سلسلة زاد الأئمة والخطباء الإصدار (60)… “سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي” الجمعة ١١ محرم ١٤٤٨هـ ٢٦-٠٦-٢٠٢٦م

سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي
الهدف المراد توصيله: التوعية بأهمية صفاء النفس وسلامة الصدر وأثرهما في نشر السلم في المجتمع.
الخطبة الثانية: التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم.
الحمد رب العالمين، أجزل ثواب العاملين، وأحسن جزاء المخلصين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه الذين أحسنوا في أعمالهم وتزودوا من دنياهم لآخرتهم، والله يحب المحسنين؛ أما بعد:
فمن أجلِّ النِّعم، وأسمى العبادات القلبيّة التي غابت عن قلوبٍ كثيرة، سلامةُ الصدر؛ تلك الطهارة الخفيّة التي إذا فُقدت، تفشّت الخصومات، وتقطعت الأرحام، واضطربت أواصر المجتمع، وكأنّ السكينة قد رُفِعت من بين الناس.
ومعنى سلامة الصدر: خلو القلب من الغل والحقد والحسد والضغينة والبغضاء لعباد الله، إنها الراحة المعجلة في الدنيا، والنجاة المؤكدة في الآخرة.
- سلامة الصدر من صفات الأنبياء والمرسلين عليهم السلام
وصف الله تعالى خليلَه إبراهيم عليه السلام، بهذه الصفة الجليلية فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِیعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِیمَ ٨٣ إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ﴾ [الصافات: ٨٣: ٨٤]، أي: “بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد والغل والخديعة والرياء، والمراد بمجيئه ربه بقلبه: إخلاص قلبه لدعوة الحق، واستعداده لبذل نفسه وكل شيء يملكه في سبيل رضا ربه عز وجل” [التفسير الوسيط للقرآن الكريم].
وهذا يوسف عليه السلام حينما التقى بإخوته قال لهم على سبيل الصفح والعفو ﴿لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ یَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِینَ﴾ [يوسف: ٩٢]، ثم أعلن سلامة صدره تجاههم حيث أسند ما فعلوه معه إلى الشيطان؛ لأن في ذلك سترًا عليهم وتأدبًا معهم فقال حكاية عنه: ﴿مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّیۡطَٰنُ بَیۡنِی وَبَیۡنَ إِخۡوَتِیۤۚ﴾ [يوسف: ١٠٠].
أما سيدنا محمد ﷺ؛ فقد بلغ في طهارة القلب وسلامته من الأحقاد والضغائن وسائر الآفات القلبية غاية الكمال، حتى استحق أن يمتن الله سبحانه وتعالى عليه بقوله: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ [الشرح: ١]، فلم يكن شرح الصدر النبوي مجرد سعة في الصبر وقوة التحمل، بل كان نورًا وإيمانًا ورحمةً وحِلمًا وعفوًا، حتى اتسع قلبه للناس جميعًا؛ يؤذيه قومه فيعفو، ويكذبونه فيدعو لهم، ويخرجونه من وطنه ثم يقول لهم يوم الفتح: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءِ»، فكان ﷺ أصفى الناس صدرًا، وأطهرهم قلبًا، وأبعدهم عن الغل والحقد والانتقام للنفس.
قال الإمام الفخر الرازي: “فإن قيل: لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ فالجواب أن محل الوسوسة هو الصدر، كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِی یُوَسۡوِسُ فِی صُدُورِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، فإزالة تلك الوسوسة، وإبدالها بدواعى الخير، هي الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب”.
قال محمد بن علي الترمذي: “القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكًا أغار فيه، وبث فيه الهموم، فيضيق القلب، ولا يجد للطاعة لذة، وإذا طرد العدو في الابتداء، حصل الأمن، وانشرح الصدر” [مفاتيح الغيب باختصار].
- سلامة الصدر من صفات أهل الجنة
أخبر سبحانه ما هم عليه في الجنة من صفاء نفسي، ونقاء قلبي فقال تعالى: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَٰبِلِینَ﴾ [الحجر: ٤٧].
رَوَى الْقَاسِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: “يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالضَّغَائِنِ حَتَّى إِذَا تَوَافَوْا وَتَقَابَلُوا نَزَعَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ غِلٍّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ﴾” [رواه ابن جرير في جامع البيان].
عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ…، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ» [رواه البخاري].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ» [رواه البخاري].
عن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشير: “أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟، قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرُون كثيرًا، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: “لسلامة صدورهم”.
وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قَالَ: “كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ، تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي (أي خاصمته)، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ، فَعَلْتَ- قَالَ: نَعَمْ- قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ عز وجل، وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ، لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ” [رواه أحمد].
- سلامة الصدر من أخلاق الأبدال
وعدَّ أبو الليث السمرقندي سلامة الصدر في مقدمة أخلاق الأبدال، وجعلها أساسًا تتفرع عنه الرحمة بالمؤمنين والنصيحة للخلق وسائر مكارم الأخلاق؛ فقال: “أَخْلَاقُ الْأَبْدَالِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ: سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَسَخَاوَةُ الْمَالِ، وَصِدْقُ اللِّسَانِ، وَتَوَاضُعُ النَّفْسِ، وَالصَّبْرُ فِي الشِّدَّةِ، وَالْبُكَاءُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْخَلْقِ، وَالرَّحْمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّفَكُّرُ فِي الْفَنَاءِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْأَشْيَاء” [تنبيه الغافلين]، إذ لا يمكن أن يقارَن قلب ممتلئ بالأحقاد بقلب مشفق رحيم يحمل الخير للناس.
بل إن أهل المعرفة بالله رأوا في سلامة الصدر طريقًا من أقرب الطرق الموصلة إلى الجنة، كما قال أبو الحسين الكلابي “أخبرنا سعيد قال: سمعت قاسمًا الجوعي يقول: أصل الدين: الورع، وأفضل العبادة: مكابدة الليل، وأفضل طرق الجنة: سلامة الصدر” [جزء من حديث الكلابي عن شيوخه]، لأن الجنة دار السلام، ولا يليق بدخولها إلا من ذاق في الدنيا شيئًا من سلامة القلب وصفائه.
وإذا استقرت سلامة الصدر في القلب ظهرت آثارها على الجوارح والملامح، فالبشاشة الصادقة، والوجه الطلق، والكلمة الطيبة، كلها شواهد على ما يحمله القلب من صفاء، ولذلك قيل: “ثلاث نواطق وإن كن خرسا: .. وحسن البِشر دليل على سلامة الصدر” [بهجة المجالس]، فالقلب الطاهر يفيض نورًا على صاحبه، ويجعل حضوره راحةً للناس، كما يجعل غيابه موضع شوقٍ ومحبة.
- سلامة الصدر سبيل النجاة والمغفرة
لقد عظَّم القرآن الكريم والسنة النبوية شأن القلب السليم، وجعلا صفاءه من الأحقاد والأضغان، ونقاءه من الحسد والبغضاء، من أعظم أسباب الفوز برضا الله تعالى، فالقلب إذا تطهَّر من أمراضه، وامتلأ بنور الإيمان والعلم النافع، أصبح صاحبه ناصحًا لإخوته، محبًّا للخير لهم كما يحبه لنفسه، يسعى في نشر المودة والوئام بين الناس، ومن أجلِّ ما يبيِّن منزلة سلامة الصدر أن الله تعالى جعلها سبيل النجاة يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿یَوۡمَ لَا یَنفَعُ مَالࣱ وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبࣲ سَلِیمࣲ﴾ [الشعراء: ٨٨- ٨٩].
فالسعيد حقًّا من لقي ربَّه بقلبٍ طاهرٍ من الغلِّ والحقد، عامرٍ بالإخلاص والمحبة واليقين، إذ لا نجاة في ذلك اليوم إلا لأصحاب القلوب السليمة.
إن سلامة الصدر عبادة قلبية عظيمة تمنح صاحبها سكينة النفس وطمأنينة الروح، وتحرره من أثقال الأحقاد والضغائن التي تستهلك القلب وتكدِّر صفو الحياة؛ فالمؤمن الصادق لا يرضى أن يحمل في قلبه غشًّا لأحد من المسلمين، ولذلك أوصى النبي ﷺ أنس بن مالك رضي الله عنه بهذه الوصية الجامعة: «يا بُنيَّ إنْ قَدَرْتَ أن تُصْبحَ وتُمْسيَ ليس في قَلْبِكَ غِشٌّ لأحدٍ فافْعلْ»؛ لأن القلب النقي أقرب إلى اتباع السنة وأدنى إلى مرافقة النبي ﷺ في الجنة، ولذلك أتبعها ﷺ بقوله: «يا بُنيَّ وذلكَ من سُنّتي، ومن أحيا سُنّتي، فقد أحياني، ومن أحياني، كانَ مَعِي في الجنَّةِ» [رواه الترمذي].
وقد زكَّى القرآن الكريم قلوب المؤمنين بهذا المعنى الرفيع، فجعل من دعاء أهل الإيمان أن يسألوا ربهم تطهير قلوبهم من الغل والحسد؛ فقال تعالى على لسانهم: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیمٌ﴾ [الحشر: ١٠]؛ فصلاح المجتمع يبدأ من القلوب التي امتلأت رحمةً ومحبةً ودعاءً لإخوتها.
وسلامة الصدر من أسباب نيل مغفرة الله تعالى ورحمته، ولذلك جاء التحذير الشديد من الشحناء والبغضاء؛ لأنهما يحجبان العبد عن مواسم الخير والرحمات، كما في قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [رواه ابن ماجه]؛ فكم من قلب حُرم نفحات المغفرة بسبب ضغينة استقرت فيه ولم يسع صاحبها إلى اقتلاعها.
ولهذا كان السلف الصالح يعدّون سلامة الصدر من أعظم ما يدخره العبد لآخرته، حتى قال أبو دجانة رضي الله عنه وهو في مرض موته: “مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَوْثَقَ فِي نَفْسِي مِنَ اثْنَتَيْنِ: لَمْ أَتَكَلَّمْ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، وَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيمًا” [الصمت وآداب اللسان]، فقد أدرك أن الأعمال الظاهرة تكتمل بصفاء الباطن، وأن القلب السليم من أجلِّ ما يلقى به العبد ربَّه.
ومن هنا أكد أهل التربية والسلوك أن نور القلب وصفاءه لا يتحقِّقان إلا بسلامة الصدر، فقال الحارث المحاسبي: “اعْلَم أَنه لَا طَرِيق أقرب من الصدْق، وَلَا دَلِيل أنجح من الْعلم، وَلَا زَاد أبلغ من التَّقْوَى، وَمَا رَأَيْت أنفى للوسواس من ترك الفضول، وَلَا أنور للقلب من سَلامَة الصَّدْر” [رسالة المسترشدين]، فكلما طهر العبد قلبه من الفضول والعداوات، ازداد بصيرةً وهدايةً وإقبالًا على الله تعالى، وانفتحت له أبواب الطمأنينة التي يفتقدها كثير من الناس.
- سلامة الصدر من أفضل الأعمال
العبرة في ميزان الله تعالى بحقيقة ما يستقر في القلب من صفاء وإخلاص ومحبة للخلق، ولذلك قال بعض الصالحين: “أفضل الأعمال سلامة الصّدور، وسخاوة النّفوس، والنّصيحة للأمّة؛ وبهذه الخصال بلغ مَن بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصّوم والصّلاة” [لطائف المعارف]، فكم من عملٍ قليلٍ عَظُم عند الله لِمَا صاحَبَه من نقاء القلب، وكم من عملٍ كثيرٍ حُرم صاحِبه بركته بسبب ما امتلأ به قلبه من غلٍّ أو حسدٍ أو بغضاء.
ومن كمال خُلُق النبي ﷺ وعظيم أدبه أنه كان يحرص على بقاء قلبه نقيًّا تجاه أصحابه، بعيدًا عن أسباب الجفوة وسوء الظن، فقال: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» [رواه أبو داود]، إنها مدرسة نبوية تُعلِّم المؤمِنَ أن يحفظَ قلبه من سماع ما يورث الضغائن، وأن يلتمس لإخوته الأعذار، ليظل رابط المحبة أقوى من دواعي الفرقة والنزاع.
- القلب المخموم
بيَّن النبي ﷺ أن صفاء القلب من أعظم أسباب التفاضل بين الناس، فلما سُئل: “أيُّ النَّاسِ أفضلُ؟” أجاب بقوله: «كلُّ مَخمومِ القلبِ صَدوق اللِّسانِ»، ثم فسَّر مخموم القلب بأنه: «التَّقيُّ النَّقيُّ لا إثمَ فيه ولا بَغيَ، ولا غِلَّ، ولا حسَدَ» [رواه ابن ماجه]، فاجتمع له صلاح الظاهر بصدق اللسان، وصلاح الباطن بطهارة القلب، فاستحق بذلك منزلة الفضل بين الخلق.
ومن ثمار سلامة الصدر أن يتحول القلب إلى منبعٍ للخير العام، فيفرح بما ينفع المسلمين وإن لم يكن له فيه حظٌّ خاص أو مصلحة شخصية، وهذا ما جسَّده عبد الله بن عباس رضي الله عنهماحينما شَتَمَه رَجُلٌ فقال له: “إِنَّكَ لَتَشْتُمُنِي وَفِيَّ ثَلَاثُ خِصَالٍ، إِنِّي لَآتِي عَلَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ -عز وجل- فأود أَنَّ النَّاسَ عَلِمُوا مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَعْلَمُ، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَقْضِي بالعدل ويحكم بالقسط فأفرح به وأدعو إليه، وَلَعَلِّي لَا أُقَاضِي إِلَيْهِ وَلَا أُحَاكِمُ أَبَدًا وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ يُصِيبُ الْأَرْضَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْرَحُ بِهِ وَمَا لِي بِهَا مِنْ سَائِمَةٍ أَبَدًا” [رواه البيهقي].
فإذا طهرت القلوب من الحسد والغل، وامتلأت بالنصيحة والمحبة، صارت أقرب إلى الله تعالى، وأعظم أثرًا في إصلاح الخلق، وكان صاحبها من أهل القلوب المخمومة التي أثنى عليها النبي ﷺ، وجعلها عنوانًا لأفضل الناس وأكرمهم عند الله.
- أثر تآلف القلوب وسلامتها في تحقق النصر
قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَیَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٦٢ وَأَلَّفَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مَّاۤ أَلَّفۡتَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ﴾ [الأنفال: ٦٢: ٦٣].
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ، قال رسول ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي» [رواه البخاري].
قال الزمخشري: “التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله ﷺ من الآيات الباهرة؛ لأن العرب -لما فيهم من الحمية والعصبية، والانطواء على الضغينة- لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله ﷺ واتحدوا، وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتواد، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب، في الله والبغض في الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو يقلبها كيف يشاء، ويصنع فيها ما يريد، قيل: هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى، وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن، ويديم التحاسد والتنافس، فأنساهم الله – تعالى – ذلك كله، حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا وصاروا أنصارا، وعادوا أعوانا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه، وبليغ قدرته” [الكشاف عن حقائق التنزيل].
- الشحناء سبب في عدم قبول الأعمال
من أعظم الآفات التي تُفسد على العبد سيره إلى الله تعالى، وتحرمه نفحات الرحمة والمغفرة، ما يستقر في القلب من شحناء وعداوة وبغضاء للمسلمين، فكم من إنسانٍ يجتهد في الطاعات، ويحرص على القربات، ثم تحُول الخصومات والأحقاد بينه وبين تمام الانتفاع بعمله، لأن الله تعالى يريد من عباده قلوبًا متآلفة متراحمة، لا نفوسًا متنافرة متدابرة، ولذلك حذَّر النبي ﷺ من خطورة الشحناء، وبيَّن أنها سبب في تأخير المغفرة وحرمان صاحبها من فضل الله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [رواه مسلم].
- أسباب سلامة الصدر
١- كثرة الدعاء واللجوء إلى الله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رَسُول اللهِ ﷺ يقول فِي دُعَائِهِ: «اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا» [متفق عليه].
وعن شَدَّاد بْن أَوْسٍ قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا» [رواه الترمذي والنسائي].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» [رواه ابن ماجه].
٢- حسن الظن بالخلق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِی ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ﴾ [فصلت: ٣٤].
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: “كَتَبَ إِلَيَّ بَعْضُ إِخْوَانِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: “أَنْ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ مَا لَمْ يَأْتِكِ مَا يَغْلِبُكَ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهُ فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا … وَمَا كَافَأْتَ مَنْ عَصَى اللهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللهَ فِيهِ” [رواه البيهقي].
ودخلَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ على الإمام الشَّافعي رضي اللهُ عنه وهو مريضٌ فقالَ له: “قوَّى اللهُ ضَعفَك”، أخطأَ في التَّعبيرِ، فقال الشافعي: “لو قوَّى اللهُ ضَعفي لقتلني”، فقالَ الرَّبيعُ: “واللهِ ما أردتُ إلا الخيرَ”، قالَ الشَّافعيُّ: “أعلمُ أنك لو شَتمتني لم تُرِد إلا الخيرَ” [رواه ابن أبي حاتم في “آداب الشافعي ومناقبه”].
- احذر الحالقة
عن الزُّبَيْر بْن العَوَّامِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [رواه الترمذي وأحمد].
وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» [متفق عليه].
- تجنب مجالس الغيبة والنميمة
فهي تملأ القلوب غيظًا وحنقا على الناس؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَأَبْغَضَكُمْ إِلَى اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ» [رواه الطبراني في المعجم الكبير].
- تدريب النفس واللسان على السلامة والمعافاة نحو الغير
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: “إِنَّ النِّعْمَةَ تُكْفَرُ، وَالرَّحِمَ تُقْطَعُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُؤَلِّفُ بَيْنَ الْقُلُوبِ، وَإِذَا قَارَبَ بَيْنَ الْقُلُوبِ لَمْ يُزَحْزِحْهَا شَيْءٌ أَبَدًا، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مَّاۤ أَلَّفۡتَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَیۡنَهُمۡۚ﴾ [الأنفال: ٦٣] [رواه الحاكم في “المستدرك”، وصححه ووافقه الذهبي].
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: “الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ” [رواه البيهقي في “شعب الإيمان”].
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [رواه أحمد].
- أثر سلامة الصدر في السلم المجتمعي
١- وقف العنف: الجرائم تبدأ بفكرة، ثم حقد، ثم تنفيذ؛ فإذا طهُر القلب من الحقد، سَلِم الناس من الأذى، وقد بدأت قصة ابني آدم بحسد في القلب: ﴿إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانࣰا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ یُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡءَاخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ﴾ [المائدة: ٢٧].
٢- تماسك الأسرة: كم من بيوت هُدمت بسبب كلمة نُقلت، أو ظن سيء أُضمر؟ سلامة الصدر تحفظ البيوت من التفكك، والأرحام من القطيعة.
٣- التعاون والبناء: القلوب المتنافرة لا تبني وطنًا ولا تشيد حضارة، ذلك أن البناء يحتاج إلى قلوب متآلفة، قال ﷺ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا» [متفق عليه].
- إجراءات عملية لتنقية القلب وتحقيق السلم المجتمعي
١- إخلاص النية والرضا بقضاء الله: اعلم أن الرزق مقسوم، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك؛ فالحسد اعتراض على قسمة الله، والرضا يورث راحة البال.
٢- التماس الأعذار: يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملا” درّب نفسك أن تقول: لعل له عذرًا لا أعلمه.
٣- مقابلة السيئة بالحسنة: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِی ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ ٣٤ وَمَا یُلَقَّىٰهَاۤ إِلَّا ٱلَّذِینَ صَبَرُوا۟ وَمَا یُلَقَّىٰهَاۤ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِیمࣲ ٣٥ وَإِمَّا یَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّیۡطَٰنِ نَزۡغࣱ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [فصلت ٣٤ – ٣٦].
قال الشاعر:
فما هو إلا الاستعاذةُ ضارعًا * * * أو الدفعُ بالحسنى هما خيرُ مطلوبِ
فهذا دواءُ الداءِ مِنْ شرِّ ما يُرى * * * وذاكَ دواءُ الداءِ مِنْ شرِّ محجوبِ
٤- الدعاء لمن تعاديه: هذه من أصعب الأمور على النفس، ولكنها أشدها فتكًا بالشيطان، إذا دعوت لمن ظلمك أو آذاك بظهر الغيب، يقول الملك: “ولك بمثل”، ويذوب الغل من قلبك تدريجيا.
٥- الهدية والكلمة الطيبة: قال ﷺ: «تَهَادُوا تَحَابُّوا» الهدية “تسل” السخيمة (أي تخرج الحقد) من الصدر، بادر من خاصمته برسالة، بابتسامة، أو بهدية بسيطة.
٦- تذكر قِصر عمر الدنيا: الدنيا لا تستحق أن نعادي بعضنا لأجلها، أو نقطع أرحامنا بسببها، نحن هنا ضيوف، وسنرحل قريبا، فلنرحل بقلوب بيضاء.
۞۞۞
الخطبة الثانية
التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم
حين تتكاثر الشبهات، وتتعالى أصوات التشكيك، وتُبثُّ روح التشاؤم في النفوس، تبرز الحاجة إلى ترسيخ اليقين الذي به تحيا القلوب وتستقيم الحياة، فالتشكيك المفْرط لا يورث صاحبه علمًا ولا طمأنينة، بل يبدد الأمل، ويُضعف العزيمة، ويُشيع في المجتمعات أجواءً من السلبية والحيرة والإحباط تعوق مسيرة البناء والعمران.
وما الإيمان إلا ثمرة من ثمار اليقين، يقوى بقوته ويضعف بضعفه؛ فكلما ازداد العبد يقينًا بربه ووعده وقدره، ازداد ثباتًا وطمأنينةً وحسنَ ظنٍّ بالله تعالى، ولذلك عدَّ الصالحون اليقين من أجلِّ ما يُمنحه العبد، فقال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إنَّ أَعْظَمَ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ، وَخَيْرَ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَخَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَرَأْسَ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ، وَخَيْرَ مَا أُلْقِيَ فِي الْقُلُوبِ الْيَقِينُ” [الزهد لهناد].
ومن هنا تأتي أهمية مواجهة هذه الآفة الخطيرة، ليس بمجرد الإنكار عليها، بل بتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تغذيها، وكشف آثارها المدمرة على الفرد والمجتمع، وغرس المعاني الإيمانية الصحيحة.
- جاء الإسلام باليقين وطرد الشك
جاء الإسلام ليبني القلوب على اليقين، ويحرر العقول من أسر الشكوك والأوهام، فاليقين هو النور الذي تهتدي به الأرواح، والركن الذي تستند إليه النفوس في مواجهة الفتن والمتغيرات.
وقد عبَّر العلماء عن اليقين بتعريفات متعددة تلتقي جميعها عند حقيقة واحدة، وهي رسوخ الإيمان وثباته في القلب، يقول الحكيم الترمذي: “هو نور يحدث على قلبك من نور معرفتك، ونور إلهك الذي هو نور السماوات والأرض ونور كل شيء، فإذا أقبلت على الله تبارك اسمه، أشرق القلب بالنور، فذلك اليقين” [أدب النَّفس]، فاليقين إشراقٌ رباني يبدد ظلمات الشك، ويمنح القلب بصيرة يرى بها حقائق الأمور على وجهها الصحيح.
وقد فرَّق العلماء بين العلم واليقين، فالعلم هو إدراك الحقيقة ومعرفتها، أما اليقين فهو سكون النفس وطمأنينة القلب إلى ما علم، حتى يصبح الإيمان حقيقةً حاضرةً في الوجدان لا تعصف بها الشبهات ولا تزعزعها الحوادث، ولذلك كان اليقين أخصَّ من العلم وأبلغ أثرًا في حياة المؤمن.
ولعظيم منزلة اليقين أكثر القرآن الكريم من الثناء على أهله، فجعلهم أهل الهداية والفلاح، فقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡءَاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، وجعل الإمامة في الدين ثمرةً للصبر واليقين فقال: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةࣰ یَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ۖ وَكَانُوا۟ بِءَایَٰتِنَا یُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، ووصف القرآن بأنه بصائر وهدى ورحمة لأهل اليقين فقال: ﴿هَٰذَا بَصَٰۤئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠].
- اليقين يقطع حبال الشك عند المؤمن
ما من مسلم إلا ويغلبه الشيطان بالتفكر فيما يعكر صفو إيمانه، ولكن المؤمن فطن يقطع على الشيطان حيله، والمنافق يروح ويجيء حيثما أراد شيطانه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النبي ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» [متفق عليه].
قال الإمام ابن بطال: “إن هذا السؤال: مَن خلق الله؟ لا ينشأ إلا عن جهل مفرط، فإن الموسوس إن قال: ما المانع أن يخلق الخالق نفسه؟ قيل له: هذا ينقض بعضه بعضًا؛ لأنك أثبت خالقًا، وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلق نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودًا معدومًا فاسد لتناقضه؛ لأن الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون نفسه فعلًا له” [فتح الباري].
قال الإمام الخطابي: “كلام متهافت ينقض آخره أوله؛ لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقًا ثم لو كان السؤال متجهًا لاستلزم التسلسل وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث، فلو كان هو مفتقرًا إلى محدث لكان من المحدثات” [فتح الباري].
- أثر اليقين في محاربة الهوى
إن الرغبة الجامحة في الشهوات، والتفلت من قيود الدين، مظهر سيئ للإلحاد المعاصر، فلا حلال ولا حرام، ولا رقيب ولا حساب، ولا “تأنيب الضمير” وهذا ما يسمى ب “الإلحاد المادي النَّفعي”، فيرى أن الإله يقف عقبة أمام غاياته المادية البحتة.
وكثيرًا ما يكون الإلحاد تعبيرًا عن رغبة في التمرد على السلطة أو المنظومات السائدة، سواء كانت دينية أو اجتماعية، فبعض الأفراد قد يرون في الدين قيودًا تحد من حريتهم الشخصية، فيلجؤون إلى الإلحاد كوسيلة للتحرر من هذه القيود، أو للتحلل من المسئوليات والتكاليف الشرعية.
حتى قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما: “ما ذكر الله عز وجل الهوى في كتابه إلا ذمَّه، وكذلك في السُّنَّة لم يجئ إلا مذمومًا، إلا ما جاء منه مُقيَّدًا؛ كقوله ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لَمَّا جِئْتُ بِهِ» [رواه الخطيب في تاريخ بغداد، والبيهقي في السنن الكبرى]، وقال الشاطبي رحمه الله: سُمِّي الهوى هوًى؛ لأنه يَهْوي بصاحبه إلى النار.
وقال سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه: “إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه، فإن كان عمله تبعًا لهواه؛ فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعًا لعلمه؛ فيومه يوم صالح” [صفة الصفوة].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ؛ فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتِ: فَهَوًى مُتَّبِعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ أَشَدُّهُنّ» [رواه البيهقي في شعب الإيمان].
قال الحسن البصري: “لو أنَّ ابن آدم كلما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، أوشك أن يُجَن من العُجب” [لطائف المعارف].



