خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة : “حقُّ الطريق” 3 صفر 1448هـ،17 يوليو 2026م للدكتور أحمد رمضان

عناصر خطبة الجمعة القادمة 17 يوليو 2026م بعنوان : حقُّ الطريق ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان.

العنصرُ الأول: الطريقُ في الإسلامِ ليس ممرًّا، بل ميدانٌ للعبادةِ والأخلاقِ.

العنصرُ الثاني: حقوقُ الطريقِ التي أمرَ بها الإسلامُ.

العنصرُ الثالث: احترامُ حقِّ الطريقِ دليلُ رقيِّ الإنسانِ وسببٌ لعمارةِ الأوطانِ.

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 17 يوليو 2026م : حقُّ الطريق ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:

 

حقُّ الطريق

بتاريخ 3 صفر 1448هـ ، الموافق 17 يوليو 2026م

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الحمدُ للهِ الذي أكملَ لنا الدينَ، وأتمَّ علينا النعمةَ، وجعلَ شريعتَهُ رحمةً للعالمينَ، فنظَّمتْ علاقةَ الإنسانِ بربِّهِ، وبنفسِهِ، وبأهلِهِ، وبمجتمعِهِ، حتى آدابَ الطريقِ لم تتركْها هملاً، أحمدُه سبحانه وأشكرُه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرَ بالإحسانِ في كلِّ شيءٍ، وأشهدُ أن سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ، ومعلِّمًا لمكارمِ الأخلاقِ، صلى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أما بعد؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التقوى، واعلموا أنَّ الإسلامَ دينُ عبادةٍ وأخلاقٍ، ودينُ عقيدةٍ وسلوكٍ، فما تركَ شأنًا مِن شئونِ الحياةِ إلا بيَّنَهُ، ولا جانبًا مِن جوانبِ التعاملِ إلا هذَّبَهُ، حتى الطريقُ الذي يمرُّ فيه الناسُ جعلَ له حقوقًا وآدابًا؛ لأنَّ صلاحَ الطريقِ مِن صلاحِ المجتمعِ، وإذا فسدتْ أخلاقُ الناسِ في طرقاتِهم ظهرتْ آثارُ ذلكَ في سائرِ حياتِهم.

وحديثُنا اليومَ عن حقِّ الطريقِ، وذلك من خلال ثلاثةِ عناصر:

أولُها: الطريقُ في الإسلامِ ليس ممرًّا، بل ميدانٌ للعبادةِ والأخلاقِ.

وثانيها: حقوقُ الطريقِ التي أمرَ بها الإسلامُ.

وثالثُها: احترامُ حقِّ الطريقِ دليلُ رقيِّ الإنسانِ وسببٌ لعمارةِ الأوطانِ.

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الطَّرِيقُ فِي الإِسْلَامِ لَيْسَ مَمَرًّا، بَلْ مَيْدَانٌ لِلْعِبَادَةِ وَالأَخْلَاقِ

عبادَ اللهِ، قد يظنُّ بعضُ الناسِ أنَّ الطريقَ مجردُ مكانٍ يعبرُه الإنسانُ إلى مقصده، وأنَّ آدابَهُ مِن بابِ الذوقِ أو العاداتِ، لكنَّ الإسلامَ جعلَ الطريقَ ميدانًا تظهرُ فيه حقيقةُ الإيمانِ، وميزانًا تُعرفُ به أخلاقُ الرجالِ، ولذلكَ لم يتركْهُ بلا توجيهٍ ولا ضابطٍ، بل جعلَ له حقوقًا، ورتَّبَ على رعايتِها الأجرَ العظيمَ، وعلى إهمالِها الإثمَ والعقوبةَ.

ولهذا بدأَ النبيُّ ﷺ بالنهيِ عن الجلوسِ في الطرقاتِ؛ لما قد يترتبُ عليه مِن إيذاءِ الناسِ أو انتهاكِ حقوقِهم، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا. فَقَالَ ﷺ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ». [البخاري ح 2465، مسلم ح 2121].

يَقُولُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: “هَذَا الْحَدِيثُ كَثِيرُ الفوائد وهو من الْأَحَادِيثِ الْجَامِعَةِ وَأَحْكَامُهُ ظَاهِرَةٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ الْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ لِهَذَا الْحَدِيثِ – إلا بحقه – وَيَدْخُلُ فِي كَفِّ الْأَذَى اجْتِنَابُ الْغِيبَةِ وَظَنِّ السُّوءِ وَإِحْقَارِ بَعْضِ الْمَارِّينَ وَتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ وَكَذَا إِذَا كَانَ الْقَاعِدُونَ مِمَّنْ يَهَابُهُمُ الْمَارُّونَ أَوْ يَخَافُونَ مِنْهُمْ وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ الْمُرُورِ فِي أَشْغَالِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ لكونهم لا يجدون طريقا إلا ذلك الْمَوْضِعِ”. [شرح النووي على صحيح مسلم: ج14/ ص102].

فَانْظُرُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – كَيْفَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الطَّرِيقَ مَجَالًا لِعِبَادَةِ اللهِ وَخِدْمَةِ النَّاسِ، وَلَيْسَ مَجَالًا لِلْفَوْضَى وَالْأَذَى.

فتأملوا ـ عبادَ اللهِ ـ كيفَ سمَّى النبيُّ ﷺ هذه الآدابَ حقوقًا، ولم يسمِّها فضائلَ أو مستحباتٍ؛ لأنَّ الطريقَ ليس ملكًا لفردٍ دونَ آخرَ، وإنما هو حقٌّ مشتركٌ بين الناسِ جميعًا، ولكلِّ مَن يسلكُه أنْ يأمنَ على نفسِهِ، وعرضِهِ، ومالِهِ، وكرامتِهِ.

ولذلكَ لم يجعلِ الإسلامُ العبادةَ محصورةً في المسجدِ أو بينَ جدرانِ البيتِ، بل جعلَها تمتدُّ إلى الطريقِ أيضًا، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [مسلم ح 35].

فأيُّ تشريفٍ أعظمُ مِن أنْ يجعلَ النبيُّ ﷺ إزالةَ حجرٍ، أو شوكةٍ، أو زجاجةٍ، أو كلَّ ما يؤذي المارةَ شعبةً مِن شعبِ الإيمانِ؟! لأنَّ المؤمنَ لا يعيشُ لنفسِهِ وحدَها، وإنما يعيشُ نافعًا لعبادِ اللهِ، حريصًا على راحتِهم، دافعًا للأذى عنهم.

ولهذا كانتِ الطرقاتُ في الإسلامِ ميدانًا تُقاسُ فيه أخلاقُ الناسِ؛ فقد يراك الناسُ في المسجدِ ساعةً، ولكنهم يرونَ أخلاقَكَ في الطريقِ كلَّ يومٍ؛ يرونَ احترامَكَ لحقوقِهم، ورحمةَ ضعيفِهم، وعونَ محتاجِهم، وكفَّ أذاكَ عنهم، ولذلكَ كانَ حسنُ التعاملِ في الطريقِ صورةً صادقةً لحسنِ الإسلامِ.

وإذا كانَ النبيُّ ﷺ قد بيَّن أنَّ للطريقِ حقوقًا لا يجوزُ التفريطُ فيها، فإنَّ السؤالَ الذي يفرضُ نفسَهُ هو: ما هذه الحقوقُ؟ وكيفَ يطبقُها المسلمُ في حياتِهِ اليوميةِ؟ ذلكَ ما نتحدثُ عنهُ في العنصرِ الثاني، إن شاءَ اللهُ تعالى.

العُنْصُرُ الثَّانِي: حُقُوقُ الطَّرِيقِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الإِسْلَامُ

عبادَ اللهِ، إذا كانَ النبيُّ ﷺ قد قال: «فأعطوا الطريقَ حقَّه»، فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ للطريقِ حقوقًا ثابتةً، لا يجوزُ للمسلمِ أنْ يتهاونَ فيها، وهي ليستْ خاصةً بمن يجلسُ في الطريقِ، بل تشملُ كلَّ مَن يسلكُهُ راجلًا كان أو راكبًا، صغيرًا أو كبيرًا؛ لأنَّ المقصودَ حفظُ مصالحِ الناسِ، وصيانةُ المجتمعِ مِن أسبابِ الأذى والفسادِ.

فأولُ هذهِ الحقوقِ: غضُّ البصرِ.

فكمْ مِن نظرةٍ محرمةٍ جرَّتْ فتنةً، وأورثتْ قلبًا مريضًا، وأفسدتْ بيتًا، وكمْ حفظَ اللهُ أبصارًا غضَّها أصحابُها ابتغاءَ مرضاتِهِ، ولذلكَ بدأَ النبيُّ ﷺ بغضِّ البصرِ قبلَ غيرِهِ؛ لأنَّ أكثرَ ما يقعُ في الطريقِ إنما يبدأُ بالنظرِ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: 30].

قال الشيخ الشعراوي رحمهُ اللهُ: “الشَّارِعُ الحَكِيمُ جَعَلَ المَناعَةَ اللَّازِمَةَ في طَرَفَيِ الرُّؤْيَةِ: في العَيْنِ الباصِرَةِ، وفي الشَّيءِ المُبْصَرِ، فأَمَرَ المؤمنينَ بغضِّ أَبْصارِهِمْ، وأَمَرَ المؤمناتِ بعدمِ إبداءِ الزِّينَةِ، وهكذا جَعَلَ المَناعَةَ في كِلَا الطَّرَفَيْنِ.” (تفسير الشعراوي ج16، ص10248، 10249).

وثانيها: كفُّ الأذى.

وهو حقٌّ عظيمٌ يشملُ كلَّ صورِ الإيذاءِ؛ فلا يؤذي الناسَ بلسانِهِ، ولا بيدِهِ، ولا بسيارتِهِ، ولا بإلقاءِ القاذوراتِ، ولا بإشغالِ الطريقِ، ولا بإزعاجِ المارةِ، ولا بإتلافِ الممتلكاتِ العامةِ، فإنَّ المسلمَ مَن سلمَ الناسُ مِن أذاهُ، وقد جعلَ النبيُّ ﷺ إزالةَ الأذى عن الطريقِ مِن شعبِ الإيمانِ، كما جعلَ إلقاء الأذى فيه سببًا للإثمِ والعدوانِ.

قال تعالي: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

قال محمد سيد طنطاوي رحمه الله: “فَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَحْذِيرٌ صَرِيحٌ مِنْ إِيذَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَيِّ مَظْهَرٍ، وَمِنْ ذَلِكَ إِيذَاؤُهُمْ فِي طُرُقِهِمْ وَمَمَرَّاتِهِمْ… أَيْ: وَالَّذِينَ يَرْتَكِبُونَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مَا يُؤْذِيهِمْ فِي أَعْرَاضِهِمْ، أَوْ فِي أَنْفُسِهِمْ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ – ويشمل ايذائهم في الطرقات- مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، دُونَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ أَوِ الْمُؤْمِنَاتُ قَدْ فَعَلُوا مَا يُوجِبُ أَذَاهُمْ.. فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، أَيْ: فَقَدِ ارْتَكَبُوا إِثْمًا شَنِيعًا، وَفِعْلًا قَبِيحًا، وَذَنْبًا ظَاهِرًا بَيِّنًا، بِسَبَبِ إِيذَائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ”. التَّفْسِيرُ الْوَسِيطُ لِطَنْطَاوِي (11/244).

ومن صورِ الأذى في زمانِنا: الوقوفُ الخاطئُ الذي يعطِّلُ مصالحَ الناسِ، وإلقاءُ المخلفاتِ في الطرقاتِ، وإزعاجُ المارةِ بالأصواتِ المرتفعةِ، والتعدي على الأرصفةِ والمرافقِ العامةِ، وكلُّ ذلكَ داخلٌ في قولِ النبيِّ ﷺ: «وكفُّ الأذى”.

وثالثُها: ردُّ السلامِ وإفشاءُ روحِ الألفةِ بينَ الناسِ.

فالسلامُ ليسَ كلمةً تقالُ باللسانِ فحسبُ، بل هو إعلانٌ بالأمنِ، وإشاعةٌ للمودةِ، وربطٌ لقلوبِ المسلمينَ بعضِها ببعضٍ، ولذلكَ قالَ ﷺ«لا تدخلوا الجنةِ حتى تؤمِنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدلُّكم على ما تحابُّون به؟ قالوا: بلى، يا رسولَ اللهِ، قال: أَفشوا السلامَ بينَكم» (مسلم 54، والبخاري في الأدب المفرد 980)؛ لأنَّ المجتمعاتِ لا تبنى بالمباني وحدَها، وإنما تبنى بالمحبةِ، وحسنِ اللقاءِ، وطلاقةِ الوجهِ.

ورابعُها: الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ بالحكمةِ والرفقِ.

قال تعالي: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ”. [النحل: 125].

فالطريقُ قد يشهدُ معروفًا يحتاجُ إلى تشجيعٍ، أو منكرًا يحتاجُ إلى إنكارٍ، ولكنْ وفقَ هديِ النبيِّ ﷺ، بالحكمةِ، واللينِ، والكلمةِ الطيبةِ، بعيدًا عن التشهيرِ، أو الإهانةِ، أو إثارةِ الفتنِ؛ فإنَّ المقصودَ إصلاحُ الناسِ لا فضيحتُهم، وهدايتُهم لا تنفيرُهم.

وخامسُها: قضاءُ حوائجِ الناسِ وإعانتُهم.

قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. [المائدة: 2]. هذه الآية تأمرنا بوضوح بمساعدة بعضنا البعض في كل عمل خير. وقال النبي ﷺ: {وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ}. (مسلم 2699).

فمن حقِّ الطريقِ أنْ تُعينَ كبيرًا على عبورِه، وترشدَ ضالًّا إلى وجهتِهِ، وتُغيثَ ملهوفًا، وتُعينَ محتاجًا، وتفسحَ الطريقَ لغيرِكَ، وتحملَ عن عاجزٍ متاعَهُ، فهذهِ الأعمالُ اليسيرةُ قد تكونُ سببًا لمحبةِ اللهِ تعالى ورضوانِهِ.

وسادسُها: المحافظةُ على نظافةِ الطريقِ والمرافقِ العامةِ.

فالطرقاتُ، والحدائقُ، ووسائلُ المواصلاتِ، والممتلكاتُ العامةُ ليستْ ملكًا لأحدٍ بعينِهِ، وإنما هي حقٌّ للمجتمعِ كلِّهِ، والاعتداءُ عليها اعتداءٌ على حقوقِ الناسِ جميعًا، والإحسانُ إليها مِن شكرِ نعمِ اللهِ تعالى.

أيُّها المؤمنونَ، هذهِ الحقوقُ ليستْ آدابًا شكليةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ متكاملةٌ، إذا التزمَ بها الناسُ أصبحَ الطريقُ آمنًا، وسادَ الاحترامُ، وانتشرتِ الطمأنينةُ، وشعرَ كلُّ إنسانٍ أنَّ كرامتَهُ وحقَّهُ مصونان.

ومن أروع التطبيقات العملية لهذه المعاني ما قصَّه الله علينا في شأن موسى عليه السلام، قال تعالي: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. [القصص: 23].

تظهرُ الآياتُ منظومةً أخلاقيةً متكاملةً لآدابِ الطريقِ والأماكنِ العامةِ، ويتجلَّى ذلك في الآتي:

شهامةُ موسى عليه السلام وكفُّ الأذى: عندما وجدَ موسى عليه السلام امرأتينِ تذودانِ غنمَهما، وتنتظرانِ حتى ينصرفَ الرعاءُ، تحرَّكَ بدافعِ المروءةِ والنجدةِ، فسقى لهما دونَ تردُّدٍ. وفي ذلك دعوةٌ إلى المبادرةِ في قضاءِ حوائجِ المحتاجينَ، وإزالةِ ما يعترضُ الناسَ من مشقةٍ، والمحافظةِ على حسنِ الانتفاعِ بالمرافقِ العامةِ دونَ ظلمٍ أو مزاحمةٍ.

غضُّ البصرِ، وصيانةُ العفافِ: سقى موسى عليه السلام للمرأتينِ، ثم انصرفَ دونَ أن يتطلعَ إليهما أو يطيلَ الحديثَ معهما، فكانَ مثالًا في العفةِ وغضِّ البصرِ، وهو تطبيقٌ عمليٌّ لما أمرَ اللهُ به من حفظِ الأبصارِ وصيانةِ الأعراضِ، وإبعادِ الطريقِ والأماكنِ العامةِ عن كلِّ ما يُخلُّ بالحياءِ والوقارِ.

كفُّ الأذى الماديِّ والمعنويِّ: كانَ اضطرارُ المرأتينِ إلى الانتظارِ حتى يفرغَ الرعاءُ سببًا في وقوعِ المشقةِ عليهما، فجاءَ موسى عليه السلام فرفعَ عنهما هذا الحرجَ، وأعانهما على قضاءِ حاجتِهما، وفي ذلك ترسيخٌ لمبدأِ إزالةِ الأذى، وإقامةِ العدلِ في الانتفاعِ بالمرافقِ العامةِ، ومراعاةِ الضعفاءِ وأصحابِ الأعذارِ.

وإذا كانَ احترامُ حقِّ الطريقِ يحفظُ الفردَ والمجتمعَ، فإنَّ آثارَهُ لا تقفُ عندَ هذا الحدِّ، بل تمتدُّ إلى بناءِ الحضارةِ ورقيِّ الأممِ، وذلكَ ما نتحدثُ عنهُ في الخطبةِ الثانيةِ والعنصرِ الثالثِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، الحمدُ للهِ الذي هدانا لأحسنِ الأخلاقِ، وما يهدي لأحسنِها إلا هو، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرَ بالإحسانِ والعدلِ، ونهى عن الفسادِ والعدوانِ، وأشهدُ أن سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، الذي ما تركَ خيرًا إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أما بعد؛ فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، واعلموا أنَّ مِن كمالِ الإيمانِ أنْ يحترمَ المسلمُ حقوقَ الناسِ حيثما كانوا، وأنْ يجعلَ أخلاقَ الإسلامِ حاضرةً في كلِّ تصرفاتِهِ؛ فإنَّ صلاحَ المجتمعاتِ لا يقومُ على القوانينِ وحدَها، وإنما يقومُ قبلَ ذلكَ على الضمائرِ الحيةِ، والأخلاقِ الكريمةِ، فما أكثرَ ما تُبنى الحضاراتُ بالأخلاقِ قبلَ أنْ تُبنى بالحجارةِ، وما أكثرَ ما تهدمُها الفوضى وسوءُ السلوكِ وإنْ كثرتْ المباني واتسعتِ الطرقاتُ.

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: احْتِرَامُ حَقِّ الطَّرِيقِ دَلِيلُ رُقِيِّ الْإِنْسَانِ وَسَبَبٌ لِعِمَارَةِ الأَوْطَانِ

عبادَ اللهِ، إنَّ المتأملَ في شريعةِ الإسلامِ يجدُ أنَّها لم تجعلْ حقَّ الطريقِ مجردَ آدابٍ فرديةٍ، وإنما جعلتْه أساسًا لبناءِ مجتمعٍ متراحمٍ، ووطنٍ آمنٍ، وحضارةٍ راقيةٍ؛ فالطريقُ مرآةُ المجتمعِ، وصورةُ أخلاقِهِ، فما رآه الناسُ في طرقاتِ أمةٍ مِن نظامٍ، ونظافةٍ، واحترامٍ للحقوقِ، علموا مبلغَ رقيِّها، وما رأوهُ مِن فوضى، وإيذاءٍ، واستهانةٍ بحقوقِ الآخرينَ، علموا ما أصابَ أخلاقَها مِن خللٍ.

ولهذا لم يكنْ احترامُ الطريقِ قضيةً مروريةً فحسبُ، بل هو عبادةٌ يتقربُ بها المؤمنُ إلى ربِّهِ، وأمانةٌ يُسألُ عنها بينَ يدي اللهِ تعالى؛ لأنَّ المسلمَ مأمورٌ أنْ يكونَ مصدرَ أمنٍ وطمأنينةٍ لكلِّ مَن حولَهُ، لا مصدرَ أذًى وإزعاجٍ.

عبادَ اللهِ، إنَّ المحافظةَ على نظافةِ الطريقِ، واحترامَ النظامِ، وعدمَ إتلافِ الممتلكاتِ العامةِ، والمحافظةَ على الأشجارِ، والمرافقِ، والحدائقِ، ووسائلِ المواصلاتِ، كلُّ ذلكَ داخلٌ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56].

ولذلك قَالَ ابْنُ حَزْمٍ رحمه الله: «وَمِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُمْنَعَ مَنْ يُؤْذِي فِي طَرِيقِ النَّاسِ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ لِلْجَمِيعِ» [المحلّى، ج8، ص342].

فالإفسادُ لا يكونُ بالحروبِ وحدَها، بل يكونُ أيضًا بكلِّ ما يضرُّ الناسَ في معاشِهم، أو يُفسدُ مرافقَهم، أو يعتدي على حقوقِهم.

وقد فهم العلماء أن الاعتداء على الطريق من صور الإفساد، ولذلك قال الإمام القرطبي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 86].

قَالَ الإِمَامُ القرطبيُّ: “قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: كَانُوا يَقْعُدُونَ عَلَى الطُّرُقَاتِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى شُعَيْبٍ، فَيُوَعِّدُونَ مَنْ أَرَادَ الْمَجِيءَ إِلَيْهِ، وَيَصُدُّونَهُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ كَذَّابٌ فَلَا تَذْهَبْ إِلَيْهِ؛ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ… وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا نَهْيٌ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ،… وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي خَشَبَةً عَلَى الطَّرِيقِ، لَا يَمُرُّ بِهَا ثَوْبٌ إِلَّا شَقَّتْهُ، وَلَا شَيْءٌ إِلَّا خَرَقَتْهُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ لِقَوْمٍ مِنْ أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ»، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: 86]. القرطبي ج 7، ص 249 باختصار، وراجع الطبري ج 10، ص312- 314.

وقد كان سلفُ هذه الأمةِ أحرصَ الناسِ على صيانةِ حقوقِ المسلمين؛ لأنَّ حقَّ الطريقِ عندهم أمانةٌ لا يجوزُ التعدي عليها، ولو بمقدارٍ يسيرٍ، فكيفَ بمن يغلقُ الطرقَ، أو يتعدى على الأرصفةِ، أو يُتلفُ المرافقَ العامةَ، أو يجعلُ الطريقَ سببًا في أذيةِ الناسِ وتعطيلِ مصالحِهم؟

أيُّها المسلمونَ، لقد رغَّبَ النبيُّ ﷺ في كلِّ عملٍ ينفعُ الناسَ في الطريقِ، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال كما في الصحيحين: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي طَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» [البخاري ح 2472، مسلم ح 1914]. ولم يقف الأمر عند هذا، بل أوصى النبي ﷺ أبا برزة فقال: «اعْزِلِ الأذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» [مسلم ح 2618].

قال ابن بطّال: «إماطة الأذى عن الطريق كأنها صدقة على كل من سلم منه» [شرح البخاري، ج6، ص592]. فانظروا كيف جُعل عمل صغير سببًا للمغفرة ودخول الجنة!

وهكذا فهمَ سلفُ الأمةِ هذه المعانيَ عمليًّا، فقد ذُكرَ عن عليِّ بنِ الحسينِ زينِ العابدينِ رحمه الله أنه كان يخرج ليلاً يحمل الطعام والدقيق، يضعه في طرق المدينة عند أبواب الفقراء، حتى وُجد أثر الحمل في ظهره بعد وفاته [حلية الأولياء 3/135].

فتأملوا ـ رحمكم الله ـ كيفَ جعلَ الإسلامُ إزالةَ أذًى يسيرٍ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ؛ ليعلِّمَنا أنَّ نفعَ الناسِ، وإنْ صغرَ في أعينِنا، عظيمٌ عندَ اللهِ تعالى.

وفي المقابلِ، حذَّرَ النبيُّ ﷺ مِن كلِّ ما يؤذي الناسَ في طرقاتِهم، فقال: اتَّقوا اللَّاعِنَينِ، قالوا: وما اللَّاعنانِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ الَّذي يتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو ظلِّهِم. (مسلم 269).

فإذا كانَ هذا الوعيدُ في أذًى محدودٍ، فكيفَ بمن يقطعُ الطريقَ على الناسِ، أو يعتدي على ممتلكاتِهم، أو يروِّعُ الآمنينَ، أو يُفسدُ المرافقَ العامةَ، أو يجعلُ الطريقَ مكانًا للفوضى والاعتداءِ؟!

عبادَ اللهِ، إنَّ الأممَ الراقيةَ لا تُعرَفُ بكثرةِ مبانيها، ولا بضخامةِ منشآتِها فحسبُ، وإنما تُعرَفُ باحترامِ الإنسانِ للإنسانِ، وصيانةِ الحقوقِ، والمحافظةِ على النظامِ، وهذهِ المعاني سبقَ إليها الإسلامُ منذُ أكثرَ مِن أربعةَ عشرَ قرنًا، فجعلَ احترامَ الطريقِ عبادةً، وإزالةَ الأذى صدقةً، والإحسانَ إلى الناسِ طريقًا إلى رضوانِ اللهِ تعالى.

فإذا رأيت مسلمًا يرفع الأذى عن الطريق، أو يحفظ حق المارة، أو يصون المرافق العامة، فلا تقل: هذه أخلاق حضارية فحسب، بل قل: هذه أخلاق إيمانية علَّمها النبي ﷺ لأمته منذ أربعة عشر قرنًا.

فيا مَن يريدُ رضا اللهِ، اجعلْ طريقَ المسلمينَ آمنًا مِن أذاكَ، نظيفًا بعملِكَ، عامرًا بأخلاقِكَ، ولا تتركْ وراءكَ إلا أثرًا طيبًا يدعو الناسُ لك به، فإنَّ خيرَ الناسِ أنفعُهم للناسِ، وخيرَ المؤمنينَ مَن كانَ مفتاحًا للخيرِ، مغلاقًا للشرِّ.

اللهمَّ أصلحْ أخلاقَنا، واهدِنا لأحسنِها، اللهمَّ اجعلْنا مفاتيحَ للخيرِ، مغاليقَ للشرِّ، اللهمَّ احفظْ بلادَنا وسائرَ بلادِ المسلمينَ، وأدمْ عليها الأمنَ والاستقرارَ، ووفِّقْنا جميعًا لما تحبُّ وترضى.

د. أحمد رمضان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى