خطبة الجمعة

خطبةٌ الجمعة القادمة بعنوانِ “سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي ” الجمعة 11 محرم 1448هـ 26-6-2026م للدكتور خالد بدير

أولًا: حث الإسلام على سلامة الصدر.

ثانيا: الشحناء والبغضاء سبب لرفع الرحمات والبركات.

ثالثًا: التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).

ولقراءة خطبةٌ بعنوانِ: سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي للدكتور خالد بدير بتاريخ 11 محرم ١٤٤8هـ  – 26 يونيو ٢٠٢٦م كما يلي:

خطبةٌ بعنوانِ: سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي

11 محرم ١٤٤8هـ  – 26 يونيو ٢٠٢٦م

عناصرُ الخطبةِ:

أولًا: حث الإسلام على سلامة الصدر.

ثانيا: الشحناء والبغضاء سبب لرفع الرحمات والبركات.

ثالثًا: التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).

المـــوضــــــــــوعُ

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ أمَّا بعدُ:

أولًا: حث الإسلام على سلامة الصدر.

لقد حث الإسلام على سلامة الصدر والقلب  وطهارتهما من كل غل وحقد وحسد وبغضاء.

وقد امتدح الله أقوامًا بأنهم يدعونه تعالى أن يطهِّر قلوبهم ويسلِّمها من البغضاء والشحناء فقال: {وَٱلَّذِينَ جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإيمَـٰنِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ}. [الحشر:10]. وأخبر سبحانه أنه لا نجاةَ يوم القيامة إلا لمن سلِم قلبه، وسلامةُ القلب تقتضي طهارتُه من الغلِّ والشحناء والبغضاء، يقول جل من قائل: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. [الشعراء:88، 89].

كما أنه سبحانه أتمَّ النعمة على أهل الجنة بأن نزعَ ما في قلوبهم من الغلّ وجعلهم إخوانًا، ذلك أن الغلَّ يُشقي صاحبه ويتعذَّب به، يقول سبحانه عن أهل الجنة: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}. [الحجر:47].

بل إن أصحاب القلوب والصدور السليمة النقية الطاهرة، هي أول زمرة تدخل الجنة . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ : «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لاَ تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَحَاسُدَ، لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنَ الحُورِ العِينِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ العَظْمِ وَاللَّحْمِ». (البخاري). وعن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» .(البخاري).

ولقد فقه الصحابةُ الكرام هذا الأمرَ العظيم، فإذا بهم يحرصون على تنقية قلوبهم وسلامتها، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: ” كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ  مِثْلَ ذَلِكَ فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ  مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ  تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ أَنَسٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا ، فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  ؟! فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ قَالَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ” ( رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح ).

إن سنةَ النبي  عامرةٌ بالنصوص المؤكِّدة على أهمية طهارةِ القلوب وسلامتها من الغلِّ والشحناء والبغضاء، يُسأل عليه الصلاة والسلام: أيُّ الناس أفضل؟ فيقول: “كلّ مخموم القلب صدوق اللسان”، فيقال له: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ فيقول : “هو التّقي النقي، لا إثم ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد” (ابن ماجة بإسناد صحيح) ويقول : “لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا” (متفق عليه)، بل إنه  يقول:”لا تدخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا” (مسلم). ويقول : “ألا أخبركم بأفضلَ من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟” قالوا: بلى، قال: “إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين”. ( أبو داود بإسناد صحيح).

إن سلامة صدر المؤمنين من نعم الله العظيمة، وهي من أسباب النصر . قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم}.[الأنفال: 63]. قال الشوكاني: “إن ائتلافَ قلوبِ المؤمنين هو من أسباب النصر التي أيد الله بها رسوله”. (فتح القدير).

والعكس بالعكس فإذا وقعت الفرقة والشحناء حل الضعف والهوان. قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}. [الأنفال: 46]. وواقع الأمة اليوم خير شاهد ودليل. وصدق من قال:

كونوا جميعاً يا بنيَّ إِذا اعترى  ***  خطبٌ ولا تتفرقوا آحادا

تأبى الرماحُ إِذا اجتمعْنَ تكسراً *** وإِذا افترقْنَ تكسرتْ أفرادا

ثانيا: الشحناء والبغضاء سبب لرفع الرحمات والبركات.

إن الشيطان لما طُرد من الجنة امتلأ غِلاً وبُغضًا لآدم وذريته، وأخذ عهدًا على نفسه بإغوائهم وإشقائهم؛ ومِن أعظم وسائله في ذلك زرعُ الغلِّ والبغضاء في الصدور، فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ». (مسلم). يثول الإمام النووي:” ومعناه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها”.

لذلك كانت أول جريمة حصلت في الأرض كانت بسبب الحسد والعداوة في القلوب، حينما وقع بين الأخوين قابيل وهابيل ما وقع، فتطور الحسد والبغضاء إلى القتل وإزهاق الروح. {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. [المائدة: 30]. واليومَ ومع تسارُع إيقاع الحياة وشدَّة تنافس الناس في أمور الدنيا شاع هذا المرضُ القلبيّ وانتشر، وأرهق أصحابَه، وكدّر معيشتهم، وأساء علاقاتِ الناس بعضهم ببعض؛ فقلَّما ترى اليوم رجلاً وقد سلِم قلبه من الغلِّ والبغضاء؛ ومن مظاهر ذلك التقاطعُ والتهاجر والكراهية بين الناس والسخريةُ والحطُّ من أقدار الآخرين، وفي حين أن الناسَ يهتمّون بطهارة ظاهرهم وثيابهم وهيئاتهم، فإنّ القليل منهم من يهتمّ بطهارة قلبه وسلامته، وصدق الفضيل بن عياض رحمه اللَّه  حين يقول: ” الخلق ينظرون إلى ظاهرك، والخالق ينظر إلى باطنك، فاحذر أن تُزيِّن محلَّ نظر النَّاس ، وتُقبِّح محلَّ نظر اللَّه “

أحبتي في الله: وقفت مع نفسي وقفة وتأثرت كثيراً حينما قرأت حديثاً عن ليلة القدر في صحيح البخاري. عن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ :” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ” قلت: رفعت أعظم ليلة بسبب شحناء  وخصامٍ بين رجلين !!! فما بالكم بواقع الأمة الآن؟!!!!!

لذلك أخبرنا النبي ﷺ في أحاديث كثيرة أن الشحناء والبغضاء والخصام سبب لمنع المغفرة والرحمات والبركات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:” تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (مسلم). وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ [ ابن ماجة بسند حسن ].

وبين ﷺ أن الحسد والبغضاء يحلق الحسنات، بل الدين كله. فقال:” دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَالكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ “[ أحمد والبيهقي والترمذي بسند حسن ].

فبادر أنت بالخير إذا أعرض عنك أخوك وكن أنت الأخير ، فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:” لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ”(متفق عليه).

لذلك ربى الرسول ﷺ صحابته الكرام على سلامة الصدر، وعدم نقل الحديث عن أحد حتى لا توغل الصدور. فقال ﷺ: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ ‌وَأَنَا ‌سَلِيمُ ‌الصَّدْرِ» [ أبو داود والترمذي].

فهؤلاء الصحابة الأطهار الأبرار تخرجوا من مدرسة النبي المختار ﷺ ، حيث الطهر والحب والنقاء وسلامة الصدر. 

فهذا ابن عباس ابن عم الرسول ﷺ يحب الخير للجميع دون أن يكون له حاجة أو مصلحة. فعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: شَتَمَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ” إِنَّكَ لَتَشْتُمُنِي وَفِيَّ ثَلَاثُ خِصَالٍ: إِنِّي لَآتِي عَلَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَوَدِدْتُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ مِنْهَا مَا أَعْلَمُ مِنْهَا، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَعْدِلُ فِي حُكْمِهِ فَأَفْرَحُ بِهِ، وَلِعَلِّي لَا أُقاضِي إِلَيْهِ أَبَدًا، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ قَدْ أَصَابَ الْبَلَدَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْرَحُ، وَمَا لِي بِهِ مِنِ سَائِمَةٍ ” (الطبراني، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح).

فهيا إلى تنقية قلوبنا من الشحناء والبغضاء والحقد والحسد، وليحل مكانها التراحم والتواصل والحب، ولنفتح صفحة جديدة بيضاء نقية مع المتخاصمين والمتشاحنين؛ حتى تُرفع الأعمال إلى الله؛ وتتنزل الرحمات؛ ولا تحجب بسبب الخصام والشحناء؛ ويعاهد كل واحد منكم ربه أن يخرج من هذا المسجد ويبدأ هو بتنقية وسلامة صدره، والمصالحة والعفو والصفح؛ ليكون أفضل الناس وأخيره عند الله!! ولننشر بيننا السلم الاجتماعي، فنصبح متحابين متوادين متعاطفين، وليتحقق فينا قول الرسول ﷺ: ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”. (مسلم).

ثالثًا: التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ).

هناك ظاهرة منتشرة في المجتمع وهي ظاهرة التشكيك والتشاؤم، وهذه الظاهرة من الأعمال التي يقوم بها الشيطان. فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ “. (متفق عليه). قال الإمام ابن بطال: “إن هذا السؤال: مَن خلق الله؟ لا ينشأ إلا عن جهل مفرط، فإن الموسوس إن قال: ما المانع أن يخلق الخالق نفسه؟ قيل له: هذا ينقض بعضه بعضًا؛ لأنك أثبت خالقًا، وأوجبت وجوده، ثم قلت: يخلق نفسه، فأوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودًا معدومًا فاسد لتناقضه؛ لأن الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله، فيستحيل كون نفسه فعلًا له” [فتح الباري].

لذلك ينبغي على الإنسان أن يترك الشك الوساوس الشيطانية، وأن يتحلى باليقين دائما، لأن القرآن الكريم  أكثر من الثناء على أهل اليقين، فجعلهم أهل الهداية والفلاح، فقال سبحانه: {وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡءَاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ}. [البقرة: ٤]، وقال: {هَٰذَا بَصَٰۤئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ}. [الجاثية: ٢٠].

فادع الله تعالى أن يرزقَك اليقينَ، كما كان يدعو ﷺ: “اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا الْيَوْمَ مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ رَحْمَتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ عَلَيْنَا بِهِ مَصَائِبَ الدُّنْيَا”. (الترمذي بسند حسن).

وعليك بقراءةُ قصصِ الأنبياءِ، لأنَّ قراءةَ قصصِ الأنبياءِ تُثبتُ اليقينَ في القلوبِ، وتغرسُه في النفوسِ؛ قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120]، فإذا كانت قصصُ الأنبياءِ فيها تثبيتٌ لقلبِ المصطفى ﷺ، فما بالُنا نحن مع ضعفِ إيمانِنا وقلةِ يقينِنا!

إن اليقينَ به صلاحُ العبادِ والبلادِ، يقولُ الإمامُ ابنُ القيمِ رحمه الله: ” لا يتم صلاحُ العبدِ في الدارينِ إلا باليقينِ والعافيةِ، فاليقينُ يدفعُ عنه عقوباتِ الآخرةِ، والعافيةُ تدفعُ عنه أمراضَ الدنيا من قلبِه وبدنِه “. (زادُ المعادِ).

كذلك يجب عليك أن تخلع رداء التشاؤم وتلبس لباس التفاؤل، وهكذا المسلم يرى الأمل دائما غير منقطع وينظر إلى الواقع بإيجابية وتفاؤل. وفي الحديث: ” إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ”.(مسلم). (فهو أهلكهم أي أشدهم هلاكاً)؛ ففي هذا الحديث يبين ﷺ عظم من قال في الناس أنهم هلكى، لأن في ذلك حكم على عموم الناس بالهلاك وهو أمر غيبي لا يستطيع أحد الاطلاع عليه إلا بالوحي، والوحي قد انقطع من السماء. فكان جزاؤه أن يخبر النبي ﷺ عن القائل بذلك أنه أهلك الناس وأفسدهم، وهذا على رواية الرفع (بضم الكاف من أهلكهم). أما على رواية النصب (بفتح الكاف من أهلكهم) فمعناها: أنه أهلك الناس بكلامه ذلك، وقنطهم من رحمة الله تعالى.

فعلى العبدِ أنْ يكونَ حسنَ الظنِّ بربِّهِ وأنّه لا يخيبُ آمالَهُ وأحلامَهُ، بذلك يتحققُ لهُ أملُهُ ومرادُهُ، وكما قِيلَ: تفاءلُوا بالخيرِ تجدُوه، فكنْ حسنَ الظنِّ بربِّكَ يبلغكَ مرادَكَ أينمَا كنت، كما في الحديث: ” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ عَبْدِي مَا شَاءَ، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ “. (أحمد والطبراني والبيهقي وابن حبان). فإنْ أحسنتَ الظنَّ بربِّكَ وبمستقبلٍ مُشرقٍ كان لك ذلك، والعكسُ. يقولُ الإمامُ المناوي: ” المعاملةُ تدورُ مع الظنِّ، فإذا أحسنَ ظنَّهُ بربِّهِ وفىَّ لهَ بما أملَ وظنَّ، والتطيرُ سوءُ الظنِّ باللهِ وهروبٌ عن قضائهِ فالعقوبةُ إليهِ سريعةٌ والمقتُ لهُ كائنٌ ”. (فيض القدير).

أسال الله أن يطهر قلوبنا، وأن يرزقنا اليقين، وأنْ يحفظَ بلادَنا مِنْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.

    الدعاء،،،،،،،                                        وأقم الصلاة،،،،،                    كتبه : خادم الدعوة الإسلامية

د / خالد بدير بدوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى