خطبة الجمعة

من سلسلة زاد الأئمة والخطباء الإصدار (70): .. سيدنا محمد ﷺ.. الأسوة الحسنة الجمعة 22 ربيع الأول 1448هـ 4-9-2026م

الإصدار السبعون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء

سيدنا محمد ﷺ .. الأسوة الحسنة

الهدف: بيان أن الاقتداء بالنبي  منهجُ حياةٍ يتخذ من هَدْيه الشريف في العبادةِ والأخلاقِ والمعاملات الأسرية والمجتمعية نموذجًا يحتذى.

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد؛

فما زلنا نتنسم عبيرَ نفحات شهر ربيعٍ الأول، حيث تتجدد في القلوب معاني المحبة، ونستضيئ بسيرة خيرِ من وطئَت قدمُه الثرى، سيدنا محمد ؛ فتتجه الأرواح إلى سيرةٍ لم تزل نورًا يهدي، ومنهجًا يُحتذى، ونجعل من هذه المناسبة فرصةً كي ننهل من هديه ، ونتأمل في عظيم شمائله، ونقتفي أثره في بناء الإنسان الذي يعرف ربه، ويصون كرامة أخيه، ويحسن إلى الخلق كافة.

إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الكامل في خصاله وخلاله ومحامده، وهو الذي أنعم الله تعالى عليه بأن بوأه المحل الأسمى، والقِدح المعلى؛ فهو أسوة لكل متأس، وقدوة لكل مقتد، لذا اختصر القرآن الكريم طريق الاقتداء كله في قوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَة﴾ [الأحزاب: ٢١] ؛ فكان  أسوةً في عبادته، وأخلاقه، ورحمته، وأسرته، ومعاملاته، وقيادته، وصبره في الشدائد، وحكمته في بناء المجتمع، وإليك تفصيل ما أجملنا.

تفاصيل المحتوى

 الأسوة الحسنة في القرآن الكريم.. مفهومها ومكانتها

الأسوة هي القدوة التي يُقتدى بها، والطريق الذي يسلكه الإنسان تأسِّيًا بمن سبقه، وقد رفع القرآن الكريم منزلةَ النبي ﷺ إلى كونه النموذج العملي الذي تتجسد فيه تعاليم الإسلام؛ فقال سبحانه: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٢١]، يقول الإمام ابن كثير: “هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله” [تفسير القرآن العظيم].

قال العلماء: “الأسوة الحسنة فيه عامة في كل أحواله قولًا أو عملًا، أو نية، فعلًا أو تركًا” [حسن التنبه].

ويقول الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي: “والذي يقرأ السيرة النبوية الشريفة يرى أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان في هذه الغزوة بصفة خاصة، وفي غيرها بصفة عامة القدوة الحسنة الطيبة في كل أقواله وأفعاله وأحواله صلّى الله عليه وسلَّم؛ لقد شارك أصحابه في حفر الخندق، وفي الضرب بالفأس، وفي حمل التراب، بل وشاركهم في أراجيزهم وأناشيدهم، وهم يقومون بهذا العمل الشاق المتعب، وشاركهم في تحمل آلام الجوع، وآلام السهر.. بل كان صلّى الله عليه وسلّم هو القائد الحازم الرحيم، الذي يلجأ إليه أصحابه عند ما يعجزون عن إزالة عقبة صادفتهم خلال حفرهم للخندق” [التفسير الوسيط].

ومن هنا وجه العلماء جموعَ المسلمين إلى أن يتعرفوا على سيدنا رسول الله من خلال السيرة النبوية، ليحصل لهم تمام الاقتداء؛ يقول الدكتور البوطي عن أهمية السيرة: “أن يجِد الإنسان بين يديه صورة للمثل الأعلى في كل شأن من شؤون الحياة الفاضلة، كي يجعل منها دُستورًا يتمسَّك به ويسير عليه، ولا ريبَ أنَّ الإنسانَ مهما بحَث عن مَثلٍ أعلى في ناحية من نواحي الحياة فإنه واجد كلَّ ذلك في حياةِ رسولِ الله  على أعظم ما يكون من الوضوح والكمال، ولذا جعله الله قدوة للإنسانية كلها” [فقه السيرة].

 النبي ﷺ قدوة في عبادته وصِلته بربه

كان النبي ﷺ أكملَ الناس عبوديةً لله، وأشدَّهم خشوعًا له، وأصدقَهم إقبالًا عليه؛ فقد امتلأَ قلبه تعظيمًا لربه ومحبةً له ورجاءً وخوفًا منه، حتى كان قيامُه بين يدي الله صورةً حيةً لمعنى العبودية الخالصة، وكان  كثير الذكر والاستغفار والدعاء، لا يفتر لسانُه عن ذكر مولاه، وقد قال: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» [رواه البخاري]، وقال «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» [رواه البخاري]، وكان قيام الليل من أجلِّ مظاهر صِلتِه بربِّه؛ فقد قالت عائشة رضي الله عنها: “كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ”؛ فقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» [متفق عليه].

ومع هذا السُّمو في العبادة، لم يكن  يعرف الغلو أو الانقطاع عن شؤون الحياة، بل كان نموذجًا فريدًا في التوازن بين حقِّ الله وحقوق النفس والأهل والمجتمع؛ وأقرَّ سلمانَ الفارسي حينما أوصى أبا الدرداء، قائلا: “إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ” فقال ﷺ: «صَدَقَ سَلْمَانُ» [رواه البخاري]، وكان يصوم ويفطر، ويقوم وينام، ويتزوج النساء، ويخالط أصحابه، ويقضي حوائج الناس، مع بقاء قلبِه موصولًا بالله تعالى.

ولما أراد بعض أصحابه المبالغة في العبادة فقال أحدهم: «أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا»، وقال آخر: «وأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ»، وَقَالَ آخَرُ: «وأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا» قال ﷺ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [متفق عليه]؛ فكان  يعلم أمته محل الاقتداء الأكمل لهم، كما علمهم أن العبادة الحقّة لا تعني الانسحاب من الحياة، وإنما أن يعيش الإنسان حياته كلها لله، في عبادته وعمله وأسرته ومعاملاته، وأن يكون قلبه مع الله وإن كان جسده في ميادين الحياة.

 النبي ﷺ قدوة في الأخلاق والمعاملة

كان النبي  في أخلاقه ومعاملاته الصورةَ العملية للإسلام حين يتحول من مبادئ تُتلى إلى سلوك يُرى، ومن تعاليم تُسمع إلى رحمةٍ تمس القلوب وحسنِ معاملةٍ تحفظ للإنسان قدرَه؛ وقد شهِد له ربُّه سبحانه بهذا الكمال فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: ٤]، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حين سُئلت عن خلقه “كَانَ خُلُقه الْقُرْآنَ” [رواه مسلم]؛ فكان  رحيمًا بالناس، رفيقًا بهم، حليمًا على جهل الجاهلين، يعفو عند المقدرة، ولا يقابل الإساءة بمثلها؛ قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ومن رحمته  أنه لم يكن يطلب لنفسه انتقامًا، قالت عائشة رضي الله عنها: “وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ؛ فيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ” [متفق عليه]، وكان الصدق والأمانة والتواضع سماتٍ راسخةً في شخصيته، حتى عُرف قبل البعثة بين قومِه بالصَّادق الأمين، وكان يقول «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [رواه أحمد].

ولم تقف أخلاقه  عند حدود أصحابه ومحبيه، بل امتدت إلى المخالفين والمسيئين؛ فكان يحفظ للإنسان كرامته، ويختار من القول ألينه، ومن المواقف أحكمها؛ ومن أبلغ صور ذلك أنَّه لما آذاه أهلُ الطائف ورموه بالحجارة، لم يحمل قلبُه حِقدًا يدفعه إلى الانتقامِ، بل كان رجاؤه أن يخرجَ من أصلابهم من يعبد الله وحده، وهكذا كان  رحمةً تمشي بين الناس؛ يرد الإساءة بالحلم، والغلظة بالرفق، والعداوة بالإحسان، ويجعل كرامة الإنسان مصونةً حتى عند الاختلاف، ولذلك فإن الاقتداء الحقيقي به  بأن تظهر هذه الأخلاق في واقعنا؛ في بيوتنا، ومع أولادنا، وفي أعمالنا، ومع من نختلف معهم؛ حتى يكون المسلم شاهدًا بسلوكه على جمال الهدي النبوي وسمو الرسالة المحمدية.

 النبي ﷺ قدوة في الأسرة وبناء البيت الصالح

كان بيت النبي  مدرسةً متكاملةً في الرحمة والمودة وحسن العشرة؛ فقد قدَّم للأمة نموذجًا عمليًّا للأسرة التي تقوم على السكينة والاحترام والتعاون، ولم تكن عظمة رسالته وحجم مسؤولياته تحول بينه وبين أن يكون قريبًا من أهله، حسن الصحبة لهم، راعيًا لمشاعرهم وحقوقهم؛ قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [النساء: ١٩]، وقال «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» [رواه الترمذي].

وكان  يراعي مشاعر زوجاته ويستمع إليهن، ويمازحهن ويلاطفهن، حتى قالت عائشة رضي الله عنها في وصف جانب من هديه في البيت“كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ”، أي: يعينهم في شؤون المنزل، “فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ” [رواه البخاري]، وفي ذلك دلالةٌ بالغةٌ على أنَّ المسؤولية الأسرية أمانةٌ تُؤدَّى بالمحبة والتعاون وحسن الصحبة.

وكانت رحمته  بالصغار مظهرًا آخر من مظاهر عظمة خلقه داخل الأسرة؛ فكان يحمل الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقبلهما، ويلاطفهما، ويطيل السجود أحيانًا مراعاةً لطفلٍ تعلق به، وقال «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» [متفق عليه]، وكان يحترم المرأة ويؤكد حقوقها ويجعل حسن معاملتها معيارًا للخيرية؛ فقال ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» [رواه مسلم]، وهكذا لم يقدم النبي  للأسرة أحكامًا نظرية مجردة، بل جسّدها في حياته اليومية حتى يحصل التأسي والاقتداء، مستصحبا رحمةً لا تلغي الحزم، ومودةً لا تنفي المسؤولية، واحترامًا يصون الكرامة، وتعاونًا يجعل البيت موطنَ سكينةٍ لا ميدانَ صراع؛ فكان بيته  نموذجًا حيًّا لما أراده القرآن للأسرة من سكنٍ ومودةٍ ورحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجࣰا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّةࣰ وَرَحۡمَةًۚ﴾ [الروم: ٢١].

 النبي ﷺ قدوة في التعامل مع الناس

كان النبي  في تعامله مع الناس أرحبَ صدرًا، وألينَ جانبًا، وأحسنَهم عشرةً؛ فكان يلقى الناس بالبشاشة، ويُقبل عليهم بوجهه وقلبه، ويمنح كلَّ إنسانٍ من عنايته ما يشعره بمكانته وكرامته؛ قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: “مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي” [متفق عليه]، وكان  حسن الاستماع، لا يقطع حديث محدِّثه، ولا يصرف وجهه عنه حتى يفرغ، ويستوعب أحوال الناس وطبائعهم؛ فيخاطب كلَّ إنسان بما يناسبه، ويراعي ضعفه وحاجته وقدرته؛ ولذلك قال «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا» [متفق عليه]؛ فكان منهجه في الدعوة والمعاملة قائمًا على الرفق ومراعاة النفوس، لا على التعنيف والتثقيل.

وكان  قريبًا من الضعفاء والمحتاجين، لا يرى في ضعفهم نقصًا ينال من قدرهم، بل كان يكرمهم ويجبر خواطرهم ويقضي حوائجهم، حتى قال «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ» [متفق عليه]، وإذا أخطأ أحدٌ لم يجعل من خطئه مناسبةً للتشهير به أو إسقاط كرامته، وإنما كان يعالج الخطأ بحكمةٍ ورحمة؛ فيعلّم المخطئ ويأخذ بيده إلى الصواب؛ ومن ذلك موقفه  مع الرجل الذي تكلم في الصلاة؛ فعلمه ووجهه وأرشده إلى أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ فما تمالك الرجل إلا أن سجل لنا طريقته  في معالجة الخطأ قائلا: فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي! مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؛ فوَاللَّهِ! مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» [رواه مسلم]، وهكذا كان  يعلمنا أن حسن التعامل ليس أن تعامل الناس جميعًا بطريقة واحدة، وإنما أن تعرف لكل إنسان حاله، وأن تجمع في معاملتك بين الرحمة والحكمة، وبين حفظ الكرامة وتصحيح الخطأ؛ فبهذا تتحول الأخلاق النبوية من سيرة تُروى إلى منهجٍ حيٍّ يصلح به الفرد وتطمئن به الأسرة ويستقيم به المجتمع.

 النبي ﷺ قدوة في المسؤولية والقيادة

كان النبي  نموذجًا فريدًا في القيادة الراشدة؛ فلم تكن القيادةُ عنده  تشريفًا أو استعلاءً، وإنما كانت أمانةً ومسؤوليةً وخدمةً للناس، يقودهم بالعدل، ويرعى مصالحهم، ويجمع بين قوة الحق ورحمة القلب، وقد أمره الله تعالى بالعدل فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: ٩٠]؛ فكان  يعدل بين الناس ولا يحابي قريبًا ولا بعيدًا، ويقرر أنَّ ميزان الحق لا يتغير بتغير الأشخاص والمكانة؛ فقال «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» [متفق عليه]، وكان  يشاور أصحابه، مع أن الوحي كان ينزل عليه، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩]؛ فاستشارهم في مواطن متعددة، ومن أبرزها غزوة بدر وأحد والخندق، ليعلّم الأمة أن الشورى قوةٌ تعين على حسن القرار وتحمل المسؤولية.

وكانت رحمته  بالرعية أساسًا من أسس قيادته، حتى أثنى الله عليه بقوله: ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨]، ومع ذلك لم تكن رحمته ضعفًا، بل كان يجمع بين الحزم حين تقتضي المصلحة، والرحمة حين يكون الرفق أصلح؛ فكان يضع لكل موقف ما يناسبه، دون ظلم أو تجاوز.

ومن أعظم صور تحمله المسؤولية أنه كان  يعيش كما يعيش الناس، ويشاركهم مشاقهم، ويؤْثرهم على نفسه؛ ففي غزوة الخندق كان يعمل مع أصحابه ويحمل التراب، حتى قال البراء بن عازب رضي الله عنه في وصفه: “رأيت رسول الله ﷺ ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الترابُ جلدةَ بطنِه” [رواه البخاري]، وهكذا كان  في أصحابه يتقدمهم في تحمل المشاق، ويتأخر عنهم في الاستئثار بالمغانم؛ فاستحق بذلك أن يكون قدوةً لكل من تولى أمرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، في بيته أو عمله أو مجتمعه.

 النبي ﷺ قدوة في مواجهة الأزمات والمحن

كان النبي  في مواجهة الأزمات والمحن نموذجًا راسخًا للصبر والثبات وحسن التوكل على الله؛ فلم تكن شدة المحن لتزعزع يقينه، ولا تراكم الصعاب ليصرفه عن غايته؛ بل كان كلما اشتد البلاء ازداد ثباتًا، وكلما ضاقت السبل اتسع في قلبه باب الرجاء، وفي الهجرة النبوية تتجلى عظمة الأخذ بالأسباب مع صدق التوكل؛ فقد أحكم  التخطيط، واختار الصاحب، واستأجر الدليل، واتخذ طريقًا غير مألوف، ومكث في غار ثور، ثم مضى في طريقه، ومع ذلك ظل قلبه معلقًا بالله، حتى قال لأبي بكر رضي الله عنه في لحظة الخطر: ﴿لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [التوبة: ٤٠]، وفي الطائف، حين لقي من الأذى ما لقي، لم يكن ردُّه اليأس أو الانتقام، بل رفع يديه إلى ربه داعيًا، راجيًا رحمته، ثم أبقى باب الأمل مفتوحًا أمام مستقبل الدعوة، وفي ذلك درس عظيم في أن المؤمن قد يتألم، لكنه لا يفقد الأمل، وقد تضيق به اللحظة، لكنه لا يسيء الظن بربه.

وتتجلى حكمته  كذلك في صلح الحديبية، حيث قبل ما بدا لبعض أصحابه في ظاهره تنازلًا، بينما كان ينظر ببصيرة القائد إلى ما وراء اللحظة؛ وقد سمى الله هذا الصلح ﴿فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الفتح: ١]؛ فكان درسًا في أن النجاح لا يقاس دائمًا بما تحققه في اللحظة الراهنة، وأن بعض المكاسب العظيمة تحتاج إلى صبرٍ وبُعد نظر.

وفي غزواته  جمع بين الشجاعة وحسن التدبير؛ فأخذ بالأسباب، ووضع الخطط، واستشار أصحابه، ولم يجعل التوكل على الله ذريعةً لترك العمل، بل قال «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ» [رواه مسلم]، وهكذا تقدم لنا سيرته  منهجًا متكاملًا في مواجهة الأزمات: ثباتٌ عند الشدة، وتخطيطٌ عند التعقيد، وأخذٌ بالأسباب مع صدق التوكل، وتفاؤلٌ بالمستقبل مهما اشتد ظلام الحاضر؛ وهو منهج نحن أحوج ما نكون إلى انتهاجه عند الشدائد.

 النبي ﷺ قدوة في بناء المجتمع

لم يكن النبي  قدوةً في إصلاح الفرد فحسب، بل أقام نموذجًا متكاملًا لبناء المجتمع الذي تتساند فيه القلوب كما تتساند الصفوف، وتصان فيه الحقوق، وتعلو فيه قيمة الإنسان، ويشعر كل فرد فيه أنه مسؤول عن صلاح الجماعة؛ فكان من أول ما رسخه  معنى الأخوة والتكافل، حتى آخى بين المهاجرين والأنصار، وجعل الإيمان رابطًا يتجاوز العصبيات الضيقة؛ فقال «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [متفق عليه]، وقال أيضًا: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم]، كما أكد صيانة الحقوق وحرمة الدماء والأموال والأعراض؛ فقال  في خطبته: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ» [متفق عليه]، وجعل الوفاء بالعهد مبدأً ثابتًا لا يتغير باختلاف الأشخاص والظروف؛ فقال «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» [رواه أبو داود]، وقد جسدت وثيقة المدينة جانبًا مهمًّا من هذا البناء المجتمعي، بما قررته من تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، وإقرار الحقوق والواجبات، والتعاون في حماية الوطن.

وكان  شديد التحذير من الظلم والعصبية والتمييز؛ فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ» [رواه أبو داود]، وقرر أن التفاضل بين الناس ليس بالنسب ولا باللون ولا بالمال، وإنما بما وقر في القلوب من تقوى وصلاح، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ [الحجرات: ١٣]، كما جعل المسؤولية الاجتماعية شأنًا مشتركًا؛ فقال «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]؛ فالمجتمع الصالح عنده  مجتمع يشارك كل فرد فيه في البناء والإصلاح، كلٌّ من موقعه وقدر استطاعته.

ومن هنا كان هديه  في بناء المجتمع قائمًا على الأخوة والرحمة، والعدل وصيانة الحقوق، والوفاء بالعهود، ومقاومة الظلم والعصبية، وتحمل المسؤولية المشتركة؛ وهي قيم لا تنتمي إلى زمن مضى، بل تظل أساسًا لكل مجتمع آمن متماسك، يحفظ كرامة الإنسان ويصون استقراره ويجعل التعاون سبيلًا إلى الخير العام.

 من محبة النبي ﷺ إلى الاقتداء به

محبة النبي ﷺ محبةً صادقة تقتضي الاتباع والاقتداء، وتدفع صاحبها إلى أن يجعل هدي النبي  ميزانًا لأقواله وأعماله ومواقفه، وقد جعل القرآن الكريم الاتباع برهانًا على صدق المحبة؛ فقال سبحانه: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فالمحبة التي لا تغيّر سلوك صاحبها ولا تحمله على الاقتداء؛ ليست هي المحبة التي أرادها الشرع، ولذلك قال «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأبَى؟! قالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» [رواه البخاري]؛ فطاعة النبي  واتباع سنته هما الثمرة الطبيعية للمحبة الصادقة، وهي دليل صدقها في القلب.

 الاقتداء بالنبي في واقعنا المعاصر

لا يكتمل الاقتداء بالنبي  إذا بقي هديه حبيسَ الحديث عن الماضي، وإنما تظهر حقيقته حين يتحول إلى سلوكٍ حيٍّ يواكب تفاصيل الحياة المعاصرة؛ فالرحمة النبوية التي وسعت الكبير والصغير، والقريب والبعيد، ينبغي أن تظهر اليوم في طريقة حديثنا وتعاملنا، وفي مراعاتنا لمشاعر الآخرين، وفي إغاثة المحتاج، والعفو عن المسيء، والرفق بالمخطئ، وقد قال «من لا يَرحم لا يُرحم» [متفق عليه]، وقال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه» [رواه مسلم]، ومن هديه  أن نجعل بيوتنا موطنًا للمودة والرحمة، وأعمالنا ميدانًا للأمانة والإتقان، وطرقاتنا ومجالسنا فضاءً لاحترام الآخرين؛ فلا نؤذي ولا نعتدي ولا نحتقر، وأن تمتد هذه الأخلاق إلى وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالكلمة المنشورة مسؤولية، والصورة المتداولة أمانة، والتعليق قد يكون جبرًا لخاطر أو جرحًا لقلب، وقد قال «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» [متفق عليه].

ومن أظهر صور استحضار الهدي النبوي في واقعنا مواجهةُ السخرية ونبذ التنمر بكل صوره؛ فقد نهى القرآن عن احتقار الآخرين فقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ﴾ [الحجرات: ١١]، ونهى النبي  عن إيذاء المسلم واحتقاره؛ فقال: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» [رواه مسلم]، كما يقدم هدْيُه  نموذجًا راقيًا في إدارة الاختلاف والحوار؛ فلم يكن اختلاف الرأي عنده مبررًا لإهدار الكرامة أو إشعال الخصومة، بل كان يستمع، ويبين، ويعالج الخطأ بالحكمة، ويقول «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» [متفق عليه].

وفي عصر التقنية والذكاء الاصطناعي تتأكد الحاجة إلى هذه القيم أكثر؛ فالتقدم التقني لا يعفي الإنسان من المسؤولية الأخلاقية، بل يزيدها؛ بحيث نتثبت قبل نشر الأخبار، ونحفظ الخصوصية، ولا نستخدم التقنية في الغش أو التشهير أو التضليل أو انتهاك حقوق الآخرين، ونوظف الذكاء الاصطناعي فيما ينفع الناس ويصون كرامتهم؛ مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢]، وهكذا يصبح الاقتداء بالنبي  متجددًا؛ فكلما تغيرت الوسائل وتطورت الحياة، بقيت قيم الرحمة والصدق والأمانة والعدل وحفظ الكرامة صالحةً لتكون بوصلة الإنسان في عالمه المعاصر.

مراجع للاستزادة:

  • الشمائل المحمدية، للإمام الترمذي.
  • الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى