خطبة الجمعة : سَعة رحمـة الله بــابُ الأمـل وطريق النجاة : 29 شوال 1447هـ / 17 أبريل 2026م ، د/ أحمد علي سليمان

بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة: سَعة رحمـة الله بــاب الأمـل وطريق النجاة
عصمة النفس البشرية.. ولماذا كان الألم من مظاهر رحمة الله؟
الانتحار من أكبر الكبائر.. والمنتحر بين يدي الله
الواجبات العشرة الواجبة علينا الآن
نداء إلى الأمة: خفِّفوا كُرَبَ المكروبين يُخفِّف اللهُ عنكم في الدنيا ويوم الدين
بقلم الدكتـور أحمد علي سليمان عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية
الجمعة: 29 شوال 1447هـ / 17 أبريل 2026م
الحمد لله، الرحمن الرحيم، الذي وسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيء، وسبقت رحمتُه غضبَه، وكتب على نفسه الرحمة، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الرحمة عنوان دينه، وأساس معاملته لعباده، وأرسل خاتم لأنبياء والمرسلين من أجل الرحمة، وأشهد أن سيدنا محمدًا (ﷺ) عبدُه ورسولُه، أرسله الله رحمةً للعالمين.
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان، الأشرفان الأشرقان، الأنوران المضيئان، الأعطران الأزهران، المزهران المثمران، على مَن جُمِعت كلُّ الكمالات فيه… وعلى آله وصحبه وتابعيه..
فَمَبْلَغُ الْعِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ * وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمِ
مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا * عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ
اللهم رَضّه عنَّا، وارض عنَّا، برضاه عنَّا.. ووضئنا يا ربنا بأخلاقه العظيمة، وحقق أمانينا بزيارته، وافتح لنا أبواب رؤيته، ونيل شفاعته، اللهم آمين يا رب العالمين…
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين، قال تعالى: (…وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ…) (النساء: 131)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102)، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (الأحزاب: 70).
وقال الجليل (جلَّ وعلا): (…وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: 223). أما بعد…
فاللهم إني أسألك الفتح والتيسير والتسهيل والتأثير والإخلاص والقبول…
استهل الحديث في هذا الموضوع بالأبيات التالية:
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتـــى * ذَرعًا وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا استَحكَمَت حَلَقاتُها * فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفـرَجُ
• ونقول لكل مُبتلى، ولكل إنسان دخل في غمار الحياة، وتحدياتها، ومشكلاتها، تذكر دائما هذه الكلمات:
لا تخف من أي شيء روعـــــك كن مع اللهِ يكن ربى معــــــــــــــــــك
وإذا نابك كـــــــــــــربٌ فاصطبــــر وادع مولاك وجفف أدمُعــــــــــك
ما لنــــــــــــــــــــــــــــــــــا إلا إلهٌ واحــــــدٌ فاسأل الكون وقل مَن أبدعـــك
واسأل الحمل جنينا في الحشى مَن رعاك الآن مَن ذا أشبعـــــــك
واسأل البدر مضيئا في الدجى باعثـــــــــــــــــا أنـــــواره ما أروعــــــــــــك
واسأل الشطآن عن أمواجهـــا واسأل البحــر أتدري منبعــــــــــك
واسأل الصبح تجلى مسفـــــــــرًا بعد ليل حالك مــــــــــــــــن أطلعك
واسأل سل رسول الله قل يا مصطفى يا شفيع الخلق من قد شفعـــــك
إنـــــــــــــــــــــــــــــــــــه ربي إلـــــــــــــه واحد كن مع الله يكن ربى معـــــــك( )
أيها المؤمنون: اعلموا أنكم تعيشون في بحار نِعم الله، وفي بحارٍ رحمات الله، وفي بحار فضل الله، وأنفاسكم التي تتردد بين صدوركم إنما هي أثرٌ من آثار رحمته (جل وعلا).
ولا ريب في أن الحديث عن رحمة الله (تعالى) حديثٌ طويل عريض ممتد لا ينتهي، ولكن حسبنا أن نقف مع بعض المشاهد التي تُجسِّد بعض معاني هذه الرحمة الواسعة وبعض معالمها.
إن رحمت الله تعالى شملت كل شيء: الجنين، والوليد، والفطيم، والصبي، والشباب، والرجل والمرأة، والهرم والشيخ الكبير، والضعيف، والمعاق، والمريض.. الإنسان والحيوان، والنبات وحتى الجماد…
وآيات الله الكثيرة التي تحث على الرحمة يتردد صداها في أرجاء المعمورة ليل نهار، في كل وقت وحين بل في كل لحظة الحياة…
قال الله عز وجل: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 12).
وقال: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (الأنعام: 54).
وقال تعالى: (…إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة: 143).
وقال تعالى: (… إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: 56).
والعجيب أن كلمة “رحمت” جاءت في قوله تعالى: (… إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) بالتاء المفتوحة (المبسوطة) تماشيًا مع رسم المصحف العثماني؛ وللإشارة إلى اتساع وانبساط الرحمة الخاصة للمحسنين، وتحققها ووقوعها، وذكر عدد من المفسرين أن التاء المفتوحة في بعض المواضع تشير إلى أن الرحمة هنا تقتضي قرب الله تعالى نفسه من المحسنين، وليس فقط قرب الرحمة كأمر منفصل..
بينما جاءت كلمة “قريب” مذكّرة لأن الرحمة أضيفت لفظ الجلالة فاكتسبت التذكير. بلاغة تذكير (قَرِيبٌ): لأن الرحمة هنا بمعني “عفو الله” أو “غفرانه” أو “إحسانه”… والله تعالى أعلى وأعلم.
ويقول الحق تبارك وتعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 156).
وقد أشار النبي (ﷺ) إلى هذا المعنى، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (ﷺ) قال: (لَمَّا قَضى اللهُ الخَلقَ كَتَبَ في كِتابِه فهو عِندَه فوقَ العَرشِ: إنَّ رَحمَتي غَلَبَت غَضَبي) ( ) .
من عظيم رحمة الله (عز وجل):
• “سعة كرمه وجوده وفضله، وكثرة نعمه ومننه وتواترها على عباده ومخلوقاته، فقد شمل اللهُ (سبحانه) الناسَ أجمعين بخيره وفضله وكرمه ومنته، وعم بجوده العالمين: قال تعالى: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم: 34) وقال سبحانه: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ…) (النحل: 53).
• الله (تعالى) لا يكلف نفسا إلا وسعها، ويريد اليسر بعباده: قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: 286)، وقال سبحانه: (…يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ…) (البقرة 185).
• أنه تكفّل برزق عباده ومخلوقات جميعا، ولم يَكِل أحدا إلى أحد، قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (هود: 6).
• أنه سَخّر لعباده ما في السماوات والأرض جميعًا منه، وذلك لقيام مصالح الحياة وانتظام المعيشة، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحج: 65)، وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13) .
• انظروا إلى عظيم كرم الله أن العبد إذا أراد السيئة، فتركها خوفا من الله وطمعا في رحمته كتبت له حسنة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) قَالَ: (يقولُ اللهُ: إذا أرادَ عَبدي أن يَعمَلَ سَيِّئةً فلا تَكتُبوها عليه حتَّى يَعمَلَها، فإن عَمِلَها فاكتُبوها بمِثلِها، وإن تَرَكَها مِن أجلي فاكتُبوها له حَسَنةً، وإذا أرادَ أن يَعمَلَ حَسَنةً فلَم يَعمَلْها فاكتُبوها له حَسَنةً، فإن عَمِلَها فاكتُبوها له بعَشرِ أمثالِها إلى سَبعِ مِئةِ ضِعفٍ) ( ) .
• أنه تعالى يغفر الذنوب جميعًا ويقبل التوبة؛ قال جل وعلا: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53) فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن رسول الله (ﷺ) قال: (قال اللهُ تعالى: يا ابنَ آدَمَ، إنَّك ما دَعَوتَني ورَجَوتَني غَفرتُ لك على ما كان منكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدَمَ، لو بلغتْ ذُنوبُك عَنانَ السماءِ ، ثم استغفَرْتَني غَفرتُ لك ولا أُبالي ، يا ابنَ آدَمَ، إنَّك لو أتيتَني بقُرابِ الأرضِ خَطايا، ثم لَقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا، لأتيتُكَ بقُرابِها مَغفِرةً) ( ) .
• أنه تعالى يعطى الجزاء ويعظم الأجر إذا خلصت النية حتى وإن لم يوفق صاحبها للعمل. أخرجه البخاري في صحيحه أن أبا بُردةَ بنَ أبي مُوسى الأشعريَّ، اصطحب يَزيد بن أبي كَبشةَ في سَفَرٍ، فكان يَزيدُ يَصومُ في السَّفَرِ، فقال له أبو بُردةَ: سَمِعتُ أبا موسى -يعني أباه- مِرارًا يقولُ: قال رَسولُ اللهِ (ﷺ): (إذا مَرِضَ العَبدُ أو سافَرَ كُتِبَ له مِثلُ ما كان يَعمَلُ مُقيمًا صَحيحًا) ( ) .
• ومن جميل رحمته (سبحانه وتعالى) أنه جعل الابتلاء بابا إلى الرفعة والحسنات والدرجات، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (ﷺ) قال: (ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ( ) ولَا وصَبٍ( )، ولَا هَمٍّ ( ) ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ) ( )؛ فالدنيا متغيرة الأحوال، لا تستقيم لأحد على حال؛ ضيق وفرج، فرح وحزن، شغل وفراغ، فقر وغنى، عافية وبلاء، صحة ومرض، وفي كل خير؛ يقول النبي (ﷺ): (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَر، فَكانَ خَيْرًا له) ( )، والله (عز وجل) إذا أحب قوما ابتلاهم، فعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أن رسول الله (ﷺ) قال: (إن عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإن اللهَ عز وجل إذا أَحَبَّ قومًا ابتلاهم ؛ فمن رَضِيَ فله الرِّضَى، ومن سَخِطَ فله السُّخْطُ) ( ) .
وإن المتدبر لآيات القرآن الكريم، وسنة سيد المرسلين، وقصص السابقين، ليجد جليا أن من رحمة الله (عز وجل) بنا أن الشدة لا تدوم، بل يعقبها فرج ويسر، فرح وسرور، قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح: 5- 6)، ويقول سبحانه (…لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: 7). ويقول سيدنا النبي (ﷺ): (…وأنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفرَجَ مع الكربِ، وأنَّ مع العسرِ يسرًا) ( ).
فيا من داهمته الأحزان، وبات وهو سهران، وأصبح في أمره حيران، يا من أضناه الهم، وأبكاه الكرب، أنسيت من بيده الخير والضر” ( )، وهو سبحانه القائل: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل 62).
• أن الله سيدخل أناسا كثيرين من أمة الإسلام الجنة بغير حساب، فعن أبي أمامة الباهلي (رضي الله عنه) أن رسول الله (ﷺ) قال: (وعدَني ربِّي أن يُدْخِلَ الجنَّةَ مِن أمَّتي سبعينَ ألفًا لا حسابَ علَيهِم ولا عذابَ، معَ كلِّ ألفٍ سبعونَ ألفًا، وثلاثُ حثَياتٍ مِن حَثَياتِه) ( ).
الحَثْيةُ: هي في الأصل ملء الكفين من الشيء. والمقصود بها في هذا السياق: العطاءُ الإلهي الواسع والمتتابع الذي لا يحيط به عدٌّ ولا حساب، في إشارة إلى أفواج من المسلمين يمنّ الله عليهم بدخول الجنة بغير حساب ولا عذاب. وقد اختُلف في تفصيل الأعداد المرتبطة بهذه الحثَيات، لكن الغاية الأساسية هي بيان سَعة الكرم الرباني. معَ تنزيهِ اللهِ (سبحانه وتعالى) عن مُشابَهةِ الخَلْقِ في الحَثْوِ؛ فاللهُ (عزَّ وجلَّ) ليس كمِثلِه شيءٌ، وكيفيَّةٌ حَثْوِ اللهِ لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ (سبحانه).
• إنَّ الله تعالى أقام نظامَ الحياة على سُنَّةِ التكامل، فجعل الناسَ محتاجين بعضُهم إلى بعض، وربط مصالحهم ربطًا محكمًا لا تستقيم معه الحياة إلا بالتكامل بينهم؛ فكلُّ إنسانٍ -مهما بدا دوره صغيرًا- له أثرٌ عظيمٌ لا يُستغنى عنه في عمارة الكون وانتظامه. قال تعالى: (…وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ…) (المائدة: 2).
عشر نفحات من رحمة الله في آيةٍ واحدة
قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53) .
يقول الإمام فخر الدين الرازي (رحمه الله): اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ مِن وُجُوهٍ كثيرة.
الأوَّلُ: أنَّ الله (سبحانه وتعالى) سَمّى المُذْنِبَ بِالعَبْدِ، والعُبُودِيَّةُ مُفَسَّرَةٌ بِالحاجَةِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، واللّائِقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ إفاضَةُ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ عَلى المِسْكِينِ المُحْتاجِ.
الثّانِي: أنَّهُ (تَعالى) أضافَهم إلى نَفْسِهِ بِياءِ الإضافَةِ فَقالَ: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا) وشَرَفُ الإضافَةِ إلَيْهِ يُفِيدُ الأمْنَ مِنَ العَذابِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ (تَعالى) قالَ: (أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ) ومَعْناهُ أنَّ ضَرَرَ تِلْكَ الذُّنُوبِ ما عادَ إلَيْهِ بَلْ هو عائِدٌ إلَيْهِمْ، فَيَكْفِيهِمْ مِن تِلْكَ الذُّنُوبِ عَوْدُ مَضارِّها إلَيْهِمْ، ولا حاجَةَ إلى إلْحاقِ ضَرَرٍ آخَرَ بِهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّهُ (تَعالى) قالَ: (لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) نَهاهم عَنِ القُنُوطِ، فَيَكُونُ هَذا أمْرًا بِالرَّجاءِ، والكَرِيمُ إذا أمَرَ بِالرَّجاءِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إلّا الكَرَمُ.
الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: (يَا عِبَادِيَ) وكانَ الألْيَقُ أنْ يَقُولَ: لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِي، لَكِنَّهُ تَرَكَ هَذا اللَّفْظَ وقالَ: (لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) لِأنَّ قَوْلَنا: (اللَّهِ) أعْظَمُ أسْماءِ اللَّهِ وأجْلُّها، فالرَّحْمَةُ المُضافَةُ إلَيْهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أعْظَمَ أنْواعِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ.
السّادِسُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: (لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلْ أعادَ اسْمَ اللَّهِ وقَرَنَ بِهِ لَفْظَةَ ”إِنَّ“ المُفِيدَةَ لِأعْظَمِ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ.
السّابِعُ: أنَّهُ لَوْ قالَ: (يَغْفِرُ الذُّنُوبَ) لَكانَ المَقْصُودُ حاصِلًا، لَكِنَّهُ أرْدَفَهُ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى التَّأْكِيدِ فَقالَ: (جَمِيعًا) وهَذا أيْضًا مِنَ المُؤَكِّداتِ.
الثّامِنُ: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَفُورًا، ولَفْظُ الغَفُورِ يُفِيدُ المُبالَغَةَ.
التّاسِعُ: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحِيمًا والرَّحْمَةُ تُفِيدُ فائِدَةً عَلى المَغْفِرَةِ، فَكانَ قَوْلُهُ: (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) إشارَةً إلى إزالَةِ مُوجِباتِ العِقابِ، وقَوْلُهُ: (الرَّحِيمُ) إشارَةً إلى تَحْصِيلِ مُوجِباتِ الرَّحْمَةِ والثَّوابِ.
العاشِرُ: أنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا غَفُورَ ولا رَحِيمَ إلّا هو، وذَلِكَ يُفِيدُ الكَمالَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ العَشَرَةُ مَجْمُوعَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهي بِأسْرِها دالَّةٌ عَلى كَمالِ الرَّحْمَةِ والغُفْرانِ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى الفَوْزَ بِها والنَّجاةَ مِنَ العِقابِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ ( ).
الألم.. من مظاهر رحمة الله بالإنسان
من مظاهر سَعة رحمة الله بالإنسان
أولًا: رحمة الله في الخلق والإيجاد
ثانيًا: رحمة الله في الهداية والإرشاد
ثالثًا: رحمة الله في التشريع والتكليف
رابعًا: رحمة الله في المغفرة وقبول التوبة
خامسًا: رحمة الله في الرزق والعطاء
سادسًا: رحمة الله في البلاء والابتلاء
سابعًا: رحمة الله في تأخير العقوبة
ثامنًا: رحمة الله في الآخرة
تاسعًا: رحمة الله العامة والخاصة
عاشرًا: رحمة الله في العلاقات الإنسانية
انظروا إلى آثار رحمة الله !
الابتلاءُ طريقُ الاصطفاء
وسرُّ رفعةِ الأنبياء والأولياء والصابرين
الأنبياء.. نماذج حية للصبر والثبات
رسالةٌ إلى كل مبتلى
قصص ملهمة
من أعجب صور رحمة الله: أن يغفر للعبد مهما عَظُم ذنبُه، إذا صدق في التوبة
أيها الأخوة المؤمنون: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدًا (ﷺ) رسولُ الله.. عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله.. يقول الحق (تبارك وتَعَالَى): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران: 102).
جريمة الانتحار
الانتحار.. يأس من رحمة الله
القرآن يواجه الانتحار
السنة النبوية تحذر من قتل النفس:
وزارة الأوقاف المصرية تجيب:
حكم الانتحار في الإسلام،و هل المنتحر كافر؟ وهل يغفر الله له وما مصيره في الآخرة؟
رسالة من الله لكل مكروب
ما الواجبات العشرة المطلوبة منا الآن؟
ندائي إلى الأمة: خفِّفوا عن الناس يخفِّف الله عنكم
واعلموا أنَّ اللهَ يُحِبُّ المحسنين، وأنَّ اللهَ قريبٌ من المحسنين، وأنَّ أهل الإحسان في الدنيا هم أهل الإحسان في الآخرة، وأنَّ الراحمين يرحمهم الرحمن؛ فارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء.
فاللهم أصلح أولادنا، وبارك في ذرياتنا، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وارزقنا حسن شكر نعمك علينا وارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن العمل بين يديك، واجعل ما نتركه بعدنا نورًا لنا ولهم في دنياهم وآخرتهم… يا رب العالمين . اللَّهُمَّ أصلح ولاة أمورنا، وهيّئ لهم البطانة الصالحة الناصحة، ووفقهم لما فيه خير العباد والبلاد. اللَّهُمَّ احفظ شبابنا من الفتن، وألّف بين قلوبنا، ووفّقنا للعمل الصالح الذي يرضيك عنا. اللهم احفظ مصر شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، طولها وعرضها وعمقها، بحارها وسماءها ونيلها، ووفق يا ربنا قيادتها وجيشها وأمنها وأزهرها الشريف، وعلماءها، واحفظ شعبها، وبلاد المحبين يا رب العالمين. اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا اللهم طهّر قلوبنا من الكبر، وزيّنها بالتواضع،اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارِك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (…رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل: 19)، (…الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ…) (الأعراف: 43)… اللهم تقبل هذا العمل من الجميع…
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.
خادم الدعوة والدعاة
د/ أحمد علي سليمان
عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية
والحاصل على المركز الأول على مستوى الجمهورية في خدمة الفقه والدعوة (وقف الفنجري 2022م)
نقلا عن موقع صوت الدعاة الإخباري

