أخبار الأزهر

كلمة شيخ الأزهر حول اتفاقية “سيداو” والتكتيك المتدرج: حول حقوق المرأة ومحاولات العولمة وتحديات الهوية الثقافية . فيديو

اتفاقية “سيداو” والتكتيك المتدرج: محاولات العولمة وتحديات الهوية الثقافية

تثير اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) نقاشات واسعة ومستمرة في المجتمعات العربية والإسلامية، لما تحمله من تداخلات عميقة تلامس بنية الأسرة، وحقوق المرأة، والخصوصيات الثقافية والدينية. وفي هذا السياق، تبرز قراءة تحليلية لطبيعة هذه الاتفاقية والآليات التي تتبعها الجهات الدولية لتمرير بنودها، والوصول بها إلى مرحلة “الإلزام الكامل”.

التدرج الفكري: من الطرح المحلي إلى العولمة

لم تكن بنود اتفاقية “سيداو” وليدة لحظة واحدة في تطبيقها العالمي، بل اعتمد القائمون عليها على تكتيك سياسي وفكري محسوب ومدروس بعناية، يقوم على عدة مراحل:

  1. طرح الفكرة: تبدأ العملية بتقديم البنود كأفكار عامة للنقاش في الأوساط الغربية.
  2. العولمة ونقل النقاش: يُنقل هذا الجدل من نطاقه المحلي الغربي إلى الفضاء العالمي، ليتحول من مجرد نقاش إقليمي إلى قضية دولية عامة.
  3. تقديم المغريات: تسعى الجهات الدولية لتقديم حوافز ومغريات مختلفة لحث الدول—ولا سيما الدول النامية والعربية—على التوقيع والانضمام.

فخ “التحفظ” ومراحل الإلزام التدريجي

في البدايات، مُنحت الدول الموقعة مرونة ومساحة حرية لإبداء “التحفظ” على بعض المواد التي قد تتعارض مع قيمها وثقافتها المحلية أو تشريعاتها الدينية. إلا أن هذا التحفظ—بحسب القراءة التحليلية—لم يكن سوى خطوة تكتيكية مؤقتة.

فبمرور الوقت، انتقلت الاستراتيجية الدولية إلى مرحلة جديدة، تتمثل في الضغط على الدول التي وقعت مع إبداء تحفظات، ومطالبتها برفع تلك التحفظات بشكل كامل. هذا التحول يجعل من “التحفظ” مجرد مرحلة انتقالية تقود في النهاية إلى القبول الإجباري والشامل بجميع البنود دون استثناء، وهو ما يفسر وصول أغلب الدول العربية للتوقيع على الاتفاقية بحلول عام 2009، مع تباين مواقفها بين مَن تحفظ ومَن لم يتحفظ، لتواجه الآن ضغوطاً متزايدة للتخلي عن تلك التحفظات. مفارقة لافتة ومثيرة للاهتمام تشير إلى أن دولاً كبرى ك الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُقدم نفسها كراعية للحريات، لم توقع على هذه الاتفاقية.

انعكاس للنموذج الغربي وليس معياراً كونياً

تُظهر القراءة المتعمقة لاتفاقية “سيداو” أنها في جوهرها انعكاس للمنظور الاجتماعي والثقافي والسلوكي للمرأة في المجتمعات الغربية (سواء في أوروبا أو أمريكا). وبالتالي، فإن تقديم هذه البنود كـ “مرحلة حضارية” يجب على كافة المجتمعات بلوغها، يمثل محاولة لفرض نموذج ثقافي أحادي الجانب، يتجاهل التباينات العميقة بين الحضارات، ويصطدم بالبنية التشريعية والأخلاقية للمجتمعات الأخرى التي ترى في بعض هذه البنود مساساً مباشراً بكيان الأسرة واستقرارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى