خطبة الجمعة القادمة 5 يونيو :pdf و word “كُنْ رَاضِيًا .. وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي” للدكتور محروس حفظي

عناصر خطبة الجمعة القادمة 5 يونيو 2026م. بعنوان: كُنْ رَاضِيًا .. وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي، للدكتور محروس حفظي :
(١) التَّحْذِيرُ مِنَ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
(٢) مَا يُعِينُ عَلَى الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ.
(٣) خَطَرُ إِدْمَانِ السُّوشِيَالْ مِيدِيَا وَأَثَرُهُ عَلَى الْأُسْرَةِ.
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 5 يونيو 2026م بعنوان: كُنْ رَاضِيًا .. وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي، للدكتور محروس حفظي : كما يلي:
كُنْ رَاضِيًا .. وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي
بتاريخ 19 ذو الحجة 1447ه = الموافق 5 يونيو 2026 م»
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ، وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ…
(١) التَّحْذِيرُ مِنَ التَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ:
حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى تَجَنُّبِ التَّفَاخُرِ، وَمُقَارَنَةِ حَيَاةِ الْآخَرِينَ بِحَيَاتِنَا؛ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النِّسَاءِ: ٣٢]؛ هَذَا يَجْعَلُ الْعَبْدَ يَسْتَقِلُّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ – قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ – عَلَيْكُمْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: (هَذَا حَدِيثٌ جَامِعٌ لِأَنْوَاعٍ مِنَ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسُهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَادِ؛ لِيَلْحَقَ بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبَهُ، هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي غَالِبِ النَّاسِ، وَأَمَّا إِذَا نَظَرَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِيهَا ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَشَكَرَهَا وَتَوَاضَعَ، وَفَعَلَ فِيهَا الْخَيْرَ). [شَرْحُ النَّوَوِيِّ].
جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الْإِعْجَابِ بِالدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَعَدَمِ التَّطَلُّعِ إِلَى أَحْوَالِ الْغَيْرِ مِمَّنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: ١٣١].
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وَمَدُّ النَّظَرِ: تَطْوِيلُهُ، وَأَنْ لَا يَكَادَ يَرُدُّهُ، اسْتِحْسَانًا لِلْمَنْظُورِ إِلَيْهِ وَإِعْجَابًا بِهِ، وَتَمَنِّيًا أَنْ يَكُونَ لَهُ، كَمَا فَعَلَ نُظَّارُ قَارُونَ حِينَ قَالُوا: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [الْقَصَصِ: ٧٩]. وَفِيهِ أَنَّ النَّظَرَ غَيْرَ الْمَمْدُودِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ نَظَرِ مَنْ بَادَهُ الشَّيْءُ بِالنَّظَرِ ثُمَّ غَضَّ الطَّرْفَ، وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ إِلَى الزَّخَارِفِ كَالْمَرْكُوزِ فِي الطِّبَاعِ، وَأَنَّ مَنْ أَبْصَرَ مِنْهَا شَيْئًا أَحَبَّ أَنْ يَمُدَّ إِلَيْهِ نَظَرَهُ وَيَمْلَأَ مِنْهُ عَيْنَيْهِ؛ قِيلَ: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} أَيْ: لَا تَفْعَلْ مَا أَنْتَ مُعْتَادٌ لَهُ وَضَارِبُهُ، وَلَقَدْ شَدَّدَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى فِي وُجُوبِ غَضِّ الْبَصَرِ عَنْ أَبْنِيَةِ الْفَسَقَةِ فِي اللِّبَاسِ وَالْمَرَاكِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا اتَّخَذُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لِعُيُونِ النُّظَّارِ، فَالنَّاظِرُ إِلَيْهَا مُحَصِّلٌ لِغَرَضِهِمْ، وَكَالْمُغْرِي لَهُمْ عَلَى اتِّخَاذِهَا). [الْكَشَّافُ عَنْ حَقَائِقِ التَّنْزِيلِ بِاخْتِصَارٍ].
لِيَعْلَمِ الَّذِي يُبَاهِي غَيْرَهُ بِالنِّعَمِ، خَاصَّةً عَلَى السُّوشِيَالْ مِيدِيَا، أَنَّ اللَّهَ سَائِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ هَذَا، قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التَّكَاثُرِ: ٨].
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِن اللهَ يَقُوْلُ لِلعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَلَم أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسْ وَتَرْبَعْ؟ فَيَقُوْلُ: بَلَى. فَيَقُوْلُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُوْلُ: لاَ. فَيَقُوْلُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيْتَنِي». [رواه مسلم].
خُذْ مِنْ قِصَّةِ قَارُونَ الْعِبْرَةَ: أَمَامَ هَذِهِ الزِّينَةِ الْفَخْمَةِ الَّتِي خَرَجَ فِيهَا قَارُونُ، انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ اسْتَهْوَتْهُ هَذِهِ الزِّينَةُ، وَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُهَا كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [الْقَصَصِ: ٧٩]، وَفَرِيقٌ ثَانٍ هُمْ أَصْحَابُ الْمَبَادِئِ، وَالْعَقْلِ الرَّاجِحِ: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [الْقَصَصِ: ٨٠].
وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ نُخْفِيَ أَثَرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَإِنَّمَا نُوَجِّهُهَا فِيمَا يَعُودُ عَلَيْنَا وَعَلَى غَيْرِنَا بِالنَّفْعِ؛ فَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ». [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
الِانْشِغَالُ بِمَظَاهِرِ الْغَيْرِ غَالِبًا مَا يَجُرُّ الْإِنْسَانَ لِلْحَسَدِ وَالْحِقْدِ، وَهَذَا مَا أَكَّدَتْهُ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ؛ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ، أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ؟» قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، قَالَ ﷺ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
نَحْنُ فِي زِحَامٍ مِنَ النِّعَمِ لَا نُدْرِكُ قِيمَتَهَا إِلَّا حِينَ فَقْدِهَا؛ فَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
كَثِيرٌ مِنَّا يَعِيشُ عِيشَةَ الْمُلُوكِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: «أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟» فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: «أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ»، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: «فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
(٢) مَا يُعِينُ عَلَى الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ:
أَوَّلًا: اقْتَدِ بِسَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالصَّالِحِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَشْبَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: «مَا أَبْعَدَ هَدْيَكُمْ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا هُوَ فَكَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتُمْ أَرْغَبُ النَّاسِ فِيهَا». [رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ].
قَالَ الْغَزَالِيُّ: «كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ يَبُلُّ الْخُبْزَ الْيَابِسَ بِالْمَاءِ، وَيَأْكُلُهُ، وَيَقُولُ: مَنْ قَنِعَ بِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَحَدٍ». [إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ].
ثَانِيًا: تَرْبِيَةُ الْقَلْبِ عَلَى الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ بِمَا رَزَقَكَ اللَّهُ:
سُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ: مَتَى يَكُونُ الْعَبْدُ رَاضِيًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: إِذَا كَانَ سُرُورُهُ بِالْمُصِيبَةِ مِثْلَ سُرُورِهِ بِالنِّعْمَةِ. وَكَانَ الْفُضَيْلُ يَقُولُ: إِذَا اسْتَوَى عِنْدَهُ الْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ فَقَدْ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. [إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ].
لِيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيًا إِلَى الشُّكْرِ، {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لُقْمَانَ: ١٢].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ].
قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: (بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ قَالَ: التَّوَكُّلُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: أَوَّلُهَا: تَرْكُ الشَّكَايَةِ، وَالثَّانِيَةُ: الرِّضَا، وَالثَّالِثَةُ: الْمَحَبَّةُ، فَتَرْكُ الشَّكَايَةِ دَرَجَةُ الصَّبْرِ، وَالرِّضَا سُكُونُ الْقَلْبِ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، وَهِيَ أَرْفَعُ مِنَ الْأُولَى، وَالْمَحَبَّةُ أَنْ يَكُونَ حُبُّهُ لِمَا يَصْنَعُ اللَّهُ بِهِ، فَالْأُولَى لِلزَّاهِدِينَ، وَالثَّانِيَةُ لِلصَّادِقِينَ، وَالثَّالِثَةُ لِلْمُرْسَلِينَ). [التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا].
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ». [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟»، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ». [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى].
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: (مَعْنَى الْحَدِيثِ لَيْسَ حَقِيقَةَ الْغِنَى كَثْرَةُ الْمَالِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُوتِيَ، فَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي الِازْدِيَادِ وَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ؛ فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَهُوَ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَا أُوتِيَ وَقَنِعَ بِهِ وَرَضِيَ، وَلَمْ يَحْرِصْ عَلَى الِازْدِيَادِ، وَلَا أَلَحَّ فِي الطَّلَبِ، فَكَأَنَّهُ غَنِيٌّ). [فَتْحُ الْبَارِي].
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: (مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْغِنَى النَّافِعَ أَوِ الْعَظِيمَ أَوِ الْمَمْدُوحَ هُوَ غِنَى النَّفْسِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَتْ نَفْسُهُ كَفَّتْ عَنِ الْمَطَامِعِ فَعَزَّتْ وَعَظُمَتْ، وَحَصَلَ لَهَا مِنَ الْحَظْوَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالشَّرَفِ وَالْمَدْحِ أَكْثَرُ مِنَ الْغِنَى الَّذِي يَنَالُهُ مَنْ يَكُونُ فَقِيرَ النَّفْسِ لِحِرْصِهِ؛ فَإِنَّهُ يُوَرِّطُهُ فِي رَذَائِلِ الْأُمُورِ وَخَسَائِسِ الْأَفْعَالِ لِدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ وَبُخْلِهِ، وَيَكْثُرُ مَنْ يَذُمُّهُ مِنَ النَّاسِ، وَيَصْغُرُ قَدْرُهُ عِنْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَحْقَرَ مِنْ كُلِّ حَقِيرٍ، وَأَذَلَّ مِنْ كُلِّ ذَلِيلٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِغِنَى النَّفْسِ يَكُونُ قَانِعًا بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ، لَا يَحْرِصُ عَلَى الِازْدِيَادِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا يُلِحُّ فِي الطَّلَبِ، وَلَا يُلْحِفُ فِي السُّؤَالِ، بَلْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ؛ فَكَأَنَّهُ وَاجِدٌ أَبَدًا، وَالْمُتَّصِفُ بِفَقْرِ النَّفْسِ عَلَى الضِّدِّ مِنْهُ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ، بَلْ هُوَ أَبَدًا فِي طَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ، ثُمَّ إِذَا فَاتَهُ الْمَطْلُوبُ حَزِنَ وَأَسِفَ، فَكَأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا أُعْطِيَ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ. ثُمَّ غِنَى النَّفْسِ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَنِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ، عِلْمًا بِأَنَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنِ الْحِرْصِ وَالطَّلَبِ). وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ: …
غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ … فَإِنْ زَادَ شَيْئًا عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرًا). [فَتْحُ الْبَارِي].
قَالَ أ.د/ مُوسَى لَاشِينٍ: (وَالَّذِي تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ النَّفْسُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُنَفِّرُ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ، وَعَلَى الِاسْتِزَادَةِ مِنْهُ وَطَلَبِهِ مَهْمَا كَثُرَ، كُلُّ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى طَلَبِهِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ حِلِّهِ، أَوْ عَدَمِ أَدَاءِ حَقِّهِ، وَالْقَنَاعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ لَيْسَتْ بِالْوُقُوفِ عَنْ طَلَبِ الْمَزِيدِ، وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الرِّضَا بِمَا عِنْدَكَ مَهْمَا كَانَ زَائِدًا، وَبِالرِّضَا بِطَلَبِ الْجَدِيدِ فِي الْحُدُودِ الْمَشْرُوعَةِ، الْقَنَاعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي عَدَمِ التَّطَلُّعِ لِمَا فِي يَدِ الْغَيْرِ، وَعَدَمِ السَّعْيِ فِي اقْتِنَاصِهِ مِنْهُ، وَفِي عَدَمِ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِ عِنْدَ فَوَاتِهِ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ: لَيْسَتْ كَثْرَةُ الْمَالِ مَصْدَرَ الْإِحْسَاسِ بِالْغِنَى، فَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَمْلِكُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْقُصُورَ يَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ هُمْ أَعْلَى مِنْهُمْ فَيُحِسُّونَ بِالْفَقْرِ، وَإِنَّمَا الْغِنَى الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَشْعُرُ بِهِ صَاحِبُهُ وَيَسْعَدُ بِهِ هُوَ الْإِحْسَاسُ بِأَنَّ رِزْقَهُ كَافِيهِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَهُوَ حَامِدٌ شَاكِرٌ رَاضٍ بِمَا حَصَلَ. وَإِنْ جَاهَدَ لِلْمَزِيدِ لَا عَلَى حِسَابِ الدِّينِ، بَلْ لِحِسَابِ الدِّينِ، فَكُلَّمَا زَادَ مَالُهُ أَنْفَقَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ فَزَادَتْ حَسَنَاتُهُ، وَكُلَّمَا سَعَى فِي كَسْبِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ كُفِّرَتْ سَيِّئَاتُهُ كَمَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ). [فَتْحُ الْمُنْعِمِ].
هَذَا يُرِيحُ الْعَقْلَ وَالْقَلْبَ، وَيَجْعَلُ الْعَبْدَ يَنْطَلِقُ يُؤَدِّي هَدَفَهُ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
قَالَ أ.د/ مُوسَى شَاهِينٍ لَاشِينٍ: (وَقَدْ تَصَارَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ: الْفَقْرُ أَمِ الْغِنَى؟ وَالْفَقْرُ وَالْغِنَى هُنَا عَدَمُ الْمَالِ أَوْ كَثْرَتُهُ، وَلَيْسَ مَعَنَا غِنَى النَّفْسِ وَفَقْرُ النَّفْسِ، وَتَحْرِيرُ مَوْطِنِ النِّزَاعِ يَقْتَضِي تَجَرُّدَ كُلٍّ مِنَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى مِنَ الْعَوَارِضِ الْأُخْرَى، فَلَا يُقَارَنُ مَثَلًا بَيْنَ غَنِيٍّ مُنْفِقٍ وَفَقِيرٍ حَرِيصٍ، وَلَا بَيْنَ فَقِيرٍ قَانِعٍ وَغَنِيٍّ بَخِيلٍ، وَقَدْ جَنَحَ الْقُرْطُبِيُّ فِي “الْمُفْهِمِ” إِلَى تَفْضِيلِ الْكَفَافِ عَلَى الْغِنَى، فَقَالَ: جَمَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثَ: الْفَقْرَ وَالْغِنَى وَالْكَفَافَ، فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوَّلَ حَالَاتِهِ، فَقَامَ بِوَاجِبِ ذَلِكَ مِنْ بَذْلِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَالْمُوَاسَاةِ بِهِ وَالْإِيثَارِ مَعَ اقْتِصَارِهِ مِنْهُ عَلَى مَا يَسُدُّ الضَّرُورَةَ لَهُ وَلِعِيَالِهِ، وَهِيَ صُورَةُ الْكَفَافِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا، وَهِيَ حَالَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الْغِنَى الْمُطْغِي وَالْفَقْرِ الْمُؤْلِمِ، وَأَيْضًا فَصَاحِبُهَا مَعْدُودٌ فِي الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَفَّهُ فِي طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا، بَلْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي الصَّبْرِ عَنِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْكَفَافِ، فَلَمْ يَفُتْهُ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ إِلَّا السَّلَامَةُ مِنْ قَهْرِ الْحَاجَةِ وَذُلِّ الْمَسْأَلَةِ. اهـ). [فَتْحُ الْمُنْعِمِ].
مَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُعِينًا لِغَيْرِهِ عَلَى الرِّضَا وَالصَّلَاحِ؛ فَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
ثَالِثًا: أَكْثِرْ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ أَنْ يُوَسِّعَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الرِّزْقِ الْحَلَالِ:
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ». [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ].
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طٰه: ١٣٠].
الدُّعَاءُ يَصْنَعُ الْمُسْتَحِيلَ، وَيُقَلِّبُ الْمَوَازِينَ؛ فَهَذَا زَكَرِيَّا -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَدْخُلُ عَلَى مَرْيَمَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- الْمِحْرَابَ، فَيَجِدُ عِنْدَهَا رِزْقًا وَفِيرًا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣٧].
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: «إِنَّهُ كَانَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ سِوَى زَكَرِيَّا، فَكَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ». [جَامِعُ الْبَيَانِ لِابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ].
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٣٩].
قَالَ الْأَحْنَفُ: «شَكَوْتُ إِلَى عَمِّي صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَجَعًا فِي بَطْنِي، فَنَهَرَنِي ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا نَزَلَ بِكَ شَيْءٌ فَلَا تَشْكُهُ إِلَى أَحَدٍ، فَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ، صَدِيقٌ تَسُوءُهُ، وَعَدُوٌّ تَسُرُّهُ، وَالَّذِي بِكَ لَا تَشْكُهُ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ مِثْلِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ إِلَى مَنِ ابْتَلَاكَ بِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُفَرِّجَ عَنْكَ». [رَبِيعُ الْأَبْرَارِ وَنُصُوصُ الْأَخْيَارِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ].
رَابِعًا: الدُّنْيَا لَيْسَتْ هِيَ الْمِقْيَاسَ، وَكَثْرَةُ الْمَالِ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى رِضَا اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٥٥-٥٦].
عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا». [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
خامسًا: كُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي لِحِكْمَةٍ وَيَمْنَعُ لِحِكْمَةٍ:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣٢].
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٢].
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ». [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].
قَالَ مَسْرُوقٌ: «كَانَ رَجُلٌ بِالْبَادِيَةِ لَهُ كَلْبٌ وَحِمَارٌ وَدِيكٌ، فَالدِّيكُ يُوقِظُهُمْ لِلصَّلَاةِ، وَالْحِمَارُ يَنْقُلُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَيَحْمِلُ لَهُمْ خِبَاءَهُمْ، وَالْكَلْبُ يَحْرُسُهُمْ. قَالَ: فَجَاءَ الثَّعْلَبُ فَأَخَذَ الدِّيكَ فَحَزِنُوا لَهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا فَقَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا. ثُمَّ جَاءَ ذِئْبٌ فَخَرَقَ بَطْنَ الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَحَزِنُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا. ثُمَّ أُصِيبَ الْكَلْبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا. ثُمَّ أَصْبَحُوا ذَاتَ يَوْمٍ فَنَظَرُوا فَإِذَا قَدْ سُبِيَ مَنْ حَوْلَهُمْ وَبَقُوا هُمْ. قَالَ: وَإِنَّمَا أُخِذَ أُولَئِكَ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِ الْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ وَالدِّيَكَةِ، فَكَانَتِ الْخِيَرَةُ لِهَؤُلَاءِ فِي هَلَاكِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ كَمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِذَنْ مَنْ عَرَفَ خَفِيَّ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى رَضِيَ بِفِعْلِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». [إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ].
(3) خَطَرُ إِدْمَانِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا وَأَثَرُهُ عَلَى الْأُسْرَةِ:
نُشِيرُ إِلَى أَبْرَزِ الْآثَارِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى إِدْمَانِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا:
أَوَّلًا: فُقْدَانُ شُعُورِ الْأَطْفَالِ بِالْأَمَانِ وَالدِّفْءِ الْأُسَرِيِّ، وَافْتِقَارُ الْمَهَارَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ:
إِدْمَانُ الْأَطْفَالِ تَصَفُّحَ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ يَتَسَبَّبُ فِي افْتِقَارِهِمْ لِلْمَهَارَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي يَكْتَسِبُونَهَا مِنْ خِلَالِ تَفَاعُلِهِمْ مَعَ الْآخَرِينَ، مِمَّا يَفْقِدُونَ مَعَهُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّوَاصُلِ الْحَقِيقِيِّ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَفْرَادِ الْمُحِيطِينَ بِهِمْ، وَبِالتَّالِي عِنْدَمَا يُوضَعُونَ فِي تَوَاصُلٍ حَقِيقِيٍّ مَعَ غَيْرِهِمْ يُصْبِحُونَ شَخْصِيَّةً مُنْطَوِيَةً انْعِزَالِيَّةً وَمُكْتَئِبَةً، بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ كَيْفِيَّةَ التَّوَاصُلِ مَعَ النَّاسِ.
أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِغْرَاقَ فِي التَّسْلِيَةِ يَتَقَلَّصُ مَعَهُ التَّوَاصُلُ الْأُسَرِيُّ، وَيَحُدُّ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْعَاطِفَةِ لَدَى الْأَطْفَالِ، مِمَّا يُحْدِثُ حَالَةً مِنَ التَّفَسُّخِ الْأُسَرِيِّ، وَيُضْعِفُ قُوَّةَ التَّمَاسُكِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَيَزِيدُ الْفَجْوَةَ بَيْنَ الْأَجْيَالِ نَتِيجَةَ اخْتِلَافِ نَمَطِ الِاسْتِخْدَامِ.
ثَانِيًا: تَعَرُّضُ الْأَطْفَالِ لِعَمَلِيَّاتِ التَّنَمُّرِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ:
نَتِيجَةً لِلْمُحْتَوَى السَّيِّئِ الَّذِي اعْتَادَ الْأَطْفَالُ عَلَى مُشَاهَدَتِهِ أَوْ سَمَاعِهِ يَتَوَلَّدُ لَدَيْهِمُ الْمَيْلُ إِلَى الْعُدْوَانِيَّةِ، وَاسْتِخْدَامِ الْعُنْفِ وَالْقُوَّةِ، سَوَاءٌ بِغَرَضِ التَّقْلِيدِ، أَوِ التَّعْبِيرِ عَنْ مَشَاعِرَ مُخْتَزَلَةٍ دَاخِلِيًّا نَتِيجَةَ مَا طُبِعُوا عَلَيْهِ.
ثَالِثًا: الْمَشَاكِلُ الصِّحِّيَّةُ:
شُعُورُ الْأَطْفَالِ بِالْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ، وَقِلَّةُ النَّوْمِ، مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى تَحْصِيلِهِمُ الدِّرَاسِيِّ، وَيُضَيِّعُ مُسْتَقْبَلَهُمْ؛ لِأَنَّ إِدْمَانَ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا يُؤَثِّرُ عَلَى ذَاكِرَةِ الطِّفْلِ، وَيُصِيبُهُ بِحَالَةٍ مِنْ تَشَتُّتِ الِانْتِبَاهِ، وَفَرْطِ الْحَرَكَةِ، وَنِسْيَانِ كُلِّ مَا يَتَعَلَّمُهُ بِسُهُولَةٍ، وَيَصْعُبُ عَلَيْهِمُ التَّحَلِّي بِالْهُدُوءِ.
كَمَا يُصْبِحُ الْأَطْفَالُ عِنْدَهُمْ حَالَةٌ مِنَ الْكَسَلِ غَيْرَ قَابِلِينَ لِلْحَرَكَةِ، مِمَّا يُؤَثِّرُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ عَلَى صِحَّتِهِمْ وَلَيَاقَتِهِمْ، حَيْثُ يُصَابُونَ بِزِيَادَةِ الْوَزْنِ وَالْبَدَانَةِ، بَلْ قَدْ يَتَسَبَّبُ الْجُلُوسُ الدَّائِمُ فِي تَلَفِ خَلَايَا الْمُخِّ، وَتَحْدُثُ تَوَتُّرَاتٌ عَصَبِيَّةٌ بِالْإِفْرَازِ الْمُفْرِطِ وَالْمُتَزَايِدِ لِهَرْمُونِ الْكُورْتِيزُولِ «هَرْمُونِ الْإِجْهَادِ وَالتَّعَبِ»، وَهَرْمُونِ الْأَدْرِينَالِينِ، وَالنُّورَأَدْرِينَالِينِ، فَيُوَلِّدُ ذَلِكَ سُرْعَةَ الْغَضَبِ، عَلَاوَةً عَلَى ضَعْفِ الْجِهَازِ الْمَنَاعِيِّ، وَالْإِرْهَاقِ الْبَصَرِيِّ، وَآلَامِ الظَّهْرِ وَالرَّقَبَةِ، وَإِعَاقَةِ عَمَلِيَّاتِ نُضْجِ الدِّمَاغِ، وَقَدْ تُسْهِمُ فِي ضَعْفِ الذَّكَاءِ اللَّفْظِيِّ لَدَى هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالِ، وَالْإِصَابَةِ بِالصُّدَاعِ الْمُسْتَمِرِّ، وَرُكُودِ الدَّوْرَةِ الدَّمَوِيَّةِ، مِمَّا يُسَبِّبُ حُدُوثَ جَلَطَاتٍ دِمَاغِيَّةٍ وَقَلْبِيَّةٍ، وَضَعْفًا فِي أَدَاءِ الْأَجْهِزَةِ الْحَيَوِيَّةِ بِالْجِسْمِ.
رَابِعًا: انْعِدَامُ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ، وَتَدَنِّي احْتِرَامِ الذَّاتِ:
عِنْدَمَا يُدْمِنُ الْأَطْفَالُ اسْتِعْمَالَ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا غَالِبًا مَا يُقَارِنُونَ حَيَاتَهُمُ الشَّخْصِيَّةَ بِالْآخَرِينَ، مِمَّا يَتَسَبَّبُ فِي فَقْدِهِمْ لِثِقَتِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَالشُّعُورِ بِالْمَزِيدِ مِنَ الْبُؤْسِ وَعَدَمِ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ، مِمَّا يُؤَثِّرُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ عَلَى مَوْقِفِهِمْ تُجَاهَ حَيَاتِهِمْ، وَقَدْ يَضْطَرُّونَ إِلَى السَّخَطِ عَلَى وَضْعِهِمُ الْمَادِّيِّ أَوِ التَّعْلِيمِيِّ أَوِ الْوَظِيفِيِّ… إِلَخْ.
خَامِسًا: الْمَشَاكِلُ الِاقْتِصَادِيَّةُ وَالْأَخْلَاقِيَّةُ:
إِضَاعَةُ الْمَالِ مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى مِيزَانِيَّةِ الْأُسْرَةِ، وَيُحْدِثُ خَلَلًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ قَدْ يَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ الْإِفْلَاسِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِنْ كَانَ الْإِدْمَانُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّسَوُّقِ وَالْمُقَامَرَةِ وَالْأَلْعَابِ.
كَمَا أَنَّ إِدْمَانَ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا يُعَرِّضُ الْأَطْفَالَ لِمُحْتَوَيَاتٍ غَيْرِ أَخْلَاقِيَّةٍ، أَوْ مُنَافِيَةٍ لِلتَّعَالِيمِ الدِّينِيَّةِ، وَغَالِبًا مَا يَلْجَؤُونَ إِلَى التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى لِكَثِيرٍ مِنَ السُّلُوكِيَّاتِ غَيْرِ اللَّائِقَةِ دِينِيًّا وَمُجْتَمَعِيًّا، وَيُنَمِّي أَيْضًا فِي الْأَطْفَالِ التَّهَرُّبَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَالطَّاعَاتِ نَتِيجَةَ الِانْشِغَالِ الْمُسْتَمِرِّ.
كَيْفَ تُحَافِظُ عَلَى صِحَّةِ الْأَطْفَالِ الْعَقْلِيَّةِ مِنْ إِدْمَانِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا:
أَوَّلًا: الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَطِبَّاءِ النَّفْسِيِّينَ:
إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْوَالِدَانِ السَّيْطَرَةَ عَلَى اسْتِخْدَامِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا كَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ، مَعَ ظُهُورِ عَلَامَاتٍ خَطِيرَةٍ كَتَشَتُّتِ الِانْتِبَاهِ وَصُعُوبَاتِ التَّعَلُّمِ، حِينَئِذٍ يَجِبُ الذَّهَابُ إِلَى الطَّبِيبِ النَّفْسِيِّ؛ لِإِبْدَاءِ النَّصَائِحِ، وَتَقْدِيمِ يَدِ الْمُسَاعَدَةِ، وَالْبَدْءِ فِي عِلَاجِ هَذَا الْمَرَضِ بِشَكْلٍ عَمَلِيٍّ وَعِلْمِيٍّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وَإِلَّا فَالتَّقَاعُسُ عَنْ ذَلِكَ يُوجِبُ الْإِثْمَ عَلَى الْآبَاءِ، وَيَجْنُونَ مِنْ وَرَائِهِ الْخَيْبَةَ.
ثَانِيًا: الْعِلَاجُ يَبْدَأُ مِنَ الْوَعْيِ وَالْإِدْرَاكِ بِمَخَاطِرِ إِدْمَانِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا، وَالضَّبْطِ الذَّاتِيِّ:
كُلَّمَا زَادَ وَعْيُ الْآبَاءِ، زَادَتْ قُدْرَتُهُمْ عَلَى الصُّمُودِ، وَالتَّصَدِّي لِلْمَخَاطِرِ الْفِكْرِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ؛ لِأَنَّ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا لَيْسَتْ عَدُوًّا، وَإِنَّمَا هِيَ «سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ»، يَنْبَغِي اسْتِخْدَامُهَا فِيمَا يَنْفَعُ، وَإِلَّا سَيَضِيعُ أَطْفَالُنَا فِي غَيَابَاتِ الْمَتَاهَاتِ، وَيُصْبِحُونَ عَبِيدًا لَهَا، تَتَحَكَّمُ فِيهِمْ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَحَكَّمُوا فِيهَا.
إِنَّ طَرِيقَ الْعَافِيَةِ مِنْ إِدْمَانِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا يَبْدَأُ مِنَ الْوَعْيِ، حَيْثُ يُعِيدُ لِلْإِنْسَانِ ذَاتَهُ، وَيُرَبِّي أَطْفَالَهُ عَلَى التَّوْعِيَةِ بِمَخَاطِرِ اسْتِخْدَامِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا بِشَكْلٍ مُفْرِطٍ، وَبِهَذَا نَنْتَقِلُ مِنْ مُسْتَنْقَعِ الْإِدْمَانِ إِلَى حَالَةٍ مِنَ الْهُدُوءِ وَالسَّكِينَةِ، وَنُحْكِمُ السَّيْطَرَةَ عَلَى وَسَائِلِ التِّكْنُولُوجِيَا الْحَدِيثَةِ.
ثَالِثًا: تَحْدِيدُ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِاسْتِخْدَامِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا:
وَضْعُ بَرْنَامَجٍ مُحَدَّدٍ حَوْلَ اسْتِخْدَامِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ عُمُرِ الْأَطْفَالِ وَوَعْيِهِمْ، يُسَاعِدُ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ عَلَى الْحَدِّ مِنْ إِدْمَانِ هَذِهِ التِّقْنِيَّاتِ عَلَى حَيَاتِهِمْ، وَيُسَاهِمُ فِي مَنْعِهِمْ مِنَ الِانْغِمَاسِ الْكَامِلِ فِي عَالَمِ الْإِنْتَرْنِتِ، مَعَ ضَرُورَةِ إِيقَافِ الْبَرَامِجِ الْمُزْعِجَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ رَئِيسٌ فِي إِدْمَانِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا عِنْدَ الْأَطْفَالِ، حِينَئِذٍ سَيَنْصَبُّ تَرْكِيزُهُمْ خِلَالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ عَلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ وَالصَّلَاحُ لَهُمْ.
رَابِعًا: وَضْعُ حُلُولٍ بَدِيلَةٍ، وَتَشْجِيعُ الْأَنْشِطَةِ الْمُفِيدَةِ:
يَجِبُ تَشْجِيعُ الْأَطْفَالِ عَلَى الِانْخِرَاطِ فِي الْمُسَابَقَاتِ وَالْفَعَّالِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمُمَارَسَةِ الْأَنْشِطَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ كَمُمَارَسَةِ الرِّيَاضَةِ، أَوْ تَعَلُّمِ مَهَارَاتٍ جَدِيدَةٍ، أَوْ تَخْصِيصِ وَقْتٍ لِقِرَاءَةِ الْقِصَصِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَهَذِهِ الْأَنْشِطَةُ الْبَدِيلَةُ تُسَاعِدُهُمْ فِي تَوْجِيهِ طَاقَاتِهِمْ نَحْوَ مَا يَنْفَعُهُمْ عِوَضًا عَنِ السَّاعَاتِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي يَقْضُونَهَا عَلَى السُّوشِيَالِ مِيدِيَا، كَمَا تُعَزِّزُ هَذِهِ الْأَنْشِطَةُ تَنْمِيَةَ قُدُرَاتِهِمُ الْجَسَدِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ، وَتُسَاعِدُهُمْ عَلَى الِانْدِمَاجِ مَعَ أَطْفَالٍ فِي نَفْسِ مَرْحَلَتِهِمُ الْعُمْرِيَّةِ، مِمَّا يُسَهِّلُ تَكْوِينَ صَدَاقَاتٍ مَعَهُمْ، وَبِالتَّالِي لَا يُصْبِحُونَ عُرْضَةً لِلْإِصَابَةِ بِأَمْرَاضِ التَّوَحُّدِ وَالْعُزْلَةِ.
خَامِسًا: تَوْجِيهُ اسْتِخْدَامِ السُّوشِيَالِ مِيدِيَا، وَتَفْعِيلُ الْمُرَاقَبَةِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ:
مِنْ خِلَالِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْ إِيجَابِيَّاتِهَا بِدَمْجِهَا فِي التَّعْلِيمِ، وَاسْتِغْلَالِهَا لِمَصْلَحَةِ الْأَطْفَالِ دُونَ حَظْرِهَا أَوْ مَنْعِهِمْ مِنْهَا؛ لِأَنَّ «الْمَمْنُوعَ مَرْغُوبٌ»، وَتَشْجِيعِهِمْ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ مَعْلُومَاتٍ بِعَيْنِهَا، وَالدُّخُولِ عَلَى صَفَحَاتِ الشَّخْصِيَّاتِ الْإِيجَابِيَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ، الَّتِي تَعْرِضُ مَعْلُومَاتٍ عَنْهُمْ، وَتَنْشُرُ أَعْمَالَهُمْ وَإِنْجَازَاتِهِمْ، فَهَذَا يُؤَثِّرُ مُبَاشَرَةً فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّتِهِمْ.
وَثَمَّةَ بَعْضُ الْمَوَاقِعِ تَحْتَوِي عَلَى مَوَادَّ تَثْقِيفِيَّةٍ تُنَمِّي ثَقَافَةَ الْأَطْفَالِ وَقُدُرَاتِهِمْ، مِثْلَ الْمَوْسُوعَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْجُغْرَافِيَّةِ، أَوْ تَعْلِيمِ مَهَارَاتٍ يَدَوِيَّةٍ لِلْبَنَاتِ؛ لِذَا يَجِبُ تَحْفِيزُ الْأَطْفَالِ عَلَى مُطَالَعَةِ هَذِهِ الْمَوَاقِعِ بَدَلًا مِنْ إِهْدَارِ الْوَقْتِ فِي السُّوشِيَالِ مِيدِيَا.
كَمَا أَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ الْمَوَاقِعِ وَالْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ يُؤَدِّي إِدْمَانُهَا وَالتَّفَاعُلُ مَعَهَا إِلَى مَخَاطِرَ جَسِيمَةٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُسَبِّبُ الِانْتِحَارَ أَوِ الْإِلْحَادَ أَوْ تُشَجِّعُ عَلَى الْإِبَاحِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالشُّذُوذِ الْجِنْسِيِّ؛ لِذَلِكَ يَجِبُ الْإِلْمَامُ التَّامُّ بِالْمَوَاقِعِ وَالْمَوَادِّ الَّتِي يَسْتَخْدِمُهَا الْأَطْفَالُ؛ لِحِمَايَتِهِمْ مِنْ أَضْرَارِهَا، وَتَجَنُّبِ تَصَفُّحِهَا.
سَادِسًا: تَنْوِيعُ مَا يُسْتَغَلُّ بِهِ الْوَقْتُ لَدَى الْأَطْفَالِ:
النَّفْسُ تَسْأَمُ وَتَمَلُّ بِسُرْعَةٍ؛ لِذَا يَنْبَغِي تَقْسِيمُ الْوَقْتِ بَيْنَ الْجِدِّ وَالْعَمَلِ، وَالتَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ؛ كَيْ يَدْفَعَ الْأَطْفَالَ لِمَزِيدٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الْعَمَلِ، وَفَضْلَ الْقَبُولِ، إِنَّهُ أَكْرَمُ مَسْؤُولٍ، وَأَعْظَمُ مَأْمُولٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَلَدَنَا مِصْرَ سَخَاءً رَخَاءً، أَمْنًا أَمَانًا، سِلْمًا سَلَامًا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْعَالَمِينَ، وَيُوَفِّقَ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ نَفْعُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
كتبه: الفقير إلى عفو ربه الحنان المنان د / محروس رمضان حفظي عبد العال



