أن المحافظةَ على البيئةِ هي التزامٌ دينيٌّ وأخلاقيٌّ واجتماعيٌّ متكامل؛ فالإنسانُ مستخلَفٌ في الأرض، مأمورٌ بعمارتها، منهيٌّ عن إفسادها، مسؤولٌ عن أثرِ فعلِه فيها بين يدي الله.

ومن ثمّ فإنّ التعرّفَ على ما أودعه اللهُ فيها من أسرار، وحُسنَ الانتفاعِ بمواردها، وترشيدَ استهلاكها، وحمايةَ كائناتها، والتعاونَ على صيانتها … كلُّها صورٌ من عمارةِ الأرض التي أرشدَ إليها الشرع، وكلُّها شكرٌ عمليٌّ للنعمة، ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ ‌لَأَزِیدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِی لَشَدِیدࣱ﴾ [إبراهيم: ٧].

فاللهم ألهِمنا رُشدَنا، واجعلنا ممن يُعمِّرُ ولا يُخرِّب، ويُصلِحُ ولا يُفسِد، ويشكرُ نعمتَك ولا يكفرها، إنك سميعٌ مجيب.

الخطبة الثانية: حرمة تصوير الأفراد بدون إذن

اتسعت دوائرُ وجود الإنسان حتى غدا له إلى جوار العالم المحسوس عالمٌ رقميٌّ واسع، يدخله كلَّ يوم، ويلتقي فيه بالآخرين، ويتبادل معهم الكلمات والصور والمواقف، ويترك فيه آثارًا قد تتجاوز في امتدادها ما يتركه في واقعه المباشر.

وكما أن للبيئة التي نمشي في طرقاتها هواءَها الذي يُنقّى، وماءَها الذي يُصان، وأرضَها التي لا ينبغي أن تُفسَد، فإن للبيئة الرقمية كذلك فضاءً أخلاقيًّا ينبغي أن يبقى نقيًّا من الأذى، مصونًا من العبث، آمنًا من انتهاك الخصوصيات والكرامات.

ومن هنا فإن القيم الشرعية لا تقف عند حدود المكان الذي تطؤه الأقدام، بل تمتد إلى كل فضاءٍ يصنع فيه الإنسان أثرًا؛ فكما نُهي عن الإفساد في الأرض، نُهي عن الإضرار بالناس في حياتهم الرقمية، وكما صينت حرمة البيوت والأعراض، وجب أن تُصان حرمة الصور والمعلومات والخصوصيات، وكما حُفظ اللسان من البهتان والغيبة والسخرية، وجب أن تُحفظ الأصابع التي تكتب وتنشر وتصور وتعيد التداول؛ فليست الشاشةُ حاجزًا يسقط المسؤولية، ولا سرعةُ النشر عذرًا في انتهاك الحقوق؛ إذ قد تكون ضغطةٌ عابرة أثرًا باقياً، وقد تتحول صورةٌ التُقطت في لحظةٍ إلى جرحٍ يطول أثره، وقد تفتح كلمةٌ كُتبت بلا روية بابًا من الأذى لا يُغلق بسهولة؛ ومن ثمَّ فإن صلاح البيئة الرقمية يبدأ من ضمير الإنسان؛ حين يدرك أن ما يفعله خلف الشاشة يُكتب عليه كما يُكتب ما يفعله أمام الناس، وأن صيانة هذا الفضاء من التلوث الأخلاقي ليست ترفًا، بل صورةٌ من صور الأمانة وحفظ الحقوق وحسن الاستخلاف في الأرض.

حُرمةُ الخصوصيةِ الإنسانية (من صيانة المكان إلى صيانة الإنسان)

قال تعالى: ﴿وَلَا ‌تَجَسَّسُوا۟ وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال: ﴿وَلَا ‌تَقۡفُ ‌مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا﴾ [الإسراء: ٣٦] فجعل البصرَ نفسَه موضعَ مساءلة، وهو أصلٌ بديعٌ في بابِ التصوير؛ إذ العدسةُ امتدادٌ للعين.

وحمى سبحانه البيوتَ أن تُقتحَم: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ ‌بُیُوتًا ‌غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَهۡلِهَاۚ﴾ [النور: ٢٧]، بل حمى ما وراءَ الجدارِ من النظر، قال ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ» [متفق عليه]، وقال: «مَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ» [رواه مسلم]، فانظر كيف عظّمَ أمرَ نظرةٍ واحدةٍ مسروقة، فكيف بصورةٍ تُلتقَطُ وتَبقى وتُنشَرُ على الملايين؟

وحمَى سيرة وسمعةَ الإنسان كما حمى بدنه وممتلكاته؛ ففي خطبةِ حجةِ الوداع: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [متفق عليه]؛ فقرنَ العِرضَ بالدمِ والمال، في مشهدٍ مهيبٍ لا يُنسى.

ثم قرّر ﷺ قاعدةَ السترِ التي هي روحُ هذا الباب: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» [رواه مسلم]، و«لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْداً فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [رواه مسلم]، وحذّر من ضدِّه أشدَّ تحذير: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» [رواه أبو داود].

فكما أنّ إلقاءَ المخلفاتِ في الطريقِ اعتداءٌ على حقِّ المجتمعِ في بيئةٍ نظيفة، فإنّ اقتحامَ خصوصيةِ الإنسانِ وتصويرَه دون رضاه اعتداءٌ على حقِّه في العيش بأمان وكرامة.

ومن ثمّ فالحفاظُ على البيئةِ لا يُفهَمُ في إطارِ الطبيعةِ وحدها، بل يشملُ البيئةَ الإنسانيةَ والاجتماعية التي يعيشُ فيها المرءُ آمنًا محترمًا، لا يخشى عينًا تتربّصُ ولا عدسةً تترصّد.

التصويرُ دون إذن والاعتداءِ على الخصوصية

ليست القضيةُ في الآلةِ ذاتها؛ فالعدسةُ كالسكّين: تُصلِحُ وتُفسِد، وتُوثِّقُ حقًّا وتفضحُ سترًا – إنما المعيارُ في المقصدِ والأثر، لا في القدرةِ والإمكان- فليس كلُّ ما نستطيعُ تصويرَه يحقُّ لنا تصويرُه، وليس كلُّ ما صوّرناه يحقُّ لنا نشرُه.

فالأصلُ أنّ الإنسانَ لا يُحوَّلُ إلى مادّةٍ للتصويرِ والعرضِ دون مراعاةِ حقِّه، ولا سيّما إذا كان في موضعٍ خاص، أو حالِ ضعفٍ أو مرضٍ أو فاقة، أو على هيئةٍ توقعُ به الحرجَ والضرر.

ويشتدُّ الأمرُ ويتضاعفُ الإثمُ إذا اقترن التصويرُ بالسخريةِ أو التشهيرِ أو الانتقاصِ أو كشفِ العورات، أو باجتزاءِ المقاطعِ من سياقها حتى تدلَّ على غيرِ ما وقع.

قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ‌لَا ‌یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ﴾ [الحجرات: ١١]، وفي قولِه ﴿عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ﴾ لفتةٌ عظيمة: فإنّ من تسخرُ منه قد يكونُ عند اللهِ أرفعَ منك منزلة، فتكونُ قد أهنتَ من أكرمَه اللهُ.

وقال تعالى: ﴿وَیۡلࣱ لِّكُلِّ هُمَزَةࣲ ‌لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَیۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُوا۟ ‌فَقَدِ ‌ٱحۡتَمَلُوا۟ بُهۡتَٰنࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الأحزاب: ٥٨].

وقال ﷺ في تعريفٍ جامعٍ للمسلم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [رواه النسائي]، واليدُ اليومَ هي التي تُمسكُ الهاتف، وتضغطُ زرَّ التصوير، وتنقرُ “نشر”.

وقال ﷺ: «بَحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» [رواه مسلم]، وقال: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم].

وقد نبّه ﷺ إلى خطرِ الكلمةِ العابرةِ التي يستخفُّ بها صاحبُها، حيث قال: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» [متفق عليه]، فإذا كان هذا في كلمةٍ تُقال وتذهبُ مع الريح، فما القولُ في مقطعٍ يُنشَرُ فيبقى محفوظًا مُتداوَلًا، يُعادُ بثُّه بعد سنين، ويلاحقُ صاحبَه في عمله وبيته وبين أهله؟

مسؤوليةُ الإنسانِ عن الصورةِ

قال تعالى مُذكِّرًا بالرقابةِ التي لا تغفل: ﴿مَّا یَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَیۡهِ ‌رَقِیبٌ عَتِیدࣱ﴾ [ق: ١٨]، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَیۡكُمۡ لَحَٰفِظِینَ * ‌كِرَامࣰا كَٰتِبِینَ * یَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]، فإن غابت عنك عينُ الناس، فلن تغيبَ عنك عينُ الله.

وحذَّر سبحانه من شهوةِ تداول الإشاعةِ، فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحِبُّونَ أَن ‌تَشِیعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِی ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِۚ﴾ [النور: ١٩] فالناقلُ شريك، والمُعيدُ للنشرِ فاعل، ولو لم يكتب حرفًا.

وقال تعالى بشأن التعاملِ مع ما يُتناقل من أخبارٍ ومقاطع: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ ‌فَاسِقُۢ ‌بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِینَ﴾ [الحجرات: ٦]، وقال سبحانه في حادثةِ الإفك: ﴿‌وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَیِّنࣰا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِیمࣱ﴾ [النور: ١٥]، وهو أصدقُ وصفٍ لحالِ من يُعيدُ نشرَ مقطعٍ ضاحكًا وهو لا يدري أنه يشاركُ في هدمِ بيتٍ وتحطيمِ نفس إنسان.

وقال ﷺ: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْماً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [رواه مسلم] ومعناه في زمانِنا: كفى بالمرءِ إثمًا أن يُعيدَ نشرَ كلِّ ما وصل إليه.

وقال ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [رواه الترمذي]، وأكثرُ ما يُتداوَلُ في الفضاءِ الرقميّ من أعراضِ الناسِ وزلّاتهم هو مما لا يعنينا في قليلٍ ولا كثير.

فكما نُعلِّمُ الطفلَ ألّا يُلقيَ الأذى في الطريق، ينبغي أن نُعلِّمَه ألّا يُلقيَ الأذى الرقميَّ في فضاءِ الناس، وإنّ «إماطةَ الأذى» التي جعلها الإسلام ﷺ شعبةً من الإيمان لها اليومَ صورةٌ جديدة: أن تمسحَ مقطعًا مؤذيًا بدلَ أن تنشره، وأن تُطفئَ فتنةً بدلَ أن تُذكيَ نارها.

ومن السلوكياتِ المسؤولة المطلوبة في هذه البيئة

١. الاستئذانُ قبل تصويرِ الأشخاصِ فيما يمسُّ خصوصيتَهم، فالإذنُ أصلٌ شرعيٌّ لا تفضّلٌ اجتماعي.

٢. الامتناعُ عن نشرِ ما يُسيءُ إليهم ولو كان صحيحًا، فليس كلُّ صدقٍ يُذاع.

٣. حذفُ المحتوى المؤذي والاعتذارُ عنه، فإنّ من تابَ من ذنبٍ في عِرضٍ فليستحلَّ صاحبَه، قال ﷺ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ» [رواه البخاري].

٤. الترفّعُ عن إعادةِ النشر لمجرّدِ الإثارةِ أو التندّر؛ فالضحكةُ العابرةُ قد تُكلِّفُ صاحبَها حسناتِه يومَ القيامة.

٥. استحضارُ النيّةِ في التوثيقِ المشروع، كتوثيقِ حقٍّ أو إثباتِ ظلامةٍ أو نشرِ علمٍ ونفع؛ فهذه مقاصدُ معتبرةٌ تُقدَّرُ بقدرها ولا يُتوسَّعُ فيها.

لا ضررَ.. تهيئةُ بيئةٍ آمنةٍ تحفظُ الإنسانَ والمكان

يجتمعُ الحفاظُ على البيئةِ الطبيعيةِ والإنسانيةِ والرقميةِ تحت قاعدةٍ واحدةٍ جامعة، هي التي قال فيها ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» كلمتان اختصرتا منظومةَ الحقوقِ كلَّها.

وتؤيّدها قواعدُ الأخوّةِ الكبرى: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ… بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» [رواه مسلم]، «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» [متفق عليه].

ولذلك ينبغي أن يكونَ تعاملُ المسلمِ مع المكانِ والإنسانِ والتقنيةِ قائمًا على سؤالٍ واحدٍ يَعرِضُ عليه فعلَه قبل أن يقع: هل فعلي هذا يحقّقُ نفعًا مشروعًا، أم يُوقِعُ ضررًا في حقِّ غيري؟

فإنّ الميزانَ واحدٌ وإن تعدّدت الصور؛ فمن ألقى القمامةَ في الطريق أفسدَ بيئةَ الناسِ الحسّية، ومن لوّثَ الماءَ أضرَّ بحياتهم وأرزاقهم، ومن أتلفَ شجرةً عبثًا أضرَّ بالمصلحةِ العامةِ وبمن يأتي بعده، ومن صوّرَ إنسانًا في وضعٍ خاصٍّ ونشرَ صورتَه بما يُوقِعُ به الحرجَ والأذى فقد أفسدَ جانبًا من البيئةِ الاجتماعيةِ والأخلاقية، وجرحَ كرامةَ نفسٍ كرّمها اللهُ بقوله: ﴿وَلَقَدۡ ‌كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].

وكلُّ أولئك داخلون في عمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ ‌بَعۡدَ ‌إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]؛ فالفسادُ في الأرضِ ليس لونًا واحدًا، ولا هو محصورٌ في الدخانِ والنفاياتِ والاستنزاف، بل يشملُ كلَّ ما يُعكِّرُ صفوَ الحياةِ ويُنقِصُ أمانَ الناسِ في أنفسهم وأعراضهم.

إنّ البيئةَ في المفهومِ الإسلاميِّ هي المجالُ الذي يعيشُ فيه الإنسانُ ويتفاعلُ معه: أرضُه التي يطؤها، ومجتمعُه الذي يخالطُه، وفضاؤه الرقميُّ الذي يرتادُه، فهي ثلاثُ دوائرَ يجمعُها أصلٌ واحد: أنّ الإنسانَ مستخلَفٌ مسؤول، وأنّ كلَّ ما تحت يدِه أمانةٌ يُسألُ عنها أمام الله يوم العرض الأكبر، ولذلك يندرج تحت مفهوم المحافظة على البيئة:

  • صيانةُ الطبيعةِ من الإفسادِ والإتلاف.
  • صيانةُ المجتمعِ من الأذى والانتهاك.
  • صيانةُ الفضاءِ الرقميِّ من التشهيرِ واستباحةِ الخصوصيةِ والإساءة.

وذلك حتى يأمنَ الإنسانُ في بيته فلا يجد دخانًا يخنقُه ولا نفاياتٍ تُحاصره، وفي مجتمعِه فلا يجدَ لسانًا يَلمزه ولا يدًا تؤذيه، وفي عالمِه الرقميِّ فلا يجدَ عدسةً تترصّدُه ولا صورةً تهتك ستره.

فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة تحقّقت عمارةُ الأرضِ على وجهها الكامل: أرضٌ نضرةٌ نظيفة، ومجتمعٌ رحيمٌ متعاون، وفضاءٌ طاهرٌ آمن، وذلك هو معنى قولِه تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]؛ فإنّ عمارةَ الأرضِ لا تتمُّ بتشجيرِ الحدائقِ فحسب، ما لم تُعمَر القلوبُ بالرحمة، وتُصَن الأعراضُ بالسّتر، وتُحفَظ الكرامةُ التي من أجلها كُرِّمَ ابنُ آدم

علاج هذه الآفة

أولًا: تقوية الوازع الديني: فالإيمان يمنع الإساءة إلى الآخر أو التعدي عليه، ويدعو صاحبه إلى مراقبة الله تعالى في أحواله كلها:

عن يحيى بن سعيد: “أن عيسى ابن مريم لقي خنزيرًا بالطريق، فقال له: انفذ بسلام، فقيل: تقول هذا لخنزير؟، فقال عيسى: “إني أخاف أن أعوِّد لساني النطقَ بالسوءِ” [الموطأ].

فاستحضر مراقبة الله تعالى، فقد قال سبحانه: ﴿‌وَهُوَ ‌مَعَكُمۡ أَیۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [الحديد: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ ‌رَّقِیبࣰا﴾ [الأحزاب: ٥٢].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [متفق عليه].

قال ابن رجب: “يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهِيَ اسْتِحْضَارُ قُرْبِهِ وَأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْخَشْيَةَ وَالْخَوْفَ وَالْهَيْبَةَ وَالتَّعْظِيمَ” [جامع العلوم والحكم].

واجتنب تلك الآفة المذمومة يبدلك الله لذة وطمأنية في قلبك؛ فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي الدَّهْمَاءِ، قَالَا: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ» [رواه أحمد].

ثانيًا: طلب الدعم والمساعدة (معاقبة المصور بغير إذن): إن المصور للغير دون إذنه ما حمله على ذلك إلا أنه أمن المؤاخذة على جُرمه، فصدق عليه قول القائل: “من أمِنَ العقاب أساء الأدب”؛ ولهذا عندما يسود القانون، ويطبَّق مبدأ “الثواب والعقاب” يطمئن الخلق، ويهدأ بالهم حيث يشعر كل فرد منهم أنه في مأمن من التطاول على نفسه وعياله، وإلا سيصبح البشر أشبه بالحيوانات التي تعيش بالغابات، بل أضل سبيلا؛ ولذا أرشدنا نبينا ﷺ إلى وجوب ذكر الْفَاجِر؛ للتحذير مِنْهُ حتى يعيش الناس آمنين في أوطانهم؛ فعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَرِعُونَ عَنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ؟، اذْكُرُوهُ بِمَا فِيهِ يَعْرِفُهُ النَّاسُ» [رواه الطبراني].

ثالثًا: الاحتفاظ بالخصوصية: يجب على الإنسان ألا يجعل حياته مشاعا عاما للجميع؛ فعليه أن يميز بين ما يصح أن يريه للعامة، وما يجب الاحتفاظ به لنفسه فلا يطلع عليه غيره، وهذا يفرض علينا أن نتحلى بالأخلاق الفاضلة، والقيم والمُثل العليا، والأعراف والتقاليد المجتمعية، وقد قال الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذۡرَكُمۡ﴾ [النساء: ٧١]؛ وعن عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ؟، قَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ». [رواه ابن حبان].

قال الإمام البقاعي: (قوله: ﴿خُذُوا۟ حِذۡرَكُمۡ﴾: أي في كل حالة، فإن ذلك نفع لا يتوقع منه ضرر؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر تشجيعا للمؤمنين، وإعلاما بأن الأمر بالحزم إنما هو للجري على ما رسمه من الحكمة في ربط المسببات بالأسباب، فهو من باب «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ») [نظم الدرر في تناسب الآيات والسور].

رابعًا: كُن إيجابيا: فإن الذي يرى المُصور للغير ولا يمنعه بالحسنى، إنما يشارك في تعميم الضرر وتكثيره؛ مع أن التعاون والتكاتف مقصد حثنا عليه الشرع الحكيم؛ فقال تعالى: ﴿‌وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢]، وقال سبحانه: ﴿فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُو۟لُوا۟ ‌بَقِیَّةࣲ یَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِی ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّمَّنۡ أَنجَیۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مَاۤ أُتۡرِفُوا۟ فِیهِ وَكَانُوا۟ مُجۡرِمِینَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِیُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمࣲ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: ١١٦، ١١٧].

قال ابن كثير: (يقول تعالى فهلا وُجِدَ من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات، والفساد في الأرض، وقوله: ﴿إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرًا وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته؛ ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما قال تعالى: ﴿‌وَلۡتَكُن ‌مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وفي الحديث: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكِرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ») [تفسير القرآن العظيم].

خامسًا: المبادرة إلى التوبة: وذلك من خلال حذف ما تم تصويره إن كان في الإمكان وإلا فبإبراء الذمة والاعتذار لصاحبه، والعزم على عدم الرجوع لمثل هذه الأفعال استهداء بقول الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ ‌تَوۡبَةࣰ ‌نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن یُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَیِّءَاتِكُمۡ وَیُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ [التحريم: ٨]، وبقوله ﷺ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» [رواه البخاري].

۞۞۞

مراجع للاستزادة:

  • التعدي على البيئة في ضوء نظريات علم النفس البيئي.
  • التوزان البيئي من خلال نظريات علم اجتماع البيئة.
  • البيئة هي الرحم الثاني والأم الكبرى – مجموعة مقالات على منصة وزارة الأوقاف المصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى