خطبة الجمعة القادمة بعنوان : أثرُ استقرارِ الأسرةِ في بناءِ الإنسانِ، 12 يونيو 2026م للدكتور خالد بدير

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 12 يونيو 2026م ، للدكتور خالد بدير : أثرُ استقرارِ الأسرةِ في بناءِ الإنسانِ: كما يلي:
أولًا: أهميةُ الأسرةِ ومكانتُها في الإسلامِ.
ثانيًا: ضوابطُ بناءِ الأسرةِ في الإسلامِ.
ثالثًا: خطورةُ غيابِ التواصلِ بين الآباءِ والأبناءِ (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).
خطبةٌ بعنوانِ: أثرُ استقرارِ الأسرةِ في بناءِ الإنسانِ
26 ذو الحجةِ ١٤٤٧هـ – الموافقُ 12 يونيو ٢٠٢٦م
المـــوضــــــــــوع
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولًا: أهميةُ الأسرةِ ومكانتُهَا في الإسلامِ.
للأسرةِ أهميةٌ كبرى في الإسلامِ، فالمجتمعُ الذي نعيشُ فيه يتكونُ من أسرٍ، ولم يوجدْ مجتمعٌ عبرَ التاريخِ أقامَ بناءَهُ على غيرِ الأسرِ، وبذلك تُعدُّ الأسرةُ عنوانَ القوةِ والتماسكِ للمجتمعِ أو ضعفِهِ؛ لأنَّ الأسرةَ مأخوذةٌ من الأسرِ وهي القوةُ والشدةُ، فهي تمثلُ الدرعَ الحصينَ لأفرادِها، باعتبارِ أنَّ كلًّا من الزوجينِ يعتبرُ درعًا للآخرِ.
إنَّ الأسرةَ القائمةَ على السكنِ والرحمةِ والمودةِ، لها دورٌ كبيرٌ في أمنِ المجتمعِ واستقرارِهِ؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. (الروم: ٢١)، يقولُ الإمامُ البغويُّ رحمَهُ اللهُ: «أيْ جعلَ بينَ الزوجينِ مودةً ورحمةً، فهما يتراحمانِ ويتوادَّانِ، وما من شيءٍ أحبُّ إلى أحدِهما من الآخرِ من غيرِ رحمٍ بينهما»، ويقولُ الإمامُ الطبريُّ في تفسيرِ الآيةِ: «جعلَ بينكم بالمصاهرةِ والختونةِ مودةً تتوادُّونَ بها، وتتواصلونَ من أجلِها، ورحمةً رحمكم بها؛ فعطفَ بعضكم بذلكَ على بعضٍ». أ.هـ.
إنَّ الأسرةَ لبنةٌ من لبناتِ المجتمعِ، فهي كالقلبِ إذا صلحتْ صلحَ المجتمعُ كلُّهُ، وإذا فسدتْ فسدَ المجتمعُ كلُّهُ.
فالأسرةُ الصالحةُ كالتربةِ الصالحةِ، إنْ صلحتْ صلحَ نباتُها، وإنْ فسدتْ فسدَ نباتُها.
ولقد فطنَ الغربُ إلى أهميةِ الأسرةِ في بناءِ المجتمعِ والحضاراتِ، واعتبروا هدمَ الأسرةِ هدمًا للحضارةِ كلِّها.
يقولُ أحدُ المستشرقينِ: إذا أردتَ أنْ تهدمَ حضارةَ أمةٍ فهناكَ وسائلُ ثلاثٌ هي: …
1- اهدمْ الأسرةَ……………. 2- اهدمْ التعليمَ…………………… 3- أسقطْ القدواتِ.
* لكي تهدمَ الأسرةَ: عليك بتغييبِ دورِ (الأمِ) اجعلْهَا تخجلُ من وصفِهَا بـ”ربةِ بيتٍ”
* ولكي تهدمَ التعليمَ: عليك بـ (المعلمِ) لا تجعلْ له أهميةً في المجتمعِ وقللْ من مكانتِهِ حتى يحتقرَهُ طلابُهُ.
* ولكي تسقطَ القدواتِ: عليك بـ (العلماءِ والآباءِ) اطعنْ فيهم قللْ من شأنِهِم، شككْ فيهم حتى لا يَقتدِي بهم أحدٌ. فإذا اختفتْ (الأمُّ الواعيةُ)، واختفى (المعلمُ والأبُّ المخلصُ)، وسقطتْ (القدوةُ)، فمن يُربي النشءَ على القيمِ؟!
ومِن هنا كانتْ أهميةُ الأسرةِ ومكانتُهَا في بناءِ الإنسان والمجتمعِ الآمنِ المستقرِ.
ثانيًا: ضوابطُ بناءِ الأسرةِ في الإسلام.
لبناءِ الأسرةِ في الإسلامِ أسسٌ وضوابطٌ يقومُ عليها هذا البنيانُ، ومِن أهمِّهَا:
حسنُ اختيارِ الزوجينِ: لأنَّهمَا أساسُ هذا البناءِ، وصلاحُهُمَا صلاحٌ للأسرةِ، ففي حسنِ اختيارِ الزوجِ، يقولُ ﷺ: ”إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.”(الترمذيُّ بسندٍ حسنٍ). وفي حسنِ اختيارِ الزوجةِ يقولُ ﷺ: ” تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ “(متفق عليه).
ومنها: التبكيرُ بحسنِ تربيةِ الأبناءِ: وذلك بتعهدِهِم منذُ نعومةِ أظفارِهِم؛ لأنّ تأخرَ التربيةِ والتعليمِ يجعلُهُم عرضةً للانحرافِ في الطرقِ المعوجةِ، فقد جاءَ رجلٌ إلى الأستاذِ مالكِ بنِ نبي – رحمهُ اللهُ – يسترشدُهُ لتربيةِ ابنٍ لهُ وُلِدَ حديثًا، فسألَهُ: كم عمرُهُ؟ ، قال: شهرًا، قال: فاتكَ القطارُ، وقال: كنتُ أظنُّ في بادئِ الأمرِ أنّيِ مبالغٌ، ثم عندما نظرتُ، وجدتُ أنّ ما قلتُه الحقَّ، وذلك أنّ الولدَ يبكي فتعطيهُ أمُّهُ الثديَ، فينطبعُ في نفسِهِ أنّ الصراخَ هو الوسيلةُ إلى الوصولِ إلى ما يريدُ، ويكبرُ على هذا .
ومنها: بثُّ روحِ الإيمانِ باللهِ في قلوبِ الأبناءِ: وذلك بتنشئتِهِم على العقيدةِ الصحيحةِ بما يتناسبُ مع قدراتِهِم العقليةِ. وهذا ما سلكَهُ النبيُّ ﷺ مع الناشئةِ والغلمانِ، فعن ابنِ عباسٍ قال كنتُ خلفَ رسولِ اللهِ ﷺ يومًا فقال:” يا غلامُ، إني أعلِّمُك كلماتٍ: احفَظِ اللهَ يحفَظْك، احفَظِ اللهَ تجِدْه تُجاهَك، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنْتَ فاستعِنْ باللهِ ، واعلمْ أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، وإنِ اجتمعوا على أن يضُرُّوك بشيءٍ لم يضُروك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفَ”. ( أحمدُ والترمذيُّ وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ).
ومنها: تنشئةُ الأبناءِ على العبادةِ وطاعةِ اللهِ: – كالصلاةِ والصومِ وغيرهِمَا – حتى يتعودُوا عليها، ويتربُّوا في ظلِّهَا، وفي ذلك يقولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ»( أبو داود بسندٍ صحيحٍ).
فيجبُ على وليِّ الصبيِّ أنْ يعلمَهُ الطهارةَ والصلاةَ إذا بلغَ سبعَ سنين، ويأمرَهُ بها، ويؤدبَهُ عليها إذا بلغَ عشرَ سنين.
كما ينبغِي تدريبَهُم على الصيامِ، فقد أخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ قَالَتْ” كُنَّا نَصُومُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ”. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ معلقًا: ” وفي الحديثِ حجةٌ على مشروعيةِ تمرينِ الصبيانِ على الصيامِ كما تقدمَ. والصومُ من الوجهةِ التربويةِ يغرسُ في النفسِ البشريةِ حقيقةَ الإخلاصِ للهِ تعالى ومراقبتِهِ في السرِّ، وتقويةِ الإرادةِ، وكبحِ جماحِ الشهواتِ، ويُؤمرُ به الأطفالُ عندَ طاقتِهِم منذُ السابعةِ وبالتدريجِ.” (فتح الباري).
ومنها: تنشئةُ الأبناءِ على الآدابِ والأخلاقِ: فصلاحُ أولادِنَا أنْ نغرسَ فيهم منهجَ نبيِّنَا في جميعِ شئونِ الحياةِ، وذلك بتعليمِهِم آدابَ النومِ والاستيقاظَ، ودخولَ البيتِ وخروجَهُ، وآدابَ الطعامِ والشرابِ، واحترامَ الكبيرِ وتوقيرَهُ، وحبَّ الوطنِ والانتماءَ إليهِ والدفاعَ عنه، وغيرَ ذلك من الآدابِ التي حثَّنَا عليها الشارعُ الحكيمُ. وقد ضربَ النبيُّ ﷺ لنا المثلَ والقدوةَ في التربيةِ. فَعَن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ “يَا غُلَامُ: سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ” فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.”(البخاري ومسلم).
ومنها: حمايةُ الأبناءِ من الفسادِ: وذلك بمراقبتِهِم ومتابعتِهِم بين الفينةِ والأخرى، فمع انتشارِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، ومخالطةِ أصدقاءِ السوءٍ، يكثرُ انحرافُ الشبابِ والفتياتِ، وتكثرُ العاداتُ المرذولةُ المنهيُّ عنها، كالقزعِ ( وهو حلقُ بعضِ الشعرِ وتركُ بعضهِ)، وارتداءِ الملابسِ المقطعةِ، والاختلاطِ والمعاكساتِ، وتبادلِ ألفاظِ اللعنِ والطعنِ، وغيرِ ذلك من الأمورِ المنهيِّ عنها شرعًا، وكلٌّ له دليلُهُ من القرآنِ والسنةِ .
إن الأبوين يطلقانِ العنانَ لأولادِهِم تحتَ شعارِ الحريةِ والانفتاحِ والتحضرِ، وهم بذلك يجعلونَهُم يفسدُون في الأرضِ وهم لا يشعرون، وكلُّ مَن اقتدَى أو قلدَ هؤلاء الأبناءَ والبناتِ في ذلك فهو في موازينِ سيئاتِ الآباءِ قبلَ أبنائِهِم، فعليكُم إصلاحَ أولادِكُم، والقيامَ عليهم، والصبرَ والتصبرَ في تعليمِهِم وتعويدِهِم على الطاعةِ، واحفظوهُم من الضياعِ، ليكونوا أدواتِ بناءٍ في المجتمعِ، وزخرًا لكم في الآخرةِ .
ومنها: التحملُ والصبرُ والرضا: فالميثاقّ الغليظُ الذي بين الزوجينِ يقتضِي أنْ يتحملَ كلٌّ منهما هفواتِ الآخرِ، يقولُ أبو الدرداءِ رضي اللهُ عنه لزوجتِهِ أمِّ الدرداء: ” إذا رأيتنِي غاضبًا فرضِّينِي، وإذا رأيتُكِ غضبَى رضَّيتُكِ. وإلا لم نصطحبْ”. فبالودِّ والمسامحةِ والمحبةِ تدومُ العشرةُ، وبدونِهَا لا توجدُ ألفةٌ ولا عشرةٌ، ولو أنّ كِلَا الزوجين وقفَ عندَ هفواتِ الآخرِ، ما استمرتْ الحياةُ، بل صارتْ إلى هدمٍ وزوالٍ، وما صارَ أحدٌ مع زوجتِهِ في المجتمعِ كلِّه.
ثالثًا: خطورةُ غيابِ التواصلِ بين الآباءِ والأبناءِ (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).
هناكَ ظاهرةٌ خطيرةٌ منتشرةٌ في هذه الأيامِ، وهي ظاهرةُ غيابِ التواصلِ بين الآباءِ والأبناءِ، وذلك بسببِ الانشغالِ بوسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، أو انشغالِ كلِّ فردٍ من أفرادِ الأسرةِ بالأعمالِ المكلَّفِ بها تجاهَ مطالبِ الحياةِ والمعيشةِ.
ومن هنا نقفُ مع عدةِ عواملٍ وأسبابٍ تجلبُ التواصلَ والرحمةَ والمودةَ بين أفرادِ الأسرةِ عامةً، ومن هذهِ العواملِ:
الاجتمـاعُ علـى الطعـامِ: فالاجتمـاعُ علـى مائـدةِ الطعامِ، مظهـرٌ مـن مظاهـرِ الترابطِ الُأسَـريِّ، وفيـه فرصـةُ تبسُّـطِ الوالـدِ مـع أولادِهِ والاقـترابِ منهـم، وتبسُّـطِ الـزوجِ مـع زوجتِـهِ والتـوددِ إليها، ونشر الرحمة بين الجميع، فضلا عن بركة الطعام. فعَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ، قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَتَفَرَّقُونَ. قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: ” اجْتَمَعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ “. (أبـو داو وابن حبان بسند حسن).
ومنها: التشاورُ والنقاشُ وقبولُ رأيِ الآخرِ واحترامُهُ: قالَ تعالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}. (آل عمران: 159)، وقالَ جلَّ شأنهُ: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } (الشورى: 38)، وكان النبـيُّ ﷺ يستشـيرُ أزواجَـُه، فنتذكرُ جميعًا استشـارتَهُ للسيدةِ أمِّ سلمةَ رضي اللهُ عنهَا في صلـحِ الحديبيـةِ حينمَا امتنعُوا عن الذبحِ والتحللِ والرجوعِ إلى المدينةِ، فقالت لـهُ: «اخـرُجْ ولا تُكلِّمَـنَّ أحـدًا منهُـم كلمـةً حتَّـى تنحَـرَ بُدنَـكَ وتدعـوَ حالقَكَ، فقـام النَّبـيُّ ﷺ فخرَج ولـم يُكلِّمْ أحـدًا منهُم، حتَّى نحَـر بُدْنَـه ثـمَّ دعـا حالقَـهُ فحلَقـهُ، فلمَّـا رأى ذلـك النَّـاسُ جعَـل بعضُهـم يحلِـقُ بعضًـا حتَّـى كاد بعضُهـم يقتُـلُ بعضًـا.» (البخاري)، فكانـت مشـورةُ أمِّ المؤمنيـنَ أمِّ سـلمةَ فيهَـا الحـلُّ لِمَـا أهـمَّ النبيّ ﷺ.
ومنها: حسنُ العشرةِ: والمرادُ بهِ إحسانُ الصحبةِ، وكفُّ الأذَى، وعدمُ مَطلِ الحقوقِ مع القدرةِ، وإظهارُ البِشرِ والطلاقةِ والانبساطِ، وهي واجبةٌ على الزوجِ، والأصلُ فيهَا قولُهُ تعالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. [النساء: 19]. قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ هذه الآيةِ: “أي: طيِّبُوا أقوالَكُم لهنَّ، وحسِّنُوا أفعالَكُم وهيئاتِكُم بحسبِ قدرتِكُم كمَا تحبُّ منها، فافعلْ أنتَ بهَا مثلَهُ”. فيطيبُ لهَا الكلامُ، وهي كذلكَ، حتى لو بالكذبِ تألفًا للقلوبِ، فعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْكَذِبِ فِي ثَلاَثٍ: فِي الْحَرْبِ، وَفِي الإِصْلاَحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَوْلِ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ (مسند أحمد). وقد سـألَ رجـلٌ زوجتَـهُ هـل تُبغضيننِـي؟ فأجابـتْ: نعـمْ أُبغِضُـكَ، فانطلـقَ الرجـلُ بها إلـى عمرَ بـنِ الخطابِ يشـكو إليـه، فقالـتْ المـرأةُ لعمـرَ: إنّـهُ اسـتحلفنِي فكرهـتُ أنْ أكـذبَ، فقـالَ عمـرُ: بلـى فلتكـذبْ إحداكـنَّ ولتُجَمِّـلْ، فليـسَ كلُّ البيـوتِ تُبنـٰى علـٰى الحُـبِّ، ولكـنْ معاشـرةٌ علـى الأحسـابِ والإسـلامِ. [كنـز العمـال.]
ومنها: الملاطفةُ والمداعبةُ: كما كان الرسولُ ﷺ يقضِي بعضَ أوقاتِهِ لملاعبةِ الزوجةِ وممازحتِهَا وملاطفتِهَا، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهِيَ جَارِيَةٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ” تَقَدَّمُوا ” فَتَقَدَّمُوا , ثُمَّ قَالَ: ” تَعَالِ أُسَابِقْكِ ”، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلِيَّ “، فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، خَرَجْتُ أَيْضًا مَعَهُ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ” تَقَدَّمُوا “، ثُمَّ قَالَ: “تَعَالِ أُسَابِقْكِ”، وَنَسِيتُ الَّذِي كَانَ، وَقَدْ حَمَلْتُ اللَّحْمَ “، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ أُسَابِقُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ فَقَالَ:” لَتَفْعَلِنَّ” فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي”، فَقَالَ: ” هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ “. (أبو داوود والنسائي بسند صحيح)، وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:” كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي، دَعْ لِي. قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ “. (مسلم). وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ». (مسلم).
ومعنى: (أتعرق العرق): أي العظم الذي عليه بقية من لحم.
ففي هذه الأحَاديثِ: تَواضُعُ النَّبيِّ ﷺ ولُطْفُه مع أَهْلِه، وبيانُ ما كان عليهِ مِنْ حُسْنِ العِشْرةِ والرحمةِ.
ومنها: إحساسُ كلٍّ مِن الزوجينِ بالآخر: فقد كان ﷺ حريصًا على دراسةِ نفسيةِ زوجاتِهِ وما يدورُ في أذهانِهِنَّ. فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى» قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ:” أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ” (متفق عليه).
كما كان ﷺ حريصًا على مواساةِ الزوجةِ ومسحِ دموعِهَا وتطييبِ خاطرِهَا، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَهَا فَأَبْطَأْتُ فِي الْمَسِيرِ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي وَتَقُولُ: «حَمَلْتَنِي عَلَى بَعِيرٍ بَطِيءٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ عَيْنَيْهَا وُيُسْكِتُهَا (النسائي في الكبرى).
فهذهِ مجموعةٌ من العواملِ والوسائلِ التي تعملُ على التواصلِ والترابطِ بين أفرادِ الأسرةِ، وتجلبُ الرحمةَ والمودةَ بينَ الزوجينِ والأسرةِ جميعًا، والتي لو تحققتْ فيها لعمَّ الاستقرارُ والسعادةُ والرفقُ والرحمةُ والسلامةُ والاطمئنانُ.
نسألُ اللهَ أنْ يجمع شملنا وأن يؤلف بين قلوبنا، وأنْ يحفظَ أسرَنا وبلادَنا مِنْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.
الدعاء،،،،،،، وأقم الصلاة،،،،، كتبه : خادم الدعوة الإسلامية



