خطبة الجمعة

خطبة الجمعة القادمة “سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي” ” الجمعة 11 محرم 1448هـ 26-6-2026م للشيخ خالد القط

الحمدلله رب العالمين ، نحمده تعالى حمد الشاكرين ، ونشكره شكر الحامدين .

 وأشهد أن لا إله  إلا الله ،  وحده  لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي و يميت ، وهو على كل شيء قدير ، القائل في كتابه العزيز  : (( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) سورة الحجر

 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، وصفيه من خلقه وحبيبه  ، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه

ذاأجمعين ، حق قدره ومقدره العظيم .

أما بعد

 أيها المسلمون ،  فإن  نقاء  وصفاء السيرة والسريرة،  لهو أقصر طريق لنور البصر والبصيرة ، لأن  بعض القلوب مظلمة معتمة  حتى لو سطع فيها نور الظهيرة ، وذلك بحقدها على الأهل والأصحاب والعشيرة ،  فطهر القلب من كل دنس حتى ترقى فى الجنان، وإلا تصلى سعيره  .

فاعلم  حفظك الله ورعاك ، أن مدار الأمر فى الإسلام على القلب   ، ولذلك أولى  الإسلام اهتماماً بالغاً بالقلب لأنه هو الذى يحرك الإنسان إما إلى الخير وإما إلى الشر ، وصدق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال  كما  فى حديث النعمان بن بشير المخرج  فى الصحيحين : (( ألا إن في الجسدِ مضغةً إذا صلَحتْ صلَحَ لها سائرُ الجسدِ وإذا فسدتْ فسد لها سائرُ الجسدِ ألا وهي القلبُ  )) ، وفى هذا المعنى أيضاً يقول عز من قائل : (( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ  )) سورة ق (37) ، ولذلك  فاعلم أن النجاة فى الآخرة لا تكون إلا للقلوب النقية والصدور  الصافية من كل شائبة ، قال تعالى على  لسان الخليل إبراهيم عليه السلام :  (( وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) سورة الشعراء  والقلب السليم هو القلب السالم من الشرك والغل والحقد والحسد وغيرها من الآفات والشبهات والشهوات المهلكة ،  ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ينبغى أن يكون عليه المسلم صادق الإيمان ،  كما فى الصحيحين  ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، أنه قال صلى الله عليه وسلم : (( لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ. ))  ، ولذلك  كم كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  ،  ما يدعو بهذه الدعوات حتى يرشدنا إلى قيمة وطهارة ونقاء  القلب ، فقد أخرج الإمام أحمد وغيره بسند صحيح ، من  حديث عبدالله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يقول : (( ربِّ تقبَّلْ توبَتي، واغْسِلْ حَوْبَتي، وأجِبْ دعْوَتي، وثَبِتْ حُجَّتِي، واهدِ قَلْبِي وسدِّدْ لساني، واسْلُلْ سَخِيمةَ قَلْبِي )) ، ومعنى اسْلُلْ سَخيمةَ قَلْبي”، أي: أخرِجْ مِن قَلْبي: الحِقْدَ والغِلَّ، والحسدَ والغِشَّ.  )) ، ولكى تضح  الصورة  أكثر عن قيمة القلب النقى والصدر السليم  ، فعند ابن ماجة وغيره بسند صحيح ، من حديث  عبدالله بن عمرو حين  سئل   صلى الله عليه وسلم عن أفضل  الناس ((   أفضلُ النّاسِ كلُّ مخمومِ القلبِ، صدوق اللِّسانِ، قالوا، صدوقُ اللِّسانِ نعرِفُه فما مخمومُ القلبِ؟ قال التَّقيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بغْيَ،، ولا غِلَّ، ولا حسَدَ )) ، حتى حكى لنا القرآن الكريم عن البعض  سؤالهم الله عز و جل طهارة القلوب من كل شائبة ، قال تعالى : (( وَٱلَّذِینَ جَاۤءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَ ٰ⁠نِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِی قُلُوبِنَا غِلࣰّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوفࣱ رَّحِیم )) سورة الحشر (10) ، وذلك لأن سلامة الصدر سبب مباشر لدخول الجنة  فعند النسائى وغيره بسند صحيح ، من حديث أنس بن مالك ، أنه  قال صلى الله عليه وسلم :  (( يطلُعُ الآنَ عليكم رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ فطلَع رجلٌ من الأنصارِ تنطُفُ لحيتُه من وضوئِه وقد تعلَّق نعلَيْه بيدِه الشِّمالِ فلمّا كان الغدُ قال النَّبيُّ ﷺ مثلَ ذلك فطلَع ذلك الرَّجلُ مثلَ المرَّةِ الأولى فلمّا كان اليومُ الثّالثُ قال النَّبيُّ ﷺ مثلَ مقالتِه أيضًا فطلَع ذلك الرَّجلُ على مثلِ حالِه الأولى فلمّا قام النَّبيُّ ﷺ تبِعه عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو فقال إنِّي لاحيتُ أبي فأقسَمْتُ ألّا أدخُلَ عليه ثلاثًا فإن رأَيْتَ أن تُؤوِيَني إليك حتّى تمضيَ فعَلْتَ قال نَعَم قال أنسٌ فكان عبدُ اللهِ يُحدِّثُ أنَّه بات معه تلك الثَّلاثَ اللَّيالي فلم يرَه يقومُ من اللَّيلِ شيئًا غيرَ أنَّه إذا تعارَّ تقلَّب على فراشِه ذكَر اللهَ عزَّ وجلَّ وكبَّر حتّى صلاةِ الفجرِ قال عبدُ اللهِ غيرَ أنِّي لم أسمَعْه يقولُ إلّا خيرًا فلمّا مضَتِ الثَّلاثُ اللَّيالي وكِدْتُ أن أحتقِرَ عملَه قُلْتُ يا عبدَ اللهِ لم يكُنْ بيني وبينَ أبي غضبٌ ولا هِجرةٌ ولكنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لنا ثلاثَ مرّاتٍ يطلُعُ عليكم الآن رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ فطلَعْتَ أنتَ الثَّلاثَ المرّاتِ فأرَدْتُ أن آويَ إليك فأنظُرَ ما عملُك فأقتديَ بك فلم أرَك عمِلْتَ كبيرَ عملٍ فما الَّذي بلَغ بك ما قال رسولُ اللهِ ﷺ قال ما هو إلّا ما رأَيْتَ قال فلمّا ولَّيْتُ دعاني فقال ما هو إلّا ما رأَيْتَ غيرَ أنِّي لا أجِدُ في نفسي لأحدٍ من المسلِمينَ غشًّا ولا أحسُدُ أحدًا على خيرٍ أعطاه اللهُ إيّاه فقال عبدُ اللهِ هذهِ الَّتي بلَغَت بك وهي الَّتي لا نُطِيقُ ))

ولذلك فإن الجنة لا يدخلها إلا نقى الصدر ، سليم القلب ، قال تعالى عن أهل الجنة :((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) سورة الحجر  .

 أيها المسلمون ،  ليعلم كل إنسان يمتلأ صدره بالحقد والضغينة والشحناء لعباد الله ، أنه على خطر كبير، وأن أعماله  التى يقوم بها فى مهب الريح ،  فعن أبى هريرة رضي الله عنه ، كما فى صحيح مسلم ،  أنه قال صلى الله عليه وسلم : (( تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ و الخميسِ، فيغفرُ اللهُ عزَّ وجلَّ لِكلِّ عبدٍ لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا، إلّا رجلًا كانَ بينَه وبينَ أخيهِ شحناء، فيقول: أنظروا هذينِ حتّى يصطلحا، أنظِروا هذينِ حتّى يصطلِحا،أنظِروا هذينِ حتّى يصطلِحا ))

أيها المسلمون ، إن خطر هؤلاء الصنف من البشر لا يكمن بداخلهم فقط ، وإنما يتعدى شرهم وضررهم أفراد المجتمع ، فلسان حالهم دائماً أنهم ساخطون على خلق الله  ،  فهم يتمنون السوء و الشر للجميع، بل أحياناً ما يترجم  ما فى قلوبهم إلى سلوك يتعدون به على خلق الله ، فإلى هؤلاء جميعاً كونوا راضين بما قسمه الله لكم فى هذه الحياة،  وحتى  تنعموا بالسلام النغسى ، والأمن والطمأنينة فى الحياة ، دعونا نفتح صفحة جديدة بيننا وبين كل الناس ،وليكن لسان حالنا ، كما قال أحدهم :

من اليوم تعارفنا

ونطوي ما جرى منا

فلا كان ولا صارَ

ولا قلتم ولا قلنا

وإن كان ولا بدَّ

من العتبى فبالحسنى

فعلينا أن نتعلم من السابقين   ، كيف  يكون، ضبط النفس وعدم الانتقام ، وكل ذلك نابع من سلامة الصدر ونقاء القلب ، وهو ما حدث مع نبى الله يوسف عليه السلام مع إخوته ، وعفوه وصفحه عنهم وكظمه للغيظ، وهكذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم  مع أهل مكة يوم فتحها ، يوم قال لهم  ( اذهبوا فأنتم الطلقاء) .

 الخطبة الثانية

 “””””””‘

أيها المسلمون ، فإن أكبر هاجس  يعكر صفو النفس البشرية هو هو الشك والريبة والقلق، مما يحرم النفس البشرية من السلام النفسى ، وإن الشيطان وأنباعه عبر التاريخ لهم تاثير بالغ فى هذا الأمر ، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه ، من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم :  (( يَأتي الشَّيطانُ أحَدَكُم فيَقولَ: مَن خَلَقَ كَذا وكَذا؟ حتَّى يَقولَ له: مَن خَلَقَ رَبَّك؟ فإذا بَلَغَ ذلك، فليَستَعِذْ باللهِ وليَنْتَهِ. )) ، ولذلك فإن تصدير جو اليأس والإحباط والتشاؤم فى نفوس الناس هو جريمة فى حق الإنسانية ، ولذ ا فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم ((  إذا قال الرجلُ هلكَ الناسُ فهوَ أهلَكُهُمْ ))  وفى رواية (( إذا سمِعْتَ الرَّجُلَ يقولُ: هلَك النّاسُ فهو أهلَكَهم )) .

 نسأل الله أن يحفظ مصر وأهلها من كل سوء وشر

حفظَ اللهُ مصرَ وأهلَها من كلِّ سوءٍ وشرٍّ

بقلم: الشيخ خالد القط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى