خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة : ” حق الطريق ” 3 صفر 1448هـ 17 يوليو 2026م. للدكتور خالد بدير 

أولًا: أهمية الطريق في حياة الإنسان.

ثانيًا: حق الطريق.. صوره ومجالاته.

ثالثًا: اغتنام الأجازة الصيفية (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 17 يوليو 2026م ، للدكتور خالد بدير : حق الطريق: كما يلي:

حق الطريق

بتاريخ 3 صفر 1448هـ ، الموافق 17 يوليو 2026م

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:

أولًا: أهمية الطريق في حياة الإنسان.

لقد دلَّ القرآن الكريم على أهمية الطرق واعتبارها من نعم الله تعالى على عباده، فقال تعالى: {وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطࣰا ۝١٩ لِّتَسۡلُكُوا۟ مِنۡهَا سُبُلࣰا فِجَاجࣰا}. (نوح: ١٩-٢٠)، قال الطبري: «لتَسْلُكوا منها طرقًا شِعابًا متفرقةً. والفِجاجُ جمعُ فجٍّ، وهو الطريقُ». (جامع البيان). وقال تعالى: {ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا}. (طه: ٥٣)، قال ابن كثير: « { وَسَلَكَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا}. أي: جعل لكم طرقا تمشون في مناكبها». (تفسير القرآن العظيم).

إن الطريق له أهمية ومكانة كبيرة، حيث إن شعائر الإسلام مرتبطة بالطريق، فنخرج إلى الصلاة عبر الطرق الممهدة لأداء شعيرة الصلاة، وكل الخطوات على الطريق ترفع الدرجات وتحط الخطايا. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» .(مسلم).

بل إن آثار هذه الأقدام التي تمشي إلى المساجد عبر هذه الطرق، تسجل وتكتب وتشهد للعبد يوم القيامة. ولذلكَ لمَّا أرادَ بنو سلمةَ أنْ ينتقلُوا قربَ المسجدِ نظرًا لبعدِ المسافةِ بينهُم وبينَهُ، أمرَهُم الرسولُ ﷺ بلزومِ ديارِهِم حتى تشهدَ لهم الأرضُ بالأثر الطيب وكثرةِ الخُطَى إلى المساجدِ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ»، قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: «يَا بَنِي سَلمَةَ: دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».(مسلم). أي: الزمُوا ديارَكُم فإنَّكُم إذَا لزمتمُوهَا كُتبتْ آثارَ خطاكُم الكثيرةِ إلى المسجدِ، قالَ تعالَى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}.(يــس: 12). يقولُ ابنُ كثيرٍ:” نَكْتُبُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي بَاشَرُوهَا بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فيجزيهم عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ”. أ.ه

كما عد الفقهاء أمن الطريق شرطًا من شروط الحج على العبد، يجب الحج بوجوده ، ويسقط الحج بعدمه.

وكذلك يعد الطريق وسيلة لصلة الأرحام وبر الأهل والأصدقاء، وقضاء مصالح العباد وكسبهم ومعايشهم وتجاراتهم.

لهذه الأهمية وعد الله الجنة والمغفرة لكل من حافظ على الطريق. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: “لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ“. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» . (أخرجهما البخاري ومسلم). وفي المقابل تلحق اللعنة  – وهي الطرد من رحمة الله ومغفرته – لكل من آذى الناس في طرقهم. فعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ» قَالُوا: وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» (مسلم).

وهكذا ظهر لنا بجلاء ووضوح أهمية الطريق في أمور الدين والدنيا معًا، وإعطاء الطريق حقه كما في عنصرنا التالي:

ثانيًا: حق الطريق.. صوره ومجالاته.

إنّ واجبَنَا نحو الطرق والمرافقِ العامةِ أنْ نحافظَ عليها، وأنْ نقومَ بحقوقِهَا، وقد جمع النبيُّ ﷺ آدابَ الطريقِ وحقوقَه في حديثٍ جامعٍ شاملٍ مانعٍ، فعن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: « إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ». (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

فمن خلال هذا الحديث النبوي الشريف والواقع المعاصر، نرى أن حقوق الطريق كثيرة وعديدة:

منها: غض البصر: والأمر بغض البصر يشترك فيه الرجال والنساء على حد سواء، قال تعالى: {قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ}. (النور: ٣٠)، وقال سبحانه: {وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ یَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ}.(النور: ٣١). فعلى الإنسان إذا جلس في قارعة الطريق أن يغض بصره ويحفظه، ولا يتتبع الناس في غدوهم ورواحهم، لأن تتبع عورات الآخرين محرم إلا نظر الفجأة. فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» ومعنى نظر الفجأة: أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صرف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم .

ومنها: كف الأذى : بأيِّ نوعٍ من أنواعِ الأذى. فقد أخرجَ الطبرانيُّ، أنّ النبيَّ ﷺ قال: « مَنْ آذَى المُسْلِمِينَ في طُرقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ ». ويدخلُ في الأذى من يؤذي المارةَ بدخانِ سيجارتِه، وقد ورد نهيٌ صريحٌ – أيضًا – عن النوم في الطريق؛ لأن الطريقَ للمرور وليس محلًا للنومِ. بل ينبغي على المسلمِ أنْ يرفعَ عن الطريق ما يُؤذي المارةَ من حجرٍ أو شوكٍ أو كلِّ ما يسببُ ضررًا بالآخرين، وهذا من كمالِ الإيمانِ وإحدى شُعبهِ؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ : ” الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً , فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ , وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ”. (متفقٌ عليه) . وفي الحديث: “ وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ”(مسلم).

وهناك صور كثيرة معاصرة ومستحدثة لإيذاء الناس في طرقهم. ومن ذلك: التسابق بالسيارات أو الدراجات في الطرق العامة؛ لما يترتب عليه من تهور، وإزهاق للأرواح، وإتلاف للممتلكات، وإلقاء علب المشروبات والنفايات وأكياس القمامة ومخلفات البناء في الطرق، و تعمد استعمال آلات التنبيه أو مكبرات الصوت بغير حاجة، والوقوف بالمركبات في الأماكن الممنوعة وممرات المشاة، واتخاذ الطرق والساحات العامة ملاعب للشباب في غير الأماكن المخصصة لذلك، أو الوقوف في وسط الطرقات للتجمع والحديث من غير حاجة، فيترتب على ذلك تضييق الطريق وإعاقة حركة المارة.

ومنها: رد السلام: وهو من واجب المسلم تجاه أخيه المسلم. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ”.(متفق عليه).

فرد السلام يعمل على نشر المودَّة والمحبَّة بين المسلمين. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ؛ وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ؛ أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ “.(مسلم). قال النووي: ” فيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف، والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفى إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين”. (شرح النووي).

إن إفشاء السلام فضيلة جليلة، وفرصة عظيمة لتكثير الحسنات لا يَعرفها الكثيرون. لذلك ” قال ابن عمر: إني كنت لأخرج إلى السوق وما لي حاجة إلا أن أسلم ويسلم عليَّ “. (عون المعبود).

ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذه الصفة هي التي جعلت هذه الأمة أفضل الأمم وأخيرها.

قال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }. (آل عمران: 110). جاء في تفسير القرطبي ما نصه: ” إنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمّةٍ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفْشَى ؛ وفي هذه الآية مدح هذه الأمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به؛ فإذا تركوا التغيير وتَواطَؤوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذّمّ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم “. (تفسير القرطبي). وهذا ما أشار إليه الرسول ﷺ، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ». (أحمد والترمذي وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ).

فمن شأن من جلس في الطرقات ورأى بعض المنكرات، أن ينهى أصحابها عنها وإلا لم يك مؤديًا لحق الطريق. فإذا أذَّن المؤذن أمر بالمعروف ودعا من معه ومن يراهم إلى الصلاة في المسجد؛ فذلك من الأمر بالمعروف، ومن عجز عن أداء هذا الحق فلا يجلس في الطريق؛ لئلا يأثم.

ومنها: عدم التعدي على الطريق: وذلك بالبناء على جزء من الطريق العام، لذلك كان السلف حريصين كل الحرص على حق الطريق. فروي ” عن أبي بكر المروزي أن شيخاً كان يجالس الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ذا هيبة، فكان أحمد يُقبل عليه ويكرمه، فبلغه عنه أنه طيَّن حائط داره من خارج قال: فأعرض عنه في المجلس، فاستنكر الشيخ ذلك، فقال: يا أبا عبد الله، هل بلغك عني حدث أحدثته؟ قال: نعم، طيّنت حائطك من خارج، قال: ولا يجوز؟ قال: لا؛ لأنك قد أخذت من طريق المسلمين أنملة، قال: فكيف أصنع؟ قال: إما أن تكشط ما طينته، وإما أن تهدم الحائط وتؤخره إلى وراء مقدار أصبع ثم تطينه من خارج، قال: فهدم الرجل الحائط وأخّره أصبعاً ثم طينه من خارج، قال: فأقبل عليه أبو عبد الله كما كان”. (قوت القلوب- أبو طالب المكي).

وهناك آداب وحقوق أخرى كثيرة للطريق، لا يتسع المقام لذكرها. وقد تتبع شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني رحمه الله هذه الآداب في السنة النبوية، فانتهى إلى أنها أربعة عشر أدبًا، وَقَدْ نَظَّمَهَا فِي هذه الأبيات، فقال رحمه الله تعالى:

جَمَعْتُ آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ عَلَى الطَّـ … ـرِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانَا

أفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَلَامِ وَشَمِّـ … ـتْ عَاطِسًا وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَانَا

فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِنْ وَأَغِثْ … لَهْفَانَ اهْدِ سَبِيلًا واهْدِ حَيْرَانَا

                بِالْعُرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى … وَغُضَّ طَرْفًا وَأَكْثِرْ ذِكْرَ مَوْلَانَا . (فتح الباري).

هذه هي حقوق الطريق في الإسلام، فالزمها لتكون من الممتثلين لأوامر الله ورسوله في الدنيا، الفائزين في الآخرة.

ثالثًا: اغتنام الأجازة الصيفية (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).

كثير من الشباب والفتيات من الطلاب والطالبات يعتقدون أن الأجازة الصيفية فرصة للترويح عن النفس من عنت المذاكرة والدراسة، ويفتحون الباب على مصراعيه في الترفيه واللهو واللعب وضياع الأوقات، وهذا فهم مغلوط، لأن الإنسان موقوف ومسئول عن هذا الوقت. فعن معاذِ بنِ جبلٍ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ” لنْ تَزُولَ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسْأَلَ عن أَرْبَعِ خِصالٍ عن عُمُرِهِ فيمَ أَفْناهُ ؟ وعَنْ شَبابِهِ فيمَ أَبْلاهُ ؟ وعَن مالِهِ مِن أينَ اكْتَسَبَهُ وفيمَ أنْفَقَهُ ؟ وعَنْ علمِهِ ماذَا عمِلَ فيهِ .” [البيهقيُّ والترمذيُّ بسندٍ حسنٍ]. وأخبرَ النبيُّ ﷺ أنّ الوقتَ نعمةٌ مِن نعمِ اللهِ على خلقِهِ، ولابدَّ للعبدِ مِن شكرِ النعمةِ وإِلّا سُلبتْ وذهبتْ. وشكرُهَا يكونُ باستعمالِهَا في الطاعاتِ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنه: “نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ” [البخاري ].

إنّ الإنسانَ إذَا عَرفَ قيمةَ شيءٍ مَا وأهميتَهُ حرصَ عليهِ وعزَّ عليهِ ضياعُهُ وفواتُهُ، وهذا شيءٌ بديهيٌّ، فالمسلمُ إذَا أدركَ قيمةَ وقتِهِ وأهميتَهُ، كان أكثرَ حرصًا على حفظِهِ واغتنامِهِ فيمَا يقربُهُ مِن ربِّهِ. يقولُ ابنُ الجوزيِّ رحمَهُ اللهُ تعالى: “ينبغِي للإنسانِ أنْ يعرفَ شرفَ زمانِهِ وقدرَ وقتِهِ، فلا يضيعُ منهُ لحظةً في غيرِ قربةٍ، ويقدمُ فيهِ الأفضلَ فالأفضلَ مِن القولِ والعملِ، ولتكنْ نيتُهُ في الخيرِ قائمةً مِن غيرِ فتورٍ بمَا لا يعجزُ عنهُ البدنُ مِن العملِ “. لذلكَ كانُوا لا يندمُونَ إلَّا على فواتِ الوقتِ الذي لم يرفعْهُم درجةً، قال ابنُ مسعودٍ: “ما نَدمتُ على شيءٍ نَدمِي على يومٍ غَربتْ شمسُهُ، نقصَ فيهِ أجلِي، ولم يزددْ فيهِ عملِي”. ويقولُ علىٌّ بنُ أبي طالبٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ:” مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ، أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ، أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ”.

فكمْ نضيعُ مِن أوقاتِنَا بلَا فائدةٍ في دينِنَا أو دُنيانَا، ومِن أقوالِ الفاروقِ رضيَ اللهُ عنهُ: إنّي لأكرَهُ أنْ أرَى أحدَكُم سبهلَلًا لا في عملِ دنيَا ولا في عملِ آخرةٍ. وقال الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ:” صحبتُ الصوفيةَ فانتفعتُ منهُم بقولهم: الوقتُ سيفٌ، فإنْ قطعتَهُ وإلّا قطعَكَ، ونفسُكَ إنْ لم تشغلْهَا بالحقِّ شغلتْكَ بالباطلِ”.، لذلكَ قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي اللهُ عنه: إنّي لأمقتُ الرجلَ أنْ أراهُ فارغًا ليسَ في شيءٍ مِن عملِ الدنيا ولا عملِ الآخرةِ”.

فعلينَا أنْ نغتنمَ أوقاتِنَا قبلَ فواتِ الأوانِ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: ” اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ”. «الحاكم وصححه»، وسُئِلَ الرسولُ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ».( الترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ ).

فانظرْ كم تضيعُ مِن أوقاتِكَ في مواقعِ التواصلِ الاجتماعِي بلا فائدةٍ!! بل قد تضرُّ الآخرينَ بمنشوراتِكَ وكتاباتِكَ، فاحرصْ على أنْ تكونَ عضوًا نافعًا في كلِّ ما تكتبُ وتسطرُ؛ ليكونَ شاهدًا لكَ لا عليكَ يومَ القيامةِ.

نسألُ اللهَ أنْ يباركَ في أعمارِنَا وأوقاتِنَا، وأنْ يحفظَ مصرَنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ،،،،

    الدعاء،،،،،،،                                        وأقم الصلاة،،،،،                    كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى