خطبة الجمعة القادمة 24 أبريل 2026م : تكاليفُ الزواجِ بينَ المبالغةِ والاعتدالِ، د. أحمد رمضان

خطبة الجمعة القادمة 24 أبريل 2026م : تكاليفُ الزواجِ بينَ المبالغةِ والاعتدالِ ، د. أحمد رمضان :
تعديل موضوع الخطبة القادمة
(الأرض المباركة)
والثانية
تكاليف الزواج بين المغالاة والاعتدال
تكاليفُ الزواجِ بينَ المبالغةِ والاعتدالِ
الجمعة 6 ذو القعدة 1447هـ | 24 أبريل 2026م
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ الَّذي شَرَعَ النِّكَاحَ وجعلَهُ سكنًا ومودَّةً ورحمةً، وأمرَ بهِ تيسيرًا لا تعسيرًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ في الزواجِ إعفافًا للنفوسِ، وصيانةً للأعراضِ، وبناءً للمجتمعاتِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، الداعي إلى اليسرِ والاعتدالِ، القائلُ: «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا» صحيح البخاري 69، صحيح مسلم 1734، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ. أمَّا بعدُ،
عناصر الخطبة:
العُنْصُرُ الأَوَّل: مَكَانَةُ الزَّوَاجِ فِي الإِسْلَامِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ
العُنْصُرُ الثَّانِي: المُبَالَغَةُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ وَآثَارُهَا الخَطِيرَةُ
العُنْصُرُ الثَّالِث: الِاعْتِدَالُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ وَالحُلُولُ العَمَلِيَّةُ
فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ من أعظمِ ما ابتُلِيَ بهِ الناسُ في هذا الزمانِ: المبالغةُ في تكاليفِ الزواجِ، حتى صارَ الزواجُ – وهو طريقُ العفافِ – بابًا من أبوابِ العسرِ، ومصدرًا للقلقِ، بدل أن يكونَ سكنًا ورحمةً.
عبادَ اللهِ، كم من شابٍّ تأخر زواجُهُ لا لعدمِ الرغبةِ، ولكن لثقلِ التكاليفِ! وكم من أسرةٍ أثقلتْ كاهلَها العاداتُ والتقاليدُ! وكم من زيجاتٍ بدأتْ بالديونِ فانتهتْ بالهمومِ! حتى تحوَّل الزواجُ من عبادةٍ يُتقربُ بها إلى اللهِ، إلى سباقٍ في المظاهرِ، وميدانٍ للمباهاةِ، وهذا انحرافٌ عن منهجِ الإسلامِ.
العُنْصُرُ الأَوَّل: مَكَانَةُ الزَّوَاجِ فِي الإِسْلَامِ وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ
عبادَ اللهِ، إنَّ الزواجَ في الإسلامِ ليسَ أمرًا عارضًا، ولا عادةً اجتماعيةً تُمارسُ تبعًا للأعرافِ، بل سُنَّةٌ جليلةٌ، ومقصدٌ من أعظمِ مقاصدِ الشريعةِ، بهِ تُحفظُ الأعراضُ، وتُصانُ النفوسُ، وتستقيمُ الفطرةُ، وتُبنى الأسرُ، ويستقيمُ المجتمعُ.
ولذلكَ قرنَهُ اللهُ تعالى بآياتِهِ الدالةِ على قدرتِهِ وحكمتِهِ، فقالَ تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}. [الروم: 21]
قالَ محمد سيد طنطاوي رحمهُ اللهُ: “وَجَعَلَ- سبحانه- بَيْنَكُمْ يا معشر الأزواج والزوجات مَوَدَّةً وَرَحْمَةً أى: محبة ورأفة، لم تكن بينكم قبل ذلك، وإنما حدثت عن طريق الزواج الذي شرعه- سبحانه- بين الرجال والنساء، والذي وصفه- تعالى- بهذا الوصف الدقيق، في قوله- عز وجل: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ.” [تفسير الوسيط، ج11 ص76].
فهذهِ الآيةُ العظيمةُ تُبيِّنُ أنَّ الزواجَ سكنٌ للنفسِ، وطمأنينةٌ للقلبِ، ورحمةٌ متبادلةٌ، لا مجردَ ارتباطٍ شكليٍّ، ولا علاقةٍ عابرةٍ، بل هو استقرارٌ حقيقيٌّ تقومُ عليهِ حياةُ الإنسانِ.
ثمَّ تأمَّلوا – رحمكم الله – كيفَ جاءَ الأمرُ الصريحُ من اللهِ تعالى للمجتمعِ كلِّهِ أن يُعينَ على الزواجِ، فقالَ سبحانهُ: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ}. [الروم: 32].
قالَ الشعراوي رحمهُ اللهُ: “رِجَالٌ لَيْسَ لَهُمْ زَوْجَاتٌ، أَوْ نِسَاءٌ لَيْسَ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ: عَجِّلُوا بِزَوَاجِ هَؤُلَاءِ، وَيَسِّرُوا لَهُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَا تَتَشَدَّدُوا فِي نَفَقَاتِ الزَّوَاجِ حَتَّى تُعِفُّوا أَبْنَاءَكُمْ وَبَنَاتِكُمْ، وَإِذَا لَمْ تُعِينُوهُمْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ عَدَمِ التَّشَدُّدِ وَالْمُغَالَاةِ.” [تفسير الشعراوي، ج16 ص10261].
وهذا المعنى يدلُّ على عنايةِ الشريعةِ بأمرِ الزواجِ، وحرصِها على قيامِهِ في المجتمعِ، حتى يبقى طريقُ العفافِ مفتوحًا، وتُصانَ النفوسُ من الانحرافِ.
وقد جاءتِ السنةُ النبويةُ مؤكِّدةً لهذهِ المكانةِ العظيمةِ، فخاطبَ النبيُّ ﷺ الشبابَ – وهم أقدرُ الناسِ على الوقوعِ في الفتنِ – فقالَ: «يا معشر الشبًاب مَنِ استَطاعَ الباءةَ فليَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغَضُّ للبَصَرِ، وأحصَنُ للفَرجِ، ومَن لَم يَستَطِعْ فعليه بالصَّومِ، فإنَّه له وِجاءٌ» [صحيح البخاري رقم5066، صحيح مسلم رقم1400].
قالَ العلماءُ: في هذا الحديثِ بيانٌ واضحٌ أنَّ الزواجَ من أعظمِ وسائلِ حفظِ الدينِ، وصيانةِ النفسِ من الانحرافِ، ولذلكَ قُدِّمَ على غيرِهِ من الوسائلِ، لأنهُ علاجٌ جذريٌّ للفطرةِ.
ولم يكتفِ النبيُّ ﷺ بالترغيبِ في الزواجِ، بل جعلهُ من سنَّتِهِ التي لا ينبغي للمسلمِ أن يرغبَ عنها، فقالَ ﷺ: «النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». ابن ماجه (1846) واللفظ له، والديلمي في ((الفردوس)) (6920)، حديث صحيح.
قالَ ابنُ بطال رحمهُ اللهُ: “ذَهَبَ جَمَاعَةٌ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ” [شرح البخاري لابن بطال، ج7 ص162].
بل إنَّ الأنبياءَ عليهم السلامُ كانوا يحرصونَ على الزواجِ، لما فيهِ من تحقيقِ مقاصدَ عظيمةٍ، من العفافِ، وبناءِ الأسرِ، وإعمارِ الأرضِ، ولذلكَ كانَ السلفُ الصالحُ ينظرونَ إلى الزواجِ على أنَّهُ من تمامِ الدينِ، لا من كمالياتِ الحياةِ، وكانوا يرونَ أنَّ في تركِهِ – مع القدرةِ عليهِ – تعريضًا للنفسِ للفتنةِ، ومخالفةً لهديِ الأنبياءِ والصالحينَ.
جاءَ رجلٌ إلى سعيدِ بنِ المسيبِ رحمهُ اللهُ، وكان لا يملكُ إلا درهمينِ أو ثلاثةً، فزوَّجهُ ابنتهُ على ذلك، بل حملها إليه بنفسهِ، ولم ينظر إلى مالٍ ولا جاهٍ، وإنما نظر إلى الدينِ”. [حلية الأولياء، ج4 ص235].
عبادَ اللهِ، إنَّ الزواجَ في الإسلامِ ليسَ ترفًا يُؤخَّرُ، ولا خيارًا يُؤجَّلُ، بل هو ضرورةٌ لحفظِ الدينِ وصيانةِ المجتمعِ، وهو حصنٌ من الفتنِ، وطريقٌ إلى الطهرِ والاستقامةِ. فإذا ضُيِّقَ فيهِ، أو وُضِعتْ أمامَهُ العوائقُ، فُتِحَتْ أبوابُ الفسادِ، واضطربَتِ الأخلاقُ، وفسدَتِ المجتمعاتُ.
فكيفَ يُجعلُ ما شرعَهُ اللهُ رحمةً بابًا للمشقةِ؟! وكيفَ يُحوَّلُ طريقُ العفافِ إلى طريقٍ من التعسيرِ؟! إنَّ الواجبَ أن يُعادَ الزواجُ إلى حقيقتِهِ التي أرادها اللهُ: عبادةً، وسكنًا، ورحمةً، وطريقًا إلى طهارةِ القلوبِ واستقامةِ الحياةِ.
العُنْصُرُ الثَّانِي: المُبَالَغَةُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ وَآثَارُهَا الخَطِيرَةُ
عبادَ اللهِ، إذا كانَ الإسلامُ قد دعا إلى تيسيرِ الزواجِ، فإنَّ واقعَ كثيرٍ من الناسِ اليومَ قد انحرفَ عن هذا المنهجِ، فظهرتِ المبالغةُ في تكاليفِ الزواجِ، حتى صارتْ عائقًا كبيرًا أمامَ الشبابِ، وسببًا في تعطيلِ هذهِ السُّنَّةِ العظيمةِ.
وقد قالَ اللهُ تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} الأعراف:31، قالَ الرازي رحمهُ اللهُ: “إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَهَذَا نِهَايَةُ التَّهْدِيدِ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى بَقِيَ مَحْرُومًا عَنِ الثَّوَابِ” (تفسير الرازي، ج14 ص230).
وقالَ سبحانهُ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} الفرقان:67، قالَ القرطبيُّ رحمهُ اللهُ: “ومن أحسن ما قيل في معناه أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو الإقتار” (الجامع لأحكام القرآن، ج13 ص70).
عبادَ اللهِ، إنَّ هذهِ المبالغةَ لم تأتِ من فراغٍ، بل لها أسبابٌ خطيرةٌ ينبغي التنبهُ لها:
أولًا: ضغطُ العاداتِ والتقاليدِ
فقد أصبحَ كثيرٌ من الناسِ ينظرُ إلى الزواجِ على أنَّهُ مناسبةٌ اجتماعيةٌ للتفاخرِ، لا ميثاقٌ شرعيٌّ قائمٌ على المودةِ والرحمةِ، فيقولُ: ماذا سيقولُ الناسُ؟!
كيف يكونُ الحفلُ أقلَّ من غيرِنا؟!
فيُجبرُ الأبُ، ويُرهَقُ الشابُّ، وتُثقَلُ الأسرةُ، من أجلِ أعرافٍ لا أصلَ لها في الشرعِ.
وقد قالَ اللهُ تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} البقرة:170.
ثانيًا: المقارناتُ الاجتماعيةُ
عبادَ اللهِ، ومن أخطرِ ما أفسدَ هذا البابَ: المقارناتُ بين الناسِ، هذا تزوَّج بكذا… وهذا فعل كذا… وهذه حفلتُها كانت أفخم… فتحوَّل الزواجُ إلى سباقٍ، لا إلى سكنٍ، وإلى منافسةٍ، لا إلى مودةٍ، فيسعى الإنسانُ إلى مجاراةِ غيرهِ ولو بالاستدانةِ، فيبدأ حياتَهُ بالدَّينِ، وينهيها بالهمِّ.
ثالثًا: ربطُ السعادةِ بالمظاهرِ
عبادَ اللهِ، من أعظمِ الأخطاءِ: أن يُظنَّ أنَّ السعادةَ تُشترى بالمالِ،
وأنَّ الزواجَ الناجحَ هو الأغلى والأفخمُ!
وهذا وهمٌ خطيرٌ، فإنَّ السعادةَ تُبنى على:
الدينِ، الأخلاقِ، الرحمةِ، التفاهمِ
لا على الكراسي، ولا القاعات، ولا الذهبِ.
قالَ رسول الله ﷺ: “ليس الغِنى عن كَثرةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَّفسِ“. (البخاري 6446، ومسلم 1051).
رابعًا: الآثارُ الخطيرةُ لهذهِ المبالغةِ
عبادَ اللهِ، إنَّ لهذهِ الظاهرةِ آثارًا خطيرةً تهدِّدُ الفردَ والمجتمعَ:
تعطيلُ الزواجِ وتأخرُهُ
وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «إذا أَتاكُم مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَه ودينَه، فأَنكِحوهُ، إلَّا تَفْعَلوا؛ تَكنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عَريضٌ» المستدرك للحاكم 2732، ابن ماجه (1967)، والترمذي (1084)، والطبراني في (المعجم الأوسط) 2695، حديث صحيح.
الوقوعُ في الديونِ
فيبدأُ الزواجُ بضغطٍ نفسيٍّ وماديٍّ شديدٍ.
انتشارُ الفتنِ والانحرافِ
لأنَّ تعطيلَ الحلالِ يفتحُ أبوابَ الحرامِ.
زوالُ البركةِ
كلما عظمتِ المؤونةُ قلَّتِ البركةُ.
الضغوطُ النفسيةُ
حتى أصبحَ الزواجُ مصدرَ قلقٍ بدلَ أن يكونَ سكنًا.
خامسًا: نماذجُ مضيئةٌ تُخالفُ هذا الواقع
عبادَ اللهِ، لقد كانَ هديُ السلفِ بعيدًا عن هذا التكلفِ:
زوَّجَ النبيُّ ﷺ رجلًا بما معهُ من القرآنِ
وكان مهرُ بناتهِ يسيرًا وتزوَّجَ الصحابةُ بأبسطِ الأمورِ
بل تأملوا قصةَ أمِّ سليمٍ رضيَ اللهُ عنها، حينَ جعلت مهرها إسلامَ أبي طلحة، فما أعظمَهُ من مهرٍ!
عبادَ اللهِ، إنَّ ما نراهُ اليومَ من تعقيدِ الزواجِ ليسَ من الإسلامِ في شيءٍ، وإنما هو من صنعِ الناسِ، ولو عادَ الناسُ إلى هديِ النبيِّ ﷺ لتيسَّرَ الزواجُ، وانتشرتِ العفةُ، واستقامَ المجتمعُ.
فاحذروا المغالاةَ، وتمسَّكوا بالاعتدالِ، واعلموا أنَّ البركةَ في التيسيرِ، لا في التعسيرِ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ الَّذي جعلَ هذا الدينَ قائمًا على اليسرِ والاعتدالِ، ونهى عن الغلوِّ والإسرافِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، شرعَ الزواجَ رحمةً بعبادِهِ، ويسَّرَهُ لمن أرادَ العفافَ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، الداعي إلى التيسيرِ، القائلُ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ» صحيح البخاري كتاب الإيمان رقم39، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.
أمَّا بعدُ، فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ النجاةَ في اتباعِ هديِ النبيِّ ﷺ، وأنَّ الخيرَ كلَّهُ في الاعتدالِ، وأنَّ ما خالفَ ذلكَ من المغالاةِ فهو سببُ الشقاءِ والتعسيرِ.
العُنْصُرُ الثَّالِث: الِاعْتِدَالُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ وَالحُلُولُ العَمَلِيَّةُ
عبادَ اللهِ، إنَّ الداءَ إذا عُرِفَ سَهُلَ الدواءُ، وإنَّ ما نراهُ اليومَ من تعسيرِ الزواجِ ليسَ أمرًا عارضًا، بل هو خللٌ في الفهمِ، وانحرافٌ عن منهجِ الإسلامِ، ولا يُصلحُ هذا الخللَ إلا الرجوعُ الصادقُ إلى هديِ الشريعةِ التي قامت على اليسرِ والاعتدالِ.
قالَ اللهُ تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} البقرة:143، قالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: “والوسط هاهنا: الخيار والأجود” (تفسير ابن كثير، ج1 ص190).
وقالَ سبحانهُ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} البقرة:185، قالَ القرطبيُّ رحمهُ اللهُ: ” فِي جَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.” (الجامع لأحكام القرآن، ج2 ص305).
عبادَ اللهِ، إنَّ علاجَ هذهِ الظاهرةِ لا يكونُ بكلامٍ نظريٍّ، بل بخطواتٍ عمليةٍ واضحةٍ:
أولًا: التيسيرُ في المهورِ والنفقاتِ
عبادَ اللهِ، إنَّ أولَ أبوابِ الإصلاحِ أن يُعادَ الميزانُ إلى نصابِهِ، وأن يُنظرَ إلى الزواجِ على أنَّهُ عبادةٌ لا صفقةٌ، وأنَّ البركةَ فيهِ ليست بكثرةِ المالِ، وإنما بحسنِ القصدِ وصدقِ النيةِ.
وقالَ ﷺ: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» رواه الحاكم 2775، حديث صحيح.
ثانيًا: الاقتداءُ بهديِ النبيِّ ﷺ والسلفِ
عبادَ اللهِ، إنَّ أعظمَ طريقٍ للإصلاحِ ليسَ التنظيرَ، بل الاقتداءَ، فإنَّ هديَ النبيِّ ﷺ في الزواجِ كانَ في غايةِ البساطةِ، ومع ذلكَ كانَ أتمَّ بركةً وأعظمَ أثرًا.
زوَّجَ النبيُّ ﷺ رجلًا بما معهُ من القرآنِ، وكانَ مهرُ أمهاتِ المؤمنينَ يسيرًا، وكانَ الصحابةُ يتزوجونَ بأبسطِ الأمورِ، ومع ذلكَ امتلأتْ بيوتُهم طمأنينةً، واستقامتْ حياتُهم سعادةً.
وهذا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ السعادةَ لا تُصنعُ بالمظاهرِ، ولا تُبنى بالأموالِ، وإنما تُبنى على التقوى وحسنِ العشرةِ.
ثالثًا: تصحيحُ المفاهيمِ المغلوطةِ
عبادَ اللهِ، إنَّ كثيرًا من الناسِ اليومَ لا يحتاجُ إلى مالٍ بقدرِ ما يحتاجُ إلى تصحيحِ فكرٍ، فإنَّ المشكلةَ في العقولِ قبلَ أن تكونَ في الجيوبِ.
فالسعادةُ الزوجيةُ لا تقومُ على:
المظاهرِ، ولا الحفلاتِ، ولا التكاليفِ
وإنما تقومُ على:
الدينِ، والخلقِ، وحسنِ المعاملةِ، والرحمةِ بين الزوجينِ
فإذا استقامَ هذا الأصلُ، استقامتِ الحياةُ كلُّها، ولو قلَّ المالُ.
رابعًا: تحمُّلُ المسؤوليةِ المجتمعيةِ
عبادَ اللهِ، إنَّ هذهِ القضيةَ لا يتحمَّلُها فردٌ واحدٌ، بل هي مسؤوليةُ مجتمعٍ كاملٍ:
فالآباءُ عليهم أن يُيسِّروا، لا أن يُعسِّروا
والأمهاتُ عليهنَّ أن يتركنَ التفاخرَ
والشبابُ عليهم أن يقبلوا باليسيرِ
والمجتمعُ عليهِ أن يُغيِّرَ ثقافةَ المغالاةِ
قالَ اللهُ تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} المائدة:2.
خامسًا: كلمةٌ صادقةٌ إلى الأولياءِ
اتقوا اللهَ في أبنائِكم، ولا تجعلوا الزواجَ بابًا للمباهاةِ، ولا وسيلةً لجمعِ الأموالِ، فإنَّكم إنْ يسَّرتم يسَّرَ اللهُ لكم، وإنْ شدَّدتم شُدِّدَ عليكم.
وتذكروا قولَ النبيِّ ﷺ: «إذا جاءَكُم مَن تَرضَونَ دينَهُ وخُلقَهُ، فأنكِحوهُ، إلَّا تَفعلوهُ تَكُن فِتنةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كبيرٌ» الترمذي (1085)، وابن معين في ((التاريخ)) (164)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (11/ 83)، والبيهقي (13610).
عبادَ اللهِ، إنَّ إصلاحَ الزواجِ ليسَ ترفًا، بل ضرورةٌ لحفظِ الدينِ والمجتمعِ، فإنَّ تعسيرَ الحلالِ يفتحُ أبوابَ الحرامِ، وإنَّ تيسيرَهُ يغلقُ أبوابَ الفتنةِ.
فعودوا إلى هديِ الإسلامِ، وأقيموا هذا البناءَ على البساطةِ والصدقِ، لا على المباهاةِ والتكلفِ، واعلموا أنَّ بيوتًا تقومُ على اليسرِ خيرٌ من قصورٍ تقومُ على الدَّينِ والهمِّ.
اللهم احفظ مصر وسائر بلاد المسلمين
المراجع: القرآن الكريم
كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن ابن ماجه، سنن أبي داود، سنن الترمذي، المعجم للطبراني، الفردوس للديلمي، المستدرك للحاكم، شعب الإيمان، للبيهقي.
ثالثًا: كتب التفسير وشروح الحديث وغيرهما: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، التفسيرُ الكبيرُ للرازي، تفسير الشعراوي، تفسير الوسيط لطنطاوي، التاريخ لأبي مغين، التاريخ الكبير للبخاري، شرح البخاري لابن حجر، شرح مسلم للنووي، شرح البخاري لابن بطال، حليةُ الأولِياءِ لأبي نعيم.
نقلا عن موقع صوت الدعاه الاخبارى
د. أحمد رمضان

